|
(فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان)الإمام علي
|
تعددت تسميات الفقهاء في صدر الاسلام، فهم:
القرّاء، والمحدثون، والحفظة، وجامعو القرآن، كذلك هم أهل البيت، وهذا الاسم الاخير
يعبر عن مفهوم خاص يصدق على اثني عشر اماماً من ذرية الرسول، او مفهوم عام يشمل في
دلالته الأمة الإسلامية كافة، باعتبار ان الامة في التصور القرآني بمثابة الأسرة
الواحدة: (انما المؤمنون إخوة)، والرسول هو رب هذه الاسرة وأزواجه أمهاتهم، لذلك
قرئ: (الرسول أولى بالمؤمنين من انفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبوهم). فأصبح كل من دخل في الإيمان ابنا للرسول ومن ذريته، ويصدق عليه
انه من أهل البيت. ولكن لما كان الايمان متفاوتا في درجاته: «الإيمان عشر درجات»
فإن أبوّة الرسول (ص) للمؤمنين متفاوتة من حيث صدقها، حسب تفاوت الدرجات. فهي تشتد
كلما زاد الانسان ايماناً، وتقل كلما انخفضت درجة
الايمان، وتتلاشى حين يخرج الانسان من ربقة الإسلام. نستنتج من هذا ان مفهوم اهل
البيت، يمكن ان يكون تام المعنى، او ناقص المعنى، ونجد المعنى التام في انطباق
مفهوم اهل البيت على سلمان الفارسي، بقول الرسول: «سلمان منا أهل البيت»[1]، وتأكيداً على هذه النسبة، قام
الرسول بتحويل لقبه من «الفارسي» إلى «المحمدي». ولما ذكر سلمان عند الإمام الباقر
بلقبه الفارسي، أنكر الباقر على المتكلم هذا اللقب، فقال (ع): «مه، لا تقولوا
سلمان الفارسي ولكن قولوا سلمان المحمدي ذلك رجل منا أهل البيت»[2] . وإشادة الرسول والأوصياء بسلمان،
باعتباره بلغ بإيمانه أعلى الدرجات، ففي الخبر سلمان في الدرجة العاشرة من
الايمان، لهذا يخص بالذكر ويُؤكد انتماؤه لأهل البيت، ليجعل محل اقتداء واحتذاء.
وتنص بعض الاخبار على بعض الاسماء، التي تعدها ترجمة
للمفهوم التام لأهل البيت، ففي الخبر عن جابر الانصاري قال: «سألت رسول الله (ص)
عن سلمان الفارسي، فقال (ص): سلمان بحر العلم لا يقدر على نزحه، سلمان مخصوص
بالعلم الأول والآخر، أبغض الله من أبغض سلمان وأحب الله من أحبه. قلت: فما تقول في أبي ذر؟ قال: وذاك منا
أبغض الله من أبغضه وأحب الله من أحبه. قلت: فما تقول في المقداد؟ قال: ذاك منا أبغض الله من أبغضه وأحب الله من أحبه. قلت: فما تقول في عمار؟ قال: وذاك منا، أبغض الله من أبغضه وأحب
الله من أحبه»[3] . فقول الرسول في كل منهم «هذا منا»،
أي من أهل البيت، وإذا ما فهمنا الحب بمعنى الإتباع والبغض بمعنى العصيان، كما
يفيده قوله تعالى: (ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، نفهم ان هؤلاء حظوا
بحب الله، لأنهم اتبعوا الرسول حق الاتباع، وحين يجعل حبهم فيه حب لله وبغضهم فيه
بغض لله، فلانهم اقتدوا بالرسول، وتمثلوا شخصيته القيمية، فلا يسع من يبغضهم الا
ان يبغض الرسول، كما لا يسع من يحبهم الا ان يحبه.
يتوقف المفهوم التام لأهل البيت على الاقتداء
بالرسول، الذي لا يتسنى الاقتداء به الا بترجمة الكتاب، المتوقفة على المعرفه بعلم
تأويله، اذ ليس الرسول الا قرآنا ناطقا، وترجمانا للكتاب، يؤكد ذلك قوله(ص):
«اقرأوا القرآن واعملوا به» وقال في حديث آخر: «من قرأ
القرآن وعرف تأويله ولم يعمل به فليتبوأ مقعداً من نار» وهذا ما يكشف عن ارتهان
الاتباع للقرآن، فلا يتعطل بفقد الرسول او الوصي. وقد وصف الإمام على(ع) المؤمن في
اطار هذا الفهم بترجمان القرآن، وهي الترجمة التي فيها يكون القرآن قائدا والمؤمن
مقودا للكتاب: «عليكم بالقرآن فاتخذوه قائداً»، «قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو
قائده وإمامه يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله»[4] ، ويشرح الإمام علي أبعاد هذه
القيادة في قوله: «كتاب الله تبصرون به وتنطقون به، تسمعون به وينطق بعضه ببعض»[5] ، فالفقيه يستنطق القرآن ليعرض عليه
ما يبصره، وما يسمعه، ويستلهم منه ما ينبغي ان ينطق به. فأصبحت شخصية الفقيه تمثل
مواقفها املاءات القرآن، فهي قرآنية في كل منطلقاتها
وأبعادها، تطيع الله في كل شيء، ولا تعصي الله في شيء. وفي هذا الإطار وصف الرسول
فقهاء القرآن بالقول: «آل القرآن آل الله»[6] . ونقرأ في زيارة أهل البيت:
«السلام عليكم يا آل الله»[7] ، فأصبح آل الرسول هم آل الله، وآل
القرآن، ليتبين ان آل القرآن تشمل كل من فقه علم تأويل القرآن، وعمل بما يمليه
عليه. وفي ذلك يقول الامام علي (ع): «وجعل الله أهل الكتاب المقيمين به، والعالمين
بظاهرة وباطنه في شجرة (أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)
أي يظهر مثل هذا العلم لحامليه في الوقت بعد الوقت، وجعل أعداءها أهل الشجره
الملعونة الذين حاولوا اطفاء نور الله بأفواههم فأبى الله إلا ان يتم نوره»[8] . ففقهاء القرآن المؤول يشكلون شجرة أهل البيت.
