التأويل والمذاهب

من الجدير بعد كل ما تقدم، ان نلتفت بالبحث الى الجذور المؤسسة للفرق والمذاهب، بعد ان تبين إننا بالفعل قد توصلنا في عملية الحفر في طبقات التراث الى الكشف عن البنى التحتية، التي أقيمت على قاعدتها البناءات الفوقية للواقع الفرقي والمذهبي. وهي البنى التحتية التي وان قمنا بملامستها بصورة إشارية، فيما تقدم، فإننا سنسعى الى ترتيب تلك المستحاثات المكتشفة الى جنب بعضها البعض لإيجاد رؤية مفسرة. بالإضافة الى اننا لا نعوّل كثيرا على ان تكون هذه الرؤية، التي ستطرح تحت هذا العنوان رؤية نهائية، لأننا نتوقع في مستقبل المشروع، ان نعيد الحفر في هذه البنى التحتية للكشف عن السنن والقوانين، التي يمكن ان تقدم لنا رؤية اكثر عمقا في تفسيرها للواقع التاريخي والمعاصر، الذي في مشهده تتشظى الأمة، وتتشذر في كيانية مبعثرة.

كان الانفجار التاريخي لبنية الأمة ناتجا عن الإصابة بفيروس النفاق، الذي عشعش في داخل كيانها قبل ان يتكاثر على حسابها، ثم ينفجر فيبعثرها لكيانات صغرى، تغيب فيها الهوية الأم، بذلك كتبت وفاة كيانية الأمة الواحدة؛ فالفرقة والمذهبية قبل ان تستحيل الى فعل يمنحها وجودها الفعلي، كانت بناء تم تصميمه ونسج معالمه في الفكر. وبناء على ذلك، فان واقع الأمة الذي انفجر فجأة فتمزقت في كل الاتجاهات مشكلة الفرق السبعين، ناجم عن أزمة أُسس لها فكريا، وما التأسيسات السياسية والعسكرية الا بناءات فوقية. فالتحول في مسار الأمة لم يكن أحادي الاتجاه، وانما شمولي ينال كل أبعادها، الا انه يبقى للبُعد الفكري حضوره كأساس للأبعاد الأخرى، باعتبار النظرية تسبق التطبيق، والفكرة تسبق الحركة.

لقد وضعنا أيدينا منذ مراحل مبكرة في الحفر في العهد النبوي، على وجود نخر فكري، أو لنقل بناء فكريا يقام داخل البناء الفكري الاول، ويشكل النقيض له. ففي الوقت الذي يضع الرسول قواعد التأويل كمنهج في التعاطي مع الخطاب القرآني، اتخذ المنافقون من نفس هذا التأسيس حجرا لبناء يجدون فيه السبيل للنيل من القرآن، باعتبار التأويل تحريك لمكونات الخطاب يمنحهم إمكانية التلاعب في القرآن بإظهاره بمظهر المتناقض. وهو ما عبر عنه الرسول بالقول «من ضرب بعض القرآن في بعض فقد كفر»، وهو التضارب الذي كان يرجى من ورائه تحقيق المعنى الذي ينص عليه الشطر الثاني من الآية: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، فالتأويل سيجعلونه مسئولا عن الاختلاف في القرآن. وهو الاختلاف ذاته الذي استغل في مرحلة لاحقة في رفض التأويل وحصر القراءات، واعتماد الرأي وأشعار الجاهلية في فهم الوجه اليتيم، الذي حصر فيه القرآن. وبالنسبة للسنة النبوية المتمثلة في المقولات النبوية، المعروفة بالأحاديث، فانهم اكثروا من الوضع في الحديث الى درجة مغرقة، ليظهروا السنة هي الأخرى بانها متناقضة ومختلفة على نفسها، ثم استغل هذا الاختلاف لاحقا لرفض السنة، والعمل بناء على الأحاديث النبوية، كما منعوا من إنتاجها عن طريق عمل التأويل في الكتاب، أو في ذات الحقل الحديثي، وتم التشديد في تطبيق هذه التدابير، كلما تقدمت العهود المتوارثة للعمل بهذه الإجراءات، المنتظمة في مخطط واضح ومدروس الخطوات والنتائج.

