أثبتت حركة التأويل في المدينة حرم الرسول بزعامة
الإمامين الصادقين، أي الباقر وابنه الصادق، هيمنتها الفكرية على كل المذاهب
الأخرى، مما فرض مرجعيتها على بقية المدارس الفكرية، الأمر الذي تجلى بانتماء اغلب
أصحاب المذاهب في فترة من فترات تحصيلهم العلمي الى مدرسة الصادقين، أو كانوا
تلاميذا لبعض المتخرجين منها. ولم يكن ذلك الا باعتبار ان الإمام وريث الشخصية
الفكرية والروحية التي كانت لرسول الله، فهم مصداق الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين
اصطفينا من عبادنا)32/35، ومن هذا المقام المرجعي الرفيع، تحاور الصادقان مع أئمة
المذاهب والتيارات الفكرية الناشئة، لردها عن منحى الانشقاق على وحدة الأمة. فجاءت
حواراتهم لتركز على أمرين؛ الأول، ان للأمة بعد الرسول مرجعية عليا يمثلها وصي
الرسول، وهذا يصادق عليه قوله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم)76/12. ثانيا، ان
التأويل هو المنهج الوحيد المؤهل لممارسة الفقه والاستنباط من الكتاب والسنة، وكل
عملية خارج هذا الإطار ضرب من الرأي والتقوّل غير المسؤول، وممارسة بعيدة عن
العلمية، ومحرمة في الدين.
فميز الصادقان في هذا الإطار بين توظيفين لمنطق
القياس بالمماثلة، التوظيف الصائب والأخر الشططي، فقال الصادق: «ان ابليس قاس نفسه
بآدم، فقال: (خلقتني من نار وخلقته من طين)12/7، فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه
آدم بالنار، كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار»
[43] ،
وفي عبارة اخرى قال: «.. فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية
النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الاخر»[44]
، ليتضح من ذلك، ان اعتراض مدرسة أهل البيت غير
متوجه لقياس المماثلة، الذي هو منطق التفكير، حيث ما المنطق الا عمليات قياسية،
وإنما على المنطق المتخبط في قياساته المعنون بالرأي، والاجتهاد، والقياس. ونُسِب
القياس الذي اشتهرت به مدرسة الرأي الى إبليس، لذلك قال الباقر في خطابه الى
اصحابه: «ان أول من قاس ابليس، وهو أول من سن لهذه الأمة القياس»
[45] ،
ويقابله قياس المماثلة المؤسس للتأويل الصائب، الذي لو عمل به إبليس؛ فقاس نور آدم
على نور عنصره الناري لتوصل الى معرفة حقيقة
تفضيل آدم عليه، ولما ضل عن ابليس سبيل ربه، كما يطالعنا بذلك الصادق.
ووظفت مدرسة التأويل قياس المماثلة، توظيفا
سليما، في عملية الاستنباط من الكتاب والسنة، بذلك يطالعنا وصي الصادق الامام موسى
بن جعفر الملقب بالكاظم بقوله: «اذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله
فان أشبههما فهو حق، وان لم يشبههما فهو باطل»
[46] ،
ويعزز ذلك ما يرد عن حفيد الصادق الإمام علي بن موسى بن جعفر الملقب بالرضا بقوله:
«ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز وجل واحاديثنا، فان كان يشبههما فهو منا وان
لم يشبههما فليس منا»[47] ، بهاتين المقولتين وامثالهما، تتبين طبيعة
توظيف مدرسة اهل البيت للقياس كمنهج له قواعده وضوابطه، التي بها يستنطق النصوص
بمقارنة بعضها على بعض، وهي العملية التي تكفل عدم التحول الى الشطط والتقول في
الدين. فتكمن اشكالية مذاهب الرأي في التوظيف الشططي لهذه الأداة المنهجية
والوسيلة المنطقية، لذلك أطلق القياس كعنوان لأزمة اشتهرت بها تلك المذاهب، وصار
يُقصد بالقياس عند اطلاقه القياس الشططي.
ويمكن تقديم نماذج للحوارات، التي أدارها أهل
البيت مع التيارات المذهبية، التي عاصروها كالتالي:
في حوار للإمام الباقر مع عمرو بن عبيد
المعتزلي، قال: «فانما على الناس ان يقرؤوا القرآن كما انزل، فاذا احتاجوا الى
تفسيره، فالاهتداء بنا والينا يا عمرو!»