فكان الانتماء الى اهل البيت يفرض ترجمة الكتاب
عمليا، بصورة مثالية، لهذا نجد هؤلاء الذين اشار الرسول اليهم، تتجلى مثاليتهم في استمرار
تمسكهم بالولاية السياسية والمرجعية الفكرية لخليفته الإمام علي (ع) في احلك
الظروف. ويشير الإمام علي لموقف تلك الفئة الى جانبه،
حين تعرض الى الانقلاب عليه، مؤكدا على تسميتهم بأهل البيت، فيقول: «فنظرت فإذا
ليس معي إلا أهل بيتي، فظننت بهم عن الموت وأغضيت على القذى، وصبرت على أخذ الكظم
وعلى أمرّ من طعم العلقم»[9] ، ففي استعدادهم للاستشهاد في سبيل
الدفاع عن عدالة قضيته أكبر امتحان لصدق انتماءهم لأهل البيت. وفي هذا الاطار نفهم
قول الرسول المتكرر: «ان الله تعالى أمرني بحب أربعة قالوا: من هم يا رسول الله؟
قال: علي بن ابي طالب ثم سكت ثم، قال: ان الله أمرني بحب أربعة فقالوا: ومن هم يا
رسول الله؟ قال علي بن ابي طالب (ع) والمقداد بن الاسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان
الفارسي» فهذا التصريح المتكرر بحب الله ورسوله لهم مبني على الوفاء بشرط المحبة
المتحققة بصدق الاقتداء والأتباع.
فاصبح مفهوم «أهل البيت» يمنح بعده المثالي،
الذي اعتمده الأوصياء في مرحلة الاختلاف، للتمييز بين مذهبهم الذي شيّده الرسول،
عن بقية المذاهب، ففي الخبر عن أبي حمزة قال: دخل سعد بن عبد الملك
- وكان ابوجعفر (ع) يسميه سعد الخير،
وهو ولد عبدالعزيز بن مروان
- على أبي جعفر (ع) ينشج كما تنشج
النساء. قال فقال: له ابوجعفر (ع): ما يبكيك يا سعد؟ قال:
كيف لا أبكي وأنا من: (الشجرة الملعونة في القرآن). فقال له: لست منهم، أنت أموي
من أهل البيت، أما سمعت قول الله عز وجل يحكي عن ابراهيم (ع): (فمن اتبعني فانه مني)»[10] . فبيّن الامام الباقر ان الأوصياء
انطلقوا في تحديد معنى أهل البيت المثالي من خلال اقتفاء أثر الانبياء الذين طالب
القرآن بالاقتداء بهداهم. فابراهيم الخليل (ع) في قوله:
(فمن اتبعني فانه مني) أي من أهل بيتي، يصادق على مفهوم الاية المتقدم: (ان كنتم
تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). نفس هذه الرؤية يشرحها الإمام الصادق في بُعد
قرآني آخر، فعن الحسن بن الوشا عن الرضا (ع) قال سمعته يقول: قال أبي قال ابو
عبدالله (ع): «ان الله عز وجل قال لنوح: (انه ليس من أهلك)، لانه كان مخالفاً له:
وجعل من اتبعه من أهله، قال سألتني كيف تقرؤون هذه الآية في ابن نوح ؟ فقلت:
يقرأها الناس على وجهين: (انه عَمَلَ غير صالح)، (انه عملٌ غير صالح)، فقال: كذبوا
هو ابنه ولكن عز وجل نفاه عنه حين خالفه في دينه»[11] .
بهذا نكتشف ان الأحاديث التي تستخدم لفظة «اهل
البيت» تشمل في دلالتها الفقهاء تراجمة القرآن بصورة مثالية، لتصبح كل المرادفات
الاخرى مثل: آل الرسول، وخلفاؤه، وأوصياؤه، وعترته، وذريته كلها قابلة لان تستوعب
في دلالتها الفقهاء. فمثلاً في قول الرسول: «اللهم ارحم
خلفائي قