التعليم والتقية

ان عملية خلق الكادر القيادي المشار إليه بمصطلح شيعي في مدرسة أهل البيت، مرهونة بعملية البناء الفكري والروحي، التي يمارسها أئمة أهل البيت على عينات منتقاة، تمتلك الاستعداد المقوم للشخصية القيادية. وغالبا ما يلتقون مع هذه العينات من خلال حلقات الدرس ومجالسهم العامة، التي يعقدونها. ويدل على هذه العملية الاصطفائية، مقولة الإمام الصادق: «إنما شيعتنا النجباء»، وهي تعبر عن مستوى من القدرة العقلية، والذكاء الذي ينبغي ان  تمتلكه الشخصية المؤهلة لتبوأ مواقع تشرف من خلالها على إدارة المهام الصعبة، باعتبار ان  الأئمة كانوا يتبنون في ظل التقية الخطاب القرآني المرمز او المشفر المفتقر الى التأويل، وهو الواقع الذي يجعل محدودي الذكاء لا يسعهم التعرف على دلالة الكلام، الا في ظاهره، وهي دلالة سطحية و خادعة، بينما تغيب مقاصد الخطاب الحقيقية في بواطنه، فيتساقط لذلك الكثيرون ضحايا الدلالة الظاهرة من الخطاب المتقي. فكانت الأزمة، كما أسلفنا، تكمن في الحيلولة بين أئمة أهل البيت وبين الجلوس في مجلس الدرس. حيث لم يتمكن من الجلوس في مجلس الدرس ويؤسس مدرسة تنتج تراثا خالدا الا الإمامين الباقر والصادق، ويمكن التدليل على مجالسهم بالعديد من المقتطفات الواردة في التراث، منها ما يرويه المفيد: «ان ابن العوجاء وابن طالوت في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام وأبو عبدالله جعفر بن محمد فيه إذ ذاك يفتي الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب على السائل بالحجج والبينات»[19]  .

وعن طبيعة الخطاب المتقي، الذي يعتمد على الرمز، والذي يلجأ المخلصون أحيانا الى الإفلات منه ليلوذوا بالخطاب الصريح عن طريق الاختلاء بالإمام، يقول زرارة: «سألت الباقر عن مسألة، فقال: إذا كان الغد فأتني حتى أقرئك من كتاب، فأتيته في الغد بعد الظهر. وكانت ساعتي التي كنت أخلوا فيها بين الظهر والعصر، وكنت اكره ان  أسأله الا خاليا خشية ان  يفتيني من اجل من يحضر بالتقية»[20]  ، وهذه الخلوة كانت ضرورية، إذ كان أئمة أهل البيت يختلون بشيوخ شيعتهم من اجل التباحث في الأمور الكبرى، كما في الخبر: «دخل هشام بن الحكم على الإمام الصادق وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين، وقيس الماجد، ويونس بن يعقوب، وأبي جعفر الأحول (: مؤمن الطاق)، وغيرهم»[21]  . كما ان من خلال الخلوة استطاع الإمام الصادق ان  يعيد إلقاء الدروس، التي ألقاها الإمام علي في التأويل، في صيغة رواية طويلة يرويها عن علي(ع). الا ان  الخطاب المتقي المرمز هو الخطاب الذي لا غنى عنه في ظرف الأزمة، لذلك كان الظرف يمثل اختبارا متواصلا للدارسين في مدرسة أهل البيت، باعتبار ان الفقيه هو من له القدرة على سبر خطاب الإمام، الذي يتحدث بلغة رمزية عالية في كوامنها، بينما في ظاهره يبدو خطابا بسيطا ودلالاته واضحة. وعن هذا يقول الإمام الصادق(ع): «والله! إنا لا نسمي الفقيه فقيها حتى يلحن له الكلام فيعرف اللحن»[22]  ، ويضيف في مقام آخر: «انتم افقه الناس إذا عرفتم وجوه [معاريض] كلامنا ان كلامنا يتصرف على وجوه [لكل لي منها المخرج]»[23]  ، فالإمام يوضح ان خطابه يعتمد الرمزية، التي تمكنه من تعديد توجيهات كلامه، فلا يمكن ان  يمسك عليه أحد مستمسكا يعرّضه للمواجهة مع السلطة الحاكمة، أو يعرض ممارسته للتدريس للمصادرة.

وصورة هذا الخطاب المتقي، نجدها في قول الإمام الصادق في مجلسه، الذي كان يحضره ربيعة الرأي: «ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال، قال ربيعة ضال؟!، فقال: نعم ضال، ثم قال أبو عبدالله: اما نحن فنقرأ على قراءة أبي »، ففي هذا الخطاب لحن من الكلام، اتقى به الصادق(ع) بعض الحضور، فمرر مقصده لشيعته، بينما تاه ربيعة الرأي وأمثاله في الدلالة الظاهرة المخادعة، فحضور ربيعة الرأي، المنتمي لمدرسة الرأي التي ترعاها السلطة، في مجلس الإمام الصادق يمثل رقابة فكرية على المجلس، وما يتناول فيه من اطروحات، وكان ما ذكره الحجاج في ابن مسعود من تهديد بالقتل متوجها لكل من سلك مسلكه، فكانت السياسة الأموية تحارب التأويل، وما ينتجه من قراءات، فأظهرت عبارة الصادق ان  ابن مسعود يغايرهم في القراءة، وهم يقرؤون على قراءة أبي  بن كعب، الذي جعلته الأحاديث الموضوعة ممن شارك في كتابة المصحف العثماني، في الوقت الذي وافته الوفاة في عهد عمر، وقال عمر حينها: «مات اليوم سيد المسلمين»، فلم يدرك عهد عثمان، ليقحم اسمه ضمن المشاركين في نسخ المصاحف. ولم يكن هذا الوجه الظاهر من العبارة المتبادر الى ربيعة الرأي، هو الذي اراده الصادق، إذ الإمام شَرَطَ ضلال ابن مسعود بمخالفته لقراءتهم، فإذا لم يكن يغايرهم فليس ضالا، والواقع يثبت ان ابن مسعود ينتمي لمدرسة أهل البيت، لاعتماده التأويل في قراءته للقرآن.

هذا التصريف للكلام على وجوه يقول بشأنه الصادق: إني لأتكلم بالكلمة لها سبعون وجها لكل لي منها المخرج «[24]  ، معتبرا ان  هذا الاستخدام للغة، إنما هو انتهاج لنهج الأنبياء في توظيف اللغة، ويستشهد الصادق على ذلك بما جاء عن الأنبياء في القرآن بهذا الصدد، مما يوضح ان القرآن بذلك يشرع هذا النهج للمسلمين، حيث الغاية من البيان القرآني، هو ما توجزه العبارة القرآنية: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)26/4، فيضرب الصادق نموذجا لهذا النهج بما جاء على لسان إبراهيم (بل فعلها كبيرهم هذا فسألوهم ان كانوا ينطقون).63/21 فنسبة تكسير الأصنام لكبيرهم مشروطة بنطق الأصنام، إذن «إبراهيم قال ذلك ولم يكذب»، كما يقول الصادق معلقا. وهو نفس التوظيف الذي اعتمده الصادق في عبارته المتناولة لابن مسعود، ونموذج آخر نجده في مقولته، التي أجاب بها على السؤال: «ان  الناس يقولون؛ ان  القرآن نزل على سبعة أحرف! فقال (ع): كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد»[25]  ، فهذه العبارة المرمزة أيضا خادعة في ظاهرها، فهي من جملة الخطاب المتقي المنسجم مع سياسة السلطة، الساعية لفرض القراءة الواحدة للخطاب القرآني. ولحن خطابه ينكشف حين نؤول نزول القرآن بقراءة واحدة، نزل بها جبرائيل كواقع لا لبس فيه، فهو واحد نزل من عند الواحد، على حد تعبير الإمام، فلم يتعدد نزول جبرائيل بالقرآن، فهذا المعنى الذي نفته عبارة الإمام، يبقى بعيدا عن المعنى الكامن، الذي يعبر عن نهج الصادق. فالقرآن نزل بقراءة واحدة وله قابلية القراءة على سبعة أحرف، كل حرف منها يعتبر قراءة منزلة، ويعزز ذلك قول الإمام في عبارته البعيدة عن خطاب التقية الرمزي، حين سئل عن اختلاف الفتوى عنه: «ان القرآن نزل على سبعة أحرف وأدنى ما للإمام ان  يفتي على سبعة وجوه»[26]  ، وواضح انها عبارة تصدر عنه، وهو متحرر من جو التقية الفارض للحن الخطاب. ونموذج ثالث يأتي في هذا الصدد من الخطاب المتقي المتعلق بالقراءة التأويلية، يقول (ع): «ان القرآن واحد صدر من عند الواحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة»، والمعنى ان  جبرائيل تلاه على الرسول بقراءة واحدة، ولكنها تحمل قابلية التعدد، والفقهاء الراوون للحديث إنما يروونه بعد استنباطه من القرآن، إذ القرآن «حديثا لمن روى»، فالأحاديث المروية قائمة على تصريف الكتاب على عدة قراءات فتختلف قراءة القرآن من فقيه لآخر، فيمكن نسبة الاختلاف في القراءة الى الرواة الفقهاء، كما فعل الإمام الصادق. و« قرأ رجل عند الإمام الصادق (ع) حرفا من القرآن ليس على ما يقرؤوها الناس، فقال ابو عبدالله (ع): كف عن هذه القراءة، واقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حدّه، واخرج المصحف الذي كتبه علي « [27] . فالصادق في هذا الخبر يكف صاحبه ان يقرأ القرآن تأويلا، ويأمره بالقراءة كما يقرأ الناس بقراءة المصحف العثماني، لكن من يفقه التأويل لا يخدعه ظاهر العبارة. لان الظاهر مؤول والعبارة ملحونة. لان لفظة الناس بوجه من الوجوه تدل على أهل البيت، كما في تفسير الآية: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)54/5، والتي فسرها الإمام بان أهل البيت هم الناس المحسودون[28]  ، فإذا ما فهمنا لفظة (الناس) في خطاب الإمام بوجه يفيد (أهل البيت)، فان دعوته للكف عن القراءة، التي قرأ بها تفيد دعوته الى التزام التقية، وان دعوته الى القراءة كما يقرأ الناس، دعوته الى الالتزام بالقراءة التأويلية، إذ «على الناس ان يقرؤوا القرآن كما انزل»، ثم يبشرهم بان القائم من أهل البيت، هو الذي سيعيد للقرآن المؤول الاعتبار، فيقرأ بالقراءات السبعة.

وهكذا نلاحظ ان مدرسة التأويل الفقهية في عهد الصادقين، الباقر والصادق، تمكنت نتيجة قيامها في مرحلة تاريخية مفصلية، في فترة ضعف الدولة الأموية، وما تبعها من انهيار، وبداية تشكّل الدولة العباسية، مما اغفل أعين الرقابة عنها لبرهة من الوقت، فانطلقت تستقطب وتهيمن على قاعدة واسعة من جماهير الأمة، أربعة آلاف متفقه كلٌ يقول حدثني جعفر بن محمد الصادق، واستمر الأمر ممتدا مع الدولة العباسية مع اضطراب شديد، ليستحكم الخناق شيئا فشيئا. الا اننا نلحظ مثلا في فترة إمامة الكاظم، انه كان يبعث بالبعوث الى الكيانات الشيعية المتبعثرة، لتعلمهم القرآن المؤول، في عملية تكتنفها السرية والكتمان، كما كان الأمر في عهد الرسول، الذي بعث البعوث لتفقيه القبائل الداخلة في الإسلام، ففي الخبر: جاء رجل الى الكاظم، فقال: «انا نسمع الآيات في القرآن ليس عندنا كما نسمعها عنكم، ولا نحسن ان  نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرؤوه كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم» [29] ، كان هذا قبل ان يلتفت الى نشاط الكاظم، فيزج به في سجون الدولة العباسية، ويتنقل بينها. وتعاقب التضييق على الأئمة من بعده وحملوا الى عواصم الخلافة العباسية، وحددت إقامتهم فيها، فنزر التراث المروي عنهم، الى درجة آلت فيها المدرسة التأويلية الى مآل صعب، أخذت فيه شمسها بالأفول، هذا ما يشير إليه الإمام الجواد بالقول: «كل أمة رفع الله عنها علم الكتاب لما نبذوه وولاهم عدوهم لما تولوه»، وسرعان ما انتهى أمر الإمامة بغيبة آخرهم، وغاب علم الكتاب بغيبته.

إن الاضطهاد الذي تعرض له الكيان الشيعي، على امتداد العصور القرشية، التي تتوارث بيوتاتها السلطة في ظل العنف والسيف، أدى الى تصفية جسدية للكوادر، من حملة القرآن والفقهاء المحدثين، الذين يقودون الواقع الإسلامي ويصعدونه نحو الثورة، مما فرض التقية على هذا الكيان لكي يتقي الإبادة، التي يتعرض لها، ويصون بها حركته وينجحها بإيصالها الى غاياتها، فلاذ تحت جنح التقية والكتمان في حركته المعارضة في إطارها السياسي والفكري، الا ان التقية سلاح ذو حدين، فهو كما يُتقى به بطش الأعداء، هو ايضا يفرز مضاعفات سلبية ضد العاملين به. وهذا ما أشارت إليه عبارة عمر بن عبد العزيز، عندما قال في صدد حديثه عن تراث الرسول: «فان العلم لا يهلك حتى يكون سرّا»، وهي العبارة ذاتها التي دعا معاوية ابن عباس لها، حين تجادلا حول التأويل، الذي نهى معاوية عن العمل به، وأصر عليه ابن عباس، حتى قال له معاوية: «فان كنت لابد فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية»، فكان معاوية بهذه العبارة يكشف عن نفاذ رؤيته، التي ترى ان السرية كفيلة بان تدرس التأويل، وتعفو أثره.. وهو الخطر الذي سعى الأئمة لتجنبه، فحاولوا ان يجعلوا قضايا الإسلام الحيّة، في الإطار السياسي (الإمامة)، وفي الإطار الفكري (التأويل)، في حالة شبه سرّية، واتّقوا السّرية المطبقة، والكفيلة بإقبار العلم والقضاء على وجوده.

الهوامش والمصادر:



[19] المفيد، الارشاد، 263.

[20] الكليني، الكافي، 2/463.

[21] المفيد، الفصول المهمة، 31.

[22] الاصفهاني، عوالم العلوم، 2-3/545.

[23] ن، م.

[24] ن، م.

[25] الكليني، الكافي، 2/361.

[26] البحراني، تفسير البرهان، المقدمات.

[27] الكافي، 2/462. الوافي، 5/273. الكاشاني، المحجة البيضاء، 2/663.