تكشف مقارنة علم أصحاب الرسول بعلم أهل
بيته الفارق بين العلمين في الشمول والعمق، لتكون المقارنة بين الطرفين كالمقارنة
بين علم الرسول وعلم الصحابة المتتلمذين بين يديه، بسبب توريث الرسول علمه
لأوصيائه، ليشغلوا في المستقبل مكانته في الأمة عن جدارة. ويمكن الاستشهاد على
تفوق علم الإمام علي بن ابي طالب بكلمات الصحابة، كمقولة ابن عباس: «علي (ع) عُلم
علماً علمّه رسول الله(ص) ورسول الله(ص) علّمه الله، فعلم النبي (ص) من علم الله،
وعلم علي من علم النبي (ص) وعلمي من علم علي (ع)، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم
علي (ع) الا كقطرة في سبعة أبحر»[30] ، وشهادة ابن مسعود، التي
يقول فيها: «ما من آية الا ولها ظهر وبطن وان علي بن أبي طالب قد جمع منه الباطن
والظاهر»، ما يدل على إلمام الإمام علي الكامل بعلم الكتاب، بحيث لا يضاهيه في ذلك
أحد. وهو ما صرح به علي(ع) في قوله: «ما بين اللوحين شيء إلا وأنا أعلمه»[31]
، وهذا العلم متوارث في أبنائه، كما يدل على ذلك قول
الإمام الصادق: «كان علي صاحب حلال وحرام وعلم بالقرآن، ونحن على منهاجه»
[32] .
وهذا ما يجعل المقارنة بين الفقه في الدائرة
التي رعاها الرسول، وبين الاخرى التي رعاها الأئمة من أهل البيت
النبوي، تكشف عن تماثل التقاطيع والملامح بين الدائرتين؛ فالفقه ينصب اهتمامه على
تأويل الكتاب بإنزاله على سبعة أحرف، بقراءة بعض القرآن في بعض، والأحاديث أفكار
مشتقة من الكتاب كمصدر لها، وفقه الفقيه مشروط بمعرفته تصريف الخطاب على وجوه
وتعديد قراءته. هذه الخصائص للمجال الفقهي، الذي بلورته احاديث مروية عن الرسول،
نجدها تتكرر في دائرة أئمة أهل البيت:
كما نجد في قول الصادقين: «لو قرأ الناس القرآن
كما أنزل لألفينا مسمين بأسمائنا كما سمي من قبلنا»
[33] .
وقول
الباقر: «إنما على الناس ان
يقرؤوا القرآن كما انزل»، وأضاف: «تفسير القرآن على سبعة اوجه منه
ما كان ومنه ما لم يكن بعد ذلك يعرفه الأئمة»
[34]
وقول
الجواد: «ما استوى رجلان في حسب ودين قط، الا كان أفضلهما عند الله، عز وجل،
أأدبهما، قيل له: قد علمنا فضله عند الناس وفي النادي والمجلس، فما فضله عند الله؟
قال بقراءة القرآن كما انزل، ودعائه من حيث لا يلحن».
وعبارة
[قراءة القرآن كما انزل] التي تعتمدها هذه الاحاديث ترجع الى قول الرسول المتقدم:
«انزل القرآن على سبعة أحرف، لو قرأ الناس القرآن كما انزل ما اختلف اثنان»، فترى
مدرسة اهل البيت ان من الواجب على الامة ان تقرأ القرآن، كما انزل على سبعة احرف،
لان بهذه القراءة يتفصل العلم القرآني، ليظهر علم ما كان وما يكون، والكثير من
التفاصيل التي من جملتها اسماء خلافاء الرسول، بهذا تؤكد مدرسة اهل البيت على منهج
الرسول المعدد لوجوه وقراءات النص.