اصبح الكتاب مجردا من بيان الرسول من جهة، ومن التأويل كمنهج من جهة أخرى، ليتحقق الشعار: حسبنا كتاب الله. ثم ان عملية تدريس القرآن المؤول وما ينتج عنها من آلية إنتاج النظام الاجتماعي والسياسي ذاته، بإنتاجه للفقهاء باعتبارهم رجال الدولة، توقفت ليفصل بين الدين والسياسة، بفقهاء يقوم علمهم على أساس الرأي، وحكام يأخذون السلطة بسيرة الأمم السالفة. ولكي نفهم الأبعاد التي تقود إليها هذه النتائج، نحتاج الى مزيد من التأمل في هذين المعطيين، ومزيد من التشريح لمعاينة الآثار المترسبة في جسد الأمة، نتيجة التسمم بمضاعفات هذا المركب الثنائي، ولذلك نعيد تحليل هذين المعطيين، على ضوء بعض الملاحظات المتقدم ذكرها:

أولا: ان انفصال القرآن عن التأويل تبنته كل الزعامات التي تعاقبت على سدت الحكم بعد الرسول، باستثناء الإمام علي (ع)، فرفضت تأويل القرآن، فحاول الزعماء الأوائل عدم التصريح بذلك، وحاولوا ان يكون الموقف ملتبسا في المشهد العام، عند جمهور المسلمين، لا في المشهد الخاص، لان الأمر أشد انكشافا من عين الشمس عند الصحابة الأوفياء، لذلك حصروا ومنعوا من الانتشار في البلدان، لما يشكلونه من خطر يفضح ما تريد السلطة استتاره، وهي الفضيحة التي عبرت عنها السلطة بصورة مقلوبة، كما هي طبيعة الخطاب المنافق الذي دائما يتوخى التباس الصورة، حيث اعتبر في انتشار أصحاب محمد في الآفاق إضلالا للأمة‍‍! وهذا غير قابل لان يتصور، الا باعتبار ان الإضلال هو الفضيحة، التي سيترتب عليها تجريد السلطة من شرعيتها. الا ان معاوية لم يكن كمن تقدمه لاسيما بعد ان سالت الدماء غزيرة، فصرح في حواره مع ابن عباس بمنعه الأمة من تأويل القرآن، فهو بذلك يصرح بما تبنته السلطات من قبله، ولكنها لم تجاهر به، وان كان تصريحها الناتج عن تدابيرها وإجراءاتها المتخذة تجاه المنع من التأويل أعلى صوتا من أي تصريح، الا ان الذي يشد اهتمامنا ان ابن عباس توجه في حواره مع معاوية بالتأكيد على ما يترتب على إجراء المنع من التأويل، من اختلاف الأمة فكريا، سيقود لا محالة الى بروز المذاهب: «يا معاوية! أتنهانا ان نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام؟! فان لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف»، وقول ابن عباس مبتني على أساس معرفته بالتأويل كعملية منهجية قائمة على استنطاق القرآن، وقراءة (:تفسير) بعضه ببعض، وهي العملية التي تصد الرأي والهوى الشخصي من الدخول كموجه، فإذا ما خلّي بين القرآن وبين ذاته، فان القرآن سوف لن يختلف على نفسه. وهو تعبير الرسول: «لو قرأ الناس القرآن كما انزل ما اختلف اثنان»، بينما إذا دخل الرأي سوف يقود الى نشوب الاختلاف الممهد الى الفرق. والرجوع الى فكر المذاهب يكشف ان تلك المذاهب أسست أفكارها نتيجة للتأويل المجتزأ المندرج تحت عنوان الرأي، فالمجسمة مثلا قالوا بالتجسيم بناء على آيات تشير الى يد الله، وعين الله، ووجه الله، والجبرية بالاعتماد على آيات تشير الى هيمنة مشيئة الله كقولة: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)30/76، وهكذا بقية الاطروحات والرؤى المذهبية، التي أسست على اجتزاء القرآن وتبعيض نصه.