[48] ، ففي الاشارة الى قراءة القرآن كما
انزل، تأكيد على العمل في القرآن بالتأويل، الذي به يقرأ على سبعة أحرف منزلة، وفي
الرجوع اليهم حال اشتباه التفسير تأكيد على ان المرجعية العليا الى الوصي من أهل
البيت.
وروي عن الحسن بن شعيب الحلبي، في (تحف العقول)،
خبر دخول سفيان الثوري على الصادق، ثم تبعه قوم ممن يظهرون التزهد، ويدعون الناس
ان يذهبوا مذهبهم:
فقالوا: ان صاحبنا (أي سفيان) حُصر
عن كلامك، ولم تحضره حجة، فقال لهم: هاتوا حججكم، فقالوا ان حجتنا من كتاب الله.
قال لهم: فانها أحق ما أتبعُ وأعمل:
قالوا: يقول الله تبارك وتعالى يخبر
عن قوم من اصحاب النبي (ص): (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح
نفسه فأولئك هم المفلحون)9/59، فمدح فعلهم، وقال في موضع آخر: (ويطعمون الطعام على
حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)8/76، فنحن نكتفي بهذا.
فقال ابوعبدالله: أخبروني أيها النفر ألكم علم
بناسخ القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، الذي في مثله ضل من ضل، وهلك من هلك
من هذه الأمة؟
فقالوا: بعضه فأما كله
فلا.
فقال لهم: من هاهنا أوتيتم، وكذلك أحاديث رسول
الله (ص) (وبدأ في حديث طويل يشرح لهم ما غاب عنهم في رؤيتهم فتشابه الامر عليهم
حتى انتهى الى القول: )
فتأدبوا أيها النفر بآداب الله وكونوا في طلب
علم الناسخ من القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه وما أحل الله فيه مما حرّم،
فانه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل ودعوا الجهل ودعوا الجهالة لأهلها، فان
اهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل، وقد قال الله عز وجل (وفوق كل ذي علم عليم)76/12»
[49] .
في هذا الحوار نلاحظ تأكيد الامام الصادق على
العلم بالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، كأساس أولي يسبق الحديث عن أي رؤية
تنسب الى كتاب الله، وتحسب على الإسلام، فلم يدخل الإمام في حوار مباشر لمناقشة
الرؤية الجزئية، التي طرحوها، وانما استهدف التحقق من المؤهل المخول امتلاك مفاتيح
فهم الخطاب والاستنباط منه، والذي حدده الرسول في مقولته: «من افتى الناس وهو لا
يعرف المحكم من المتشابه فقد هلك واهلك»، فغياب هذا المؤهل أدى بالأمة الى الهوي
من قمة المجد، الذي اوصلها اليه الرسول، والغنى الذي اثراها به، بإعطائها مفاتيح
خزائن الكتاب، لتتناثر الى أمم وأحزاب مختلفة متناحرة، كل منها يدعي الاسلام
وتمثيله لصراطه المستقيم، ومن عداه هو من تاه في السبل وحقت عليه الضلالة. هذا ما اشار
اليه الصادق عندما ربط بين الجهل بالتأويل وبين ضلال وهلاك كثير من هذه الأمة،
نتيجة ما ترتب على جهلها من انحراف، وهذه العبارة ذاتها تضاهي ما قاله الرسول في
مقولته الآنفة، التي يؤكد فيها ضلال العملية الفتوائية القائمة على الجهل بركنية
التأويل: «اخبروني ايها القوم ألكم علم بناسخ القرآن ..