ومارس أئمة أهل البيت التأويل في النص، فصرفوا
الخطاب على قرأءات شتى، وعقبوا خلفها بالقول «هكذا انزلت، او هكذا نزل بها
جبرائيل»، وهي العبارة ذاتها التي عقب بها الرسول بعد كل قراءة من القراءات
المختلفة، التي قرئت بين يديه، «أحسنت هكذا أنزلت»، إشارة الى نزول القرآن على
سبعة احرف كلها قرآنية، وصائبة. وبذلك لم يقتصر أئمة أهل البيت على قراءة زيد،
التي حوتها المصاحف العثمانية، والحجاجية، والعباسية، وانما قرءوا القرآن على
قراءات غير محصورة، فالقرآن في تصورهم غير قابل للحصر في الإطار الضيق، الذي مثلته
قراءة زيد، التي ما هي الا قراءة من قراءات القرآن الغير متناهية، ومن جملة
قراءتهم تلك:
* عن أبي عمر
الزبيري عن أبي عبدالله (ع)، قال: «قلت له ما الحجة من كتاب الله ان آل محمد أهل
بيته؟ قال (ع): قول الله تبارك وتعالى: (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل
عمران وآل محمد (هكذا أنزلت) على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)،
ولا يكون الذرية من القوم الا نسلهم من أصلابهم»
[35] .
* وعن محمد بن خالد،
عن الصادق، انه قرأ: (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها بمحمد)، قال: هكذا
والله نزل بها جبرائيل على محمد (ص)
[36] .
* وعن أبي ربيعة،
قال: سألت عبدالله (ع) عن قول الله عز وجل: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة
في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)59/6، فقال (ع): الورقة: السقط،
والحبة: الولد، وظلمات الأرض: الأرحام، والرطب: ما يحيي الناس به، واليابس: ما
يغيض، وكل ذلك في إمام مبين»
[37] .
* وعن أبي جعفر (ع)
قال: نزل جبرائيل بهذه الآية هكذا: (فأبى اكثر الناس بولاية علي إلا كفورا) قال:
ونزل جبرائيل بهذه الآية هكذا: (وقل الحق من ربك في علي فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر انا اعتدنا لظالمي آل محمد نارا)[38] .
*
وعن أبي جعفر،
قال: هكذا أنزلت هذه الآية: (ولو انهم فعلوا ما يوعظون في علي لكان خيرا لهم)
[39] .
* وعن محمد بن مسلم،
قال: قال أبو جعفر (ع): (فان تنازعتم في شيء فأرجعوه الى الله والى الرسول والى
أولي الأمر منكم) بدل (فردوه)
[40] .
* وروى أبو بصير،
كما روى عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله، قال: سأله أبي عن هذه الآية: (ولقد نصركم
الله ببدر وانتم أذلة)، قال: ليس هكذا أنزله الله، ما أذل الله رسوله قط، إنما
أنزلت (وانتم قليل)
[41] .
هذه العينات تظهر قراءات أئمة أهل
البيت كامتداد لقراءات الرعيل الذي عاش في صدر الإسلام، والقائمة على قاعدة:[ ليس
من الخطأ ان تقرأ بعض القرآن في بعض تأويلا]، فتتحرك آيات القرآن على سبعة محاور
انفصالا واتصالا، لينتج عن ذلك علم يقيني غير متناه، يرشّد مسار الأمة.
وعلى صعيد الأحاديث، نجد ان الواقع
الذي ساد في عصر الرسالة الاول حاضرا في التيار الفكري
الذي قدّمه أهل البيت للأمة، فالإمام الصادق يصرح بان الأحاديث هي الفتاوى
القرآنية، او الأفكار القرآنية، ليس اكثر. ويرد تصريحه في الخبر عن حماد بن عثمان،
قال: قلت لأبي عبدالله (ع): «ان الأحاديث
تختلف عنكم، قال: فقال(ع): ان القرآن نزل على سبعة أحرف، فأدنى ما للإمام ان يفتي على سبعة وجوه، ثم قال: (هذا عطاؤنا فامنن
أو امسك بغير حساب)
[42] ، والاختلاف المشار الى وقوعه في
الفتوى ناتج عن تعدد اتجاهات تصرف الآية القرآنية باختلاف اتصالاتها. فهذا التباين أو التناقض سطحي، وظاهري غير حقيقي، حتى بين
الحديث الذي قيل تقية، والآخر الذي يتجاوز التقية. يضاف الى ذلك، ان الإجابة
تتناسب مع اللحاظات المتباينة
للمسألة المطروحة، مما يجعل المسألة الواحدة تتعدد إجاباتها بتعدد
لحاظاتها، واختلاف الظرف الموضوعي المؤطر لها.