ثانيا: ان تزييف الواقع الفقهي بإحلال الرأي بديلا عن التأويل، أدى الى جعل فقهاء الرأي بدائل عن فقهاء التأويل، ولما كان القرآن المؤول يشيد كيان الأمة المرصوصة الصفوف، وينتج في الوقت نفسه النظام السياسي للدولة، من خلال آلية تعمل بشكل تلقائي، وفقا لقاعدة (ان أكرمكم عند الله اتقاكم)13/49، (وفوق كل ذي علم عليم)76/12، وهي التي عبر عنها الرسول حين وضعها موضع التنفيذ بالقول: «القرآن مقدّم»، وهي القاعدة التي تعبر عن خلق القرآن لرجال الأمة والدولة، الذين لهم من العلم والخبرة المؤهلة لوضع مشروع أمة القرآن موضع التنفيذ. كما ان تكاثر فقهاء التأويل في صفوف الأمة ضمانة لصيانة وحدة الأمة، والمدعّم لنجاح سياسة قيادتها. فجاءت عملية التحوّل الانقلابي في سدة الحكم برجال لايفقهون القرآن، بل لا يؤمنون به. لذلك كان تعطيلهم لآلية القرآن المنتجة للنظام ضرورة، تمت بوقف العمل بالقرآن من خلال تجريده من التأويل، ثم بحصره وتثبيت العمل في نصه  بالرأي.

مما جعل فقهاء الرأي هم البدائل عن فقهاء التأويل، وبدأ الفصام بين الدين والسياسة بالظهور، فالدين في مفاهيمه العبادية الفردية الطابع، من اختصاص فقهاء الرأي، والدين كنظام سياسي واجتماعي واقتصادي من اختصاص الحُكّام. واخذ الاختلاف في الفكر يستشري بين فقهاء الرأي، ففي الوقت الذي كان وجود فقهاء التأويل يصون وحدة الأمة، ويحدد سياسة الدولة في تطبيق الكتاب، كان وجود فقهاء الرأي يؤدي الى استشراء الخلاف، ويهدد الأمة بتفتت وحدتها الى مذاهب، ويسخر الدين لإعطاء الشرعية للغالب، ويسبغ على إجراءاته الظالمة سربال العدل والتقى. وهذا ما جعل القرآن المؤول يحوّل الفقهاء الى رجال معارضة للطغيان السياسي، يكافح من خلالهم تفشي الظلم الاجتماعي، ويجيش الجماهير من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من منطلق الجهاد في سبيل الله للعمل والتضحية من اجل إسقاط مظاهر الطغيان، وتقويض قواعد الظلم. فكانت مظاهر التحرك الثوري مصاحبة لوجود فكر التأويل، ولم تغب الا بغياب التأويل وحلول الرأي المدجن للأمة، والمخدر للعقول بديلا عنه. هكذا تأسس واقع الصراع في الأمة بين التحريف والتأويل، ومع تفشي التحريف وتقهقر التأويل، نشأت المذاهب، واستحواذ كل فقيه على شطر من الأمة، يتبعه ويعمل بآرائه، وتناقضت التيارات المذاهبية في أفكارها وأعمالها وكفر بعضهم بعضا، واقتتلوا فيما بينهم، وتضعضعت الدولة الإمبراطورية، ووجدت الأفكار المذهبية الفرصة لكي تعبر عن نفسها سياسيا. فبرزت الكيانات السياسية المذهبية. وبعد ان أعيت الاختلافات الجميع، سادت ظاهرة اللاأبالية والتحلل من المسئولية، وأصبحت الأمة حينها مطية للغالب.