الذي في مثله ضل من ضل وهلك من هلك من الأمة»، وهو المصير نفسه الذي تنبأ ابن عباس
بتوجه الأمة نحوه، حين قال لمعاوية الناهي عن التأويل: «أتنهانا ان نعبد الله
بالقرآن بما فيه من حلال وحرام؟ فان لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف»،
فالهلاك الذي توقعه ابن عباس، قد حدث في زمن الصادق، كما يتضح من كلمته الدالة على
تحقق الهلكة، كنتيجة لشوط طويل من المكافحة، تتمثل في المسافة الفاصلة بين بداية
العهد الاموي*، وعهد الصادق الذي شهد سقوط الدولة الاموية، وعاش في مطلع
الدولة العباسية، حيث أدى الاختلاف الى تبلور المذاهب بظهور التباين في العقيدة
والشريعة. وأكد الإمام الصادق في نهاية حديثه بدعوته الصريحة لتعلم التأويل:
«كونوا في طلب علم الناسخ من منسوخه من القرآن.. ودعوا الجهالة لاهلها فان اهل
الجهل كثير واهل العلم قليل، وقد قال تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم)76/12»، وفي
الاشارة لكثرة أهل الجهل بالمقارنة بأهل العلم، انما يفضح سياسة التجهيل التي تفرض
على تعليم القرآن في الامصار الإسلامية، فكثرة فقهاء الرأي لايدل على كثرة أهل
العلم، لانهم محسوبون على أهل الجهل، الذين تخرجهم مساجد الامصار، ويشكلون جيوشا
تشغل مناصب الفقه والقضاء، وتسهم في تفريق الأمة وتمزيقها شر ممزق، ويفرغ بهم
الدين، فلا يبقى منه الا الاسم ومن القرآن الا الرسم، ليبقى للحكام الملك في ظل
سياسة «فرق تسد». ويختم الامام الصادق بالتذكير بالآية، التي بها ينبه الى وجود
سلّم علمي، فيه يرجع العالم بما تشابه عليه الى الأعلم منه، حتى ينتهي التسلسل الى
أعلم الأمة، الى الإمام الخليفة الوارث الامثل لعلم الرسول، وله مقام المرجعية
العليا في الأمة، فهو البديل الامثل عن الاستئثار بالرأي، الذي يفضي الى تشكل
المذاهب والتفرق الى أحزاب.
ونموذج لابتناء المذاهب على الرأي،
البديل المنطقي لكل من تجاوز المنهج التأويلي، الذي نزل به الوحي، وأكد عليه
الرسول، واستقام عليه الأوصياء، الحوار الدائر بين الإمام الصادق وأبرز فقهاء
الرأي، الإمام أبو حنيفة النعمان:
قال ابو عبدالله الصادق لأبي حنيفة
لما دخل عليه: من انت؟
قال: ابو حنيفة!
قال (ع): مفتي اهل العراق؟ قال:
نعم.
قال (ع): بما تفتيهم؟ قال: بكتاب
الله.
قال (ع): وانك لعالم بكتاب الله،
ناسخه ومنسوخه،ومحكمه ومتشابهه؟
قال: نعم.
قال: فاخبرني عن قول الله عز وجل:
(وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)18/34، أي موضع هو؟
قال ابو حنيفة: هو ما بين مكة
والمدينة، فالتفت ابو عبدالله الى جلسائه، نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة
والمدينة، ولا تأمنون على دمائكم من القتل، وعلى اموالكم من السرقة؟
فقالوا: اللهم نعم.
فقال ابو عبدالله: ويحك با ابا حنيفة!
ان الله لا يقول الا حقا، اخبرني عن قول الله عز وجل: (ومن دخله كان آمنا)97/3، أي
موضع هو؟
قال: ذلك بيت الله الحرام، فالتفت
ابو عبدالله الى جلسائه، نشدتكم بالله هل تعلمون ان عبدالله بن الزبير، وسعيد بن
جبير، دخلاه فلم يأمنا القتل؟
قالوا: اللهم نعم.
فقال(ع): ويحك يا أبا حنيفة! ان
الله لا يقول الا حقا.
فقال ابو حنيفة: ليس لي علم بكتاب
الله، انما انا صاحب قياس.
قال(ع): فانظر الى في قياسك ان كنت
مقيسا أيهما أعظم القتل أو الزنا؟
قال: بل القتل.
قال: فكيف رضي في القتل بشاهدين،
ولم يرض في الزنا الا بأربعة؟ ثم قال له: الصلاة افضل أم الصيام؟
قال ابو حنيفة: بل الصلاة افضل.
قال(ع): فيجب على القياس قولك قضاء
لما فاتها على الحائض من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى
عليها قضاء الصوم دون الصلاة!! ثم قال له: البول أقذر أم المني؟.
