الأزمـــة

عرفنا ان الشيعي فقيه الأمة، والقيادة الوسيطة، الربطة بين الإمام والنطاق الواسع من الأمة، وتبين ان الكيان الشيعي بدأ في أواخر عهد الإمام على يعاني من أزمة ناشئة عن فقدان إمكانية تخليق هذا النمط من القيادات، والأزمة فرضتها الظروف الصعبة، التي حالت بينهم وبين القعود في مجلس الدّرس، لإعادة صياغة أفكار الأمة، وبعث قدراتها الفكرية الكامنة، بالحكمة القرآنية، التي استنهض بها الرسول عقول الكثيرين من حوله، فانتج أمثال علي بن أبي طالب، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والمقداد، وابن مسعود، وأبي بن كعب.. وغيرهم من الأدمغة، التي تميزت في كل ابعادها، فكانت هذه الشخصيات صنائعه، التي أخلصت للرسالة، وتحولت الى نماذج قيادية وقدوات صالحة، استنهضت بنبلها الأمة للعمل والجهاد والتضحية. وان لم يصلنا من ارثها الفكري، وسيرتها الرسالية العطرة الا شذرات، غابت الكثير من تفاصيلها، نتيجة الإرهاب الفكري، والمصادرة ، والتزوير التاريخي والمذاهبي.

لقد بدأت معالم المعاناة تفصح عن نفسها مع رحيل الرسول، عندما لم يجد خليفته علي بن أبي طالب من ينصره، على قوى قريش العائدة الى ضلالها القديم، والمنازعة له مقام الخلافة. الا انه على امتداد خلافة قريش الثلاثية، الممتدة على مساحة زمنية بلغت الربع قرن، استطاع بما بذل هو ومن شايعه من جهد، ان يتجاوز أزمة الأتباع المخلصين، وينشئ من حوله رجالا يمثلون أياديه وبطانته التي بها يستظهر على قوى الشرك المناهضة له، ويدير بها لاحقا شؤون الحكم، ثم مع استعار أوار الحرب الضروس فني اغلب أولئك الرجال الأفذاذ، الذين اطاح بهم نظام المغتصب وأدار بهم رحى الحرب، وبفقدهم شغل مراكزهم رجال كانوا دونهم في الولاء والإخلاص، بل رجال يظهرون ويبطنون، وينافقون في تشيعهم. فعادت محنة النفاق تقرع طبولها من جديد. فكانت الأزمة ناشئة عن القيادات الوسيطة، التي تمارس دور المراوغة، وتمثل عقبة تتكسر على حجرها الأوامر الصادرة من القيادة العليا. دون ان  تجد القيادة العليا خيارات تنتخب منها ما يحل محل تلك القيادات الوسيطة المتخاذلة، فتعاقب المعارك وشدتها أدى الى فقدان قيادات تربت بشق الأنفس، وهاهي ترحل سريعا دون ان يجود الظرف الصعب بفرصة زمنية كافية، لخلق بدائل تعوض عن القيادات المفقودة. مما جعل عليا(ع) في حيرة من أمره، يحن فيها الى القيادات الراحلة، التي طحنتها رحى الجمل وصفين: «أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟! أين عمار؟! وأين ابن التيهان؟! وأين ذو الشهادتين؟! وأين نظراؤهم من إخوانهم؟!»[16]  ، ثم بكى، ومن جملة ما قاله في هذا الصدد في خطابه لأهل الكوفة، مما يعكس أزمة فراغ واسعة في صفوف الكادر القيادي، وأزمة التشيع في صفوف أتباعه، «.. فلو كان لي منكم عصابة بعدد أهل بدر (313)، إذا أمرتهم أطاعوني، فإذا استنهضتهم نهضوا معي، لاستغنيت بهم عن كثير منكم، وأسرعت النهوض الى حرب معاوية وأصحابه، فانه الجهاد المفروض»[17]  .

وأزمة النفاق في أوساط القيادة الوسيطة، هي التي فرضت على الإمام الحسن عقد اتفاقية الصلح مع معاوية. وبالتالي مكنت معاوية من استلام الحكم دون قتال، كنتيجة طبيعية لكثرة المؤامرات والخيانات في صفوف قياداته من رؤوس القبائل، مما حال بينه وبين اكمال حروب التأويل في آخر فصولها، ثم قضى مسموما في الحرب الباردة، التي شنت على الكيان الشيعي بعد الصلح، فكان الحسن الذي عاصر حكم معاوية لمدة عشر سنين، ضحية مؤامرة أموية جندت فيها إحدى نسائه.

وتستمر الأزمة ذاتها، رغم مضي عشرين سنة هي جملة خلافة معاوية، بمأساة كربلاء. فالإمام الحسين في تحركه الهادف الى إكمال حروب التأويل، انتكست جهوده وكان للقتل الذريع والإرهاب المستطير، الذي طارد شبحه المنتمين للتشيع في كل الآفاق، دور أساسي في تشتيت وبعثرة الكيان الشيعي، وقلة الباقين منه ظاهرين/ مستترين بالتقية، وسرعة تطور الموقف المتخذ تجاه التحرك الحسيني، نتيجة أخطاء شيعية افتضح فيها أمر رسوليه الى الكوفة والبصرة، وهما يحملان الرسائل الى قادة ووجهاء قبائل أهل البصرة، الذين انيطت بهم مهمة الإعداد، والحشد لجيش حسيني الولاء، يتابع به حروب التأويل. هذا الافتضاح أدى الى تطويق الحركة الخارجة على حكم الشام، وإجهاضها في نصف الطريق - في كربلاء- بتصفية ركب القيادة في معركة غير متكافئة، دامت بضع ساعات.

وتتقدم فصول المحنة مع علي بن الحسين، الذي يعرب عن وجود أزمة غياب القيادات الوسيطة المخلصة، في حواره مع عبّاد البصري، الذي واجهه بالاستنكار وهو في طريقه الى مكة، قائلا: «يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحج ولينه! وان الله عز وجل يقول: (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن !)111/9، فقال علي بن الحسين: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم افضل من الحج»، وقال الإمام علي بن الحسين في موقف آخر: «ليس في مكة والمدينة عشرون رجل يحبنا»[18]  ، وللتعرف على مكنون هذه العبارة نحتاج الى الرجوع الى الكتاب لقرآنية الخطاب، الذي يتبناه أهل بيت الرسالة. فالمقولة المتقدمة التي لا نشك بأنها تتجاوز الحب بالمعنى السطحي، المعبر عن التعاطف والاحترام، لاسيما والإمام علي بن الحسين اشتهر بزهده وعبادته، ولقب بزين العابدين، كان يركب بركوبه الى الحج ألف قارئ من قراء القرآن العبّاد، مما يعبر عن جليل قدره بين المسلمين، يضاف الى ذلك انتماؤه الى أهل البيت النبوي، الذي يكن المسلمون، بصورة عامة، لكل من انتسب إليه جزيل الحب وعظيم الإجلال، فالعبارة إذا تحرينا عمقها، نجده كامن في قوله: (ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)31/3، فهذه الآية تكشف دخيلة نفس الإمام علي بن الحسين(ع) الذي أراد ان  يشير الى المسألة في إطار حركة الأنبياء، فأهل البيت كورثة للأنبياء، لم تعد الأمة تتبعهم وتقتفي أثرهم، وعزّ وجود المؤمنين بالبيت النبوي بعد حدوث التحوّل في السلطة، بحيث عز وجود عشرين من اهل المدينة يكونون بمثابة، سلمان وعمار والمقداد وأبي ذر، الذين كانوا حواريي جده الإمام علي بن ابي طالب.

وتستمر الأزمة الى ما بعد عهد الإمام زين العابدين، ويعكس ذلك الحوار الذي دار بين الإمام الصادق وأحد مواليه، حيث قال الأخير في خطابه للإمام، ان  شيعتكم كثير، فيرد الإمام: سمهم لي، قال: هم اكثر من ذلك، فقال: أتحصيهم، قال: لا هم اكثر من ذلك، قال الإمام: «والله لو تمت العدّة ثلاثمائة وثلاثة عشر لكان ما تتمنون»، وتتأبد الأزمة حين تشير الأخبار المتضافرة، وتؤكد، ان الإمام المهدي الغائب لم يغب إلا لذات الأزمة. أزمة الافتقار الى الكادر القيادي الشيعي، فغاب مفوضا حلها الى أقدار الزمن، منتظرا ثلاثمائة وثلاثة عشر كادرا، بعدة بدر، ليقود بهم الأمة بغية تحقيق العدل الإلهي في العالم، الذي عزّ تحققه على يد الأئمة من قبله، رغم سعيهم الحثيث، إلا ان  الظرف كان قاهرا، وتيار الأحداث معاكسا، الى درجة إصابة الكيان الشيعي بالعقم والإفلاس.

المصادر:



[16] نهج البلاغة، خطبة  183 .

[17] الطبرسي، الاحتجاج، 173.