حينما نراجع دور أهل البيت المعارض، في الحقبة
المستغرقة للفترة الزمنية، المشغولة بالدولة القرشية الأموية منها والعباسية،
فإننا يمكن ان نكوّن تصورا عن مشروع المعارضة الناشطة، تحت غطاء التقية في القسم
الأكبر من جهادها، الذي قاده أئمة أهل البيت في الحقبة التي تلت عهد الإمام
علي(ع). فقد ظل جهاد أهل البيت يحافظ على القرآن المؤول المنتج
للنظام الهيكلي للأمة، فالجهاز الفكري للأمة يندمج مع الجهاز السياسي، عندما يكون
فقهاء التأويل العقل المفكر في الأمة هم رجال السياسة. فكل
المخلصين من قرّاء القرآن العالمين بفقه تأويله يفترض معرفتهم حق الإمام، لما
يجدونه لديهم في الكتاب، ويعرفون السلطة الظالمة لحقه. وبالتالي يندفعون بوازع
ذاتي وبدافع شرعي، باعتبارهم أئمة الأمة والشهداء عليها، الى الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، في إطار يلتزم بالتقية، فيكشفون لحوارييهم حقائق الأمور، ويمشون
في الأرض هونا، تعبيرا عن سرية الدعوة، وعن التزامها بقاعدة كلموا الناس على قدر
عقولهم في عملية استقطاب، وإعادة تشكيل فكر الأمة،
وهدايتها من الفكر المضلل، الذي تروجه السلطة. وهذا يجعل فقهاء الأمة يرتبطون برأس
السلطة الوارثة لمقام الرسول، كرئيس دولة بارتباطهم بالقرآن، فهم يمنحونه ولاءهم،
وان لم تكن لهم به علاقة مباشرة، إذ ليسوا بحاجة الى الارتباط بالصيغة المباشرة،
مع وجود إمكانية رجوع العالم منهم الى الأعلم منه، الذي يشكل الإمام والقائد لمن
دونه، قبل ان يتدرّج الجهاز بصورة تصاعدية
الى ان يصل لرأس الهرم، حيث يشغله الإمام الوصي.
هذه الآلية أصيبت بأضرار جسيمة، نتيجة
المطاردة والتعقب للقرآن المؤول، بالحجز على حركته وحصرها، وبحصار المؤولة من
الفقهاء. وسعي الدولة القرشية الى تصفيتهم ومطاردتهم وكفّهم عن تدريس الكتاب، كما
أشار الى ذلك علي في نظرته المستشرفة للمستقبل، في قوله: «فالقرآن يومئذ وأهله
طريدان». بهذا تعطلت قدرة القرآن على إنتاج نظام الدولة، بتعطيل الفقهاء عن نشر
علم التأويل، وصنع قادة الدولة ورجال الفكر والسياسة فيها. مما يؤمّن بقاء رجال
سياسة الدولة الغاصبة في مراكزهم، والى جانبهم فقهاء الرأي، الذين هم نسخ مزورة
لفقهاء القرآن. رغم ذلك، فان فقهاء القرآن المستترين استطاعوا استقطاب شريحة من
الأمة، مبعثرة على امتداد الخريطة، تؤمن بولاية أهل البيت بعد الرسول، وتتكتل في
ظل إمامتهم السياسية والفكرية، ولهذا كان الكيان الشيعي يمثل كيان دولة تحتضنه
الدولة الأم. وكان هذا الكيان يعلن عن وجوده، كما يعلن جبل الجليد عن ذاته، فأئمة
أهل البيت هم رأس هرم الدولة المستترة بستار التقية، وجهاز الدولة يتألف من فقهاء
القرآن، المنبثين بين سطور الأمة، فهم قادة الأمة المؤمنة، ويشكلون
مفاصل جسدها، ومبعث حركتها ونهوضها، وحملة راياتها. وقد كانت الحركة
العسكرية للأمة المتقية على امتداد تاريخها، تقاد من قبل فقهاء القرآن، وهذا يلقي
الضوء على مقولات أئمة أهل البيت في شيعتهم: «ليس من شيعتنا من يكون في مصر يكون
فيه آلاف ويكون في المصر أورع منه»[14] ، «ان أحق الناس بالورع آل محمد وشيعتهم كي
تقتدي الرعية بهم»[15] ، فالقرّاء المشتهرون بالزهد والورع، هم أئمة
الأمصار الفعليين القائمين الى جانب أئمة السلطة وقضاتها المتنفذين بتنفذ أجهزة
السلطة، وأولئك الفقهاء الأبرار هم طليعة أفواج الانتفاضات، التي سعت للإطاحة
بالدولة القرشية، بهدف إجراء تحوّل في رأس السلطة يعيدها الى أولي الأمر من أهل
البيت النبوي.
بهذا يتضح ان جهاد أهل البيت الفكري، يأتي ليبني
الإنسان وفق المواصفات القرآنية، فيهدف الى إيجاد الإنسان القائد، الذي «قد امكن
الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه يحط حيث حط ثقله وينزل حيث كان منزله»، ولا يمكن
لذلك الإنسان، ان يستهدي بالقرآن الا ان يكون عالما بفقه تأويله، فإذا كان كذلك
أملى عليه ذلك الائتمام بالترجمة القرآنية، والنموذج التطبيقي الأمثل، الذي يحرض
القرآن على الإقتداء به، والذي يتمثل في الرسول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة)21/33، ومن بعد الرسول أولي الأمر من أهل بيته، كما في قوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى)23/42، ومشروع بناء
الإنسان الأمة ذاته هو مشروع بناء الأمة المتبعة للقرآن، كما في قوله: (وهذا كتاب
أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون)155/6، حيث الإنسان الأمة يختزن في
فكره مشروعا لبناء الأمة، لذلك له همة أصلب من الجبال، ولهذا كانت عملية البناء
الفكري عملية تفعيل القرآن بالتأويل، باعتباره النواة التي تتبلور من حوله الأمة،
فالقرآن يصنع الكادر الفقهي، الذي يصنع الأمة، والكادر القيادي بدوره يصنع للقرآن
وجوده الفعلي، حين يترجم نظريات القرآن الى واقع يقوم على الارض. وهذا الاعتماد
المتبادل بين القرآن وفقيه التأويل، هو الذي يعبّر عنه الإمام علي، في قوله: «بهم
عُلِم الكتاب وبه عَلِموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا»، لتكون الغاية التي تصبو
حركة الأمة الى الارتقاء نحوها، هي ما ينص عليه الكتاب: (يا أهل الكتاب لستم على
شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما انزل إليكم من ربكم)68/5، فالأمة مطالبة
بإقامة القرآن المنزل عليها، وأول خطوة لتحقيق ذلك تكمن في جعل السلطة في يد
الوصي، الترجمة المثلى للقرآن، وإعادة الفاعلية لهيكلية الدولة التي قوامها
الفقهاء الراسخون في علم الكتاب، الا ان
الأوضاع كانت تسير عكس المشروع، الذي يخطط له أهل البيت، وانتهى الأمر الى
تشديد الخناق عليه، بغية قتله. فكيف تم ذلك؟!.