قال: البول أقذر.
قال (ع): يجب على قياسك ان يجب
الغسل من البول دون المني وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول!!.
قال ابو حنيفة: انما انا صاحب رأي!
قال له (ع): فما ترى في رجل كان له
عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة، ثم سافرا
وجعلا امرأتيهما في بيت واحد فولدتا غلامين فسقط البيت عليهم، فقتل المرأتين وبقي
الغلامان ايهما في رأيك مالك وأيهما المملوك؟!، وايهما الوارث وايهما الموروث؟!.
قال ابو حنيفة: انما انا صاحب
حدود!!
قال (ع): فما ترى في رجل اعمى فقأ عين صحيح،
وأَقْطَع (أي مقطوع اليد) قطع يد رجل، كيف يقام عليهما الحد؟!
قال: انما أنا رجل عالم بمباحث
الأنبياء!!
قال (ع): فأخبرني عن قول الله تعالى
لموسى وهارون حين بعثهما الى فرعون: (لعله يتذكر أو يخشى)44/20، لعل منك شك؟
قال: نعم.
قال (ع): وكذلك من الله شك، اذ قال
(لعله..)؟!
قال ابو حنيفة: لا علم لي بقوله
تعالى!!
قال (ع): تزعم انك تفتي بكتاب الله
ولست ممن ورثه، وتزعم أنك صاحب قياس، وأول من قاس ابليس لعنه الله، ولم يُبن دين
الإسلام على القياس، وتزعم انك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله (ص) صوابا، ومن
دونه خطأ، لان الله تعالى قال: (فاحكم بينهم بما اراك الله)، ولم يقل ذلك لغيره،
وتزعم انك صاحب حدود، ومن انزلت عليه اولى بعلمها منك، وتزعم انك عالم بمباعث
الانبياء، ولخاتم الانبياء اعلم بمباعثهم منك، ولولا يقال: دخل على ابن رسول الله،
فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء، فقس ان كنت مقيسا.
فقال ابو حنيفة: لا أتكلم بالرأي
والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.
قال (ع): كلا، ان حب الرئاسة غير
تاركك كما لم يترك من كان قبلك»
[50] .
ان ادعاء أبي حنيفة الاعتماد على
الكتاب في استنباط الفتاوى، جعل الإمام الصادق يبادره بالسؤال عن قواعد منهج التأويل
وآلية الاستنباط، فسأله عن : المحكم والمتشابه والناسخ
والمنسوخ، فزعم ابي حنيفة العلم والدراية بها، ولكنه لم يستطع ان ينجح في اختبار
صدق دعواه، بعجزه عن تصريف آيات الخطاب على وجوه، فإجابة أبي حنيفة في الآية
المسئول عنها لم تكن خاطئة، وانما هي وجه من وجوه الآية، ولكن اجابته تكشف عن عدم
قدرته على تصريف الآيات على وجوهها، وهو ما يثبت افتقاد أهليته للاستنباط: «اذ لا
يكون الرجل فقيها حتى يعرف للقرآن وجوها كثيرة»، بينما لم يعرف ابو حنيفة للآية
الا وجها واحدا.
ثم انطلق الامام الصادق لامتحان ابي
حنيفة في القياس، الذي ادعى فيه علما، فطرح له اسئلة في غاية الدقة واللطف، فكشفت
اجابات ابي حنيفة، طبيعة توظيفه للقياس. فكانت تساؤلات الصادق: أيهما اعظم القتل
أم الزنا؟ أيهما أفضل الصلاة أم الصيام؟ أيهما أقذر البول أم المني؟»، كلها مشتقة
من التساؤل النمطي الذي تتمحور حوله حكاية ابليس في القرآن، حيث كان تساؤله: أيهما
خير الطين أم النار؟ وكان جوابه: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)12/7،
وكما كان هذا الجواب يتناقض مع الأمر الإلهي، حيث يقتضي قياس ابليس ان يسجد آدم
له، لا ان يسجد هو لآدم. كذلك كانت
اجابات أبي حنيفة تتعارض مع ما امر الله، فكانت تقتضي ان يثبت القتل بشهادة أربعة
شهود والزنا بشاهدة شاهدين، بلحاظ ان القتل أعظم من الزنا! وان تقضي الحائض ما
عليها من الصلاة ولا قضاء عليها في الصيام، بلحاظ الصلاة أفضل من الصيام! وان يكون
الغسل من البول لا من المني بلحاظ البول أقذر من المني! ليكشف الإمام الصادق بهذه
المقارنة الحاسمة طبيعة التوظيف الشططي الذي يجاري توظيف ابليس حذو النعل
بالنعل!!.