ويرتبط الفقه في فكر أهل البيت بالقدرة على
التصريف على وجوه، لذلك يتحدد تعريف الفقيه بامتلاكه هذه القدرة، لذلك يعرف الصادق
الفقيه بالقول: «انتم افقه الناس إذا عرفتم وجوه كلامنا ان كلامنا ليتصرف على
وجوه»، وهو يساوق قول الرسول: «لا يكون الرجل فقيها حتى يعرف للقرآن وجوها كثيرة»،
كما ان أحاديث الرسول اشتقاقات قرآنية، يتمثل معيارها المصحح والضابط لها في
القرآن، كذلك هو واقع الفقه على عهد أئمة أهل البيت، كما يعكس ذلك قولهم: «إنا لا
نقول الا ما قال ربنا»، تعبيرا عن التزامهم المطلق بالقرآن، فيما يصدر عنهم من
احاديث يرونها عن الرسول، كما في قوله الباقر لجابر الذي سأله: اذا حدثتني بحديث
فاسنده، فقال الباقر: كل ما حدثتك به اروه عن الرسول، بالإضافة الى طلبهم من
أتباعهم عرض أحاديثهم على الكتاب، للتمييز بين صحة ما نسب اليهم من أحاديث.
وهكذا نلاحظ وحدة البناء الفقهي القائم على عهد
الرسول، وذاك القائم على عهود أئمة أهل البيت، بل يمكن القول بان الامر يصل الى
درجة التطابق، الذي يستحيل فيه الفقه في دائرة أهل البيت الى نسخة مطابقة للفقه في
دائرة الرسول، مما يعبر عن وراثة أئمة أهل البيت لمدرسة التأويل، التي أسسها
الرسول وللإرث الفكري، الذي انتجته مدرسة الرسالة. لتكون القراءات التأويلية،
والأحاديث التي نتجت كاشتقاقات عن النص، والكتب التي تروي ذلك التراث، والفقهاء
الذين خلّقتهم تلك المدرسة، وكل ما انتجته ممارستهم الفقهية من نصوص، وتيار الامة
العريض، الذي يقف على رأسه أولئك الفقهاء، كل هذه المكونات يفترض ان تشكل لبنات
الكيان الذي ورثه أئمة اهل البيت عن الرسول.
[31]
البحراني،
البرهان في تفسير القرآن، 1/17.
[32]
ن، م.
[33]
العياشي، تفسر العياشي، 1/12.
[34]
البحراني،
تفسير البرهان 1/ 16.
[35]
تفسير العياشي، 1/169. الكاشاني، تفسير الصافي، 1/ 57. المجلسي، بحار
الانوار، 7/ 46.
[36]
روضة الكافي، 8/ 183.
[37]
البحرني، تفسير البرهان، 4/36.
[38]
الكليني، الكافي، 1/ 351.
[39]
الحر
العاملي، الوسائل، 4/866.
[40]
تفسير العياشي، 1/ 254. بحار الانوار، 6/ 24. البحراني،
تفسير البرهان، 1/ 387.
[41]
تفسير العياشي، 1/ 196. بحار الانوار، 6/ 466. البرهان،
1/ 310. تفسير الصافي، 1/ 295.
[42]
البحراني،
تفسير البرهان، 1/ 19.