لذلك خاطبه الصادق في حوار آخر: «يا
أبا حنيفة! بلغني انك تقيس؟
قال: نعم، قال: لا تقس فان أول من قاس ابليس حين قال: (خلقتني من نار وخلقته من
طين)12/7، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما
بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر»
[51] ،
وفي هذا تمييز بين نوعين من القياس، كما تقدم ذكره آنفا، فالأمثلة المتقدمة لأبي
حنيفة تكشف عن خروج عملية القياس عن اطار الخطاب القرآني، فهي عملية لا تعتمد على
استنطاق الخطاب برد آياته الى بعضها، بل عوضا عن ذلك ، يتبرع ابو حنيفة بالإجابة،
في عملية ارتجالية، يرتجل فيها الإجابات اعتباطا. في وقت كانت المقارنات في اطار
الخطاب مؤسسه على البحث المتأني، الذي يتطلب الوقت اللازم لتحري الحقيقة، لا التسرع
والارتجال الذي يؤدي الى الشطط. لذلك كان القرّاء يبذلون الوقت الطويل، فيقضون عدة
ليال في استقراء القرآن، بحثا عن الرؤى والأحكام في عملية استنطاقية تقاس فيها
الآيات ببعضها، في عملية تتطلب الدقة والتثبت، لذلك ورد عن الرسول: «من أفتى الناس
دون تثبت فإنما إثمه على من أفتاه».
وادعى ابو حنيفة علمه بالرأي،
والحدود، ومباعث الانبياء، الا أنه كان في كل امتحان لا يأتي بخير، ويثبت عجزه،
حتى أقرّ في نهاية المطاف، ان لا علم له. وعلى أساس هذا الجهل بنت جميع المذاهب
كياناتها، اذ اصحابها لا يعدون نموذج أبي حنيفة في علمه، فكلهم في الجهل بالتأويل،
والاعتماد على الرأي والقياس سواء.
ثم ان المقولة التي أعرب فيها أبو
حنيفة عن تراجعه في مواصلة تزعمه لمذهبه، أبطلها الإمام الصادق بمعرفته لطبيعة
نفسية أرباب المذاهب، الذين يصبون من وراء مواقفهم تلك الى مكانة اجتماعية، وزعامة
دينية، وحظوة عند السلطان. ولهذا لم نجد إماما من أئمة أهل البيت، استطاع ان يقنع
أحد أرباب المذاهب بالتراجع عن توجهه الضال، اذ لا تعوز الإمام قوة الاستدلال ولا
متانة الحجة، ولكن ينقص ائمة المذاهب الاستعداد للاقتناع بعد ما تشرّبت قلوبهم حب
الرئاسة، وسلطان الحب يعمي ويصم، فكان ذلك حال تلك المذاهب وزعمائها، الذين دعمتهم
السلطة القائمة، ليقفوا في الموقع، الذي يناهضون فيه تيار أهل البيت، في سبيل
مكانة اجتماعية زائفة، وزعامة دينية زائلة، وثمن بخس يتقاضونه لبيعهم الكتاب.
[43] الكليني، الكافي، 1/47.
[44] ن، م، 1/47
[45] صادق الشيرازي، القياس في الشريعة الاسلامية، 48. نقلا عن: الحر العاملي، الوسائل.
[46] المجلسي، بحار الانوار، 77/164.
[47] الطبرسي، الاحتجاج، 377.
[48] تفسير فرات الكوفي، 91-92. الحر العاملي،
الوسائل، 18/149. الطبرسي، الاحتجاج، 363.
[49] حسن الامين، اعيان الشيعة، 1/662.
[50] الطبرسي، الاحتجاج،360.
[51] الكليني، الكافي، 1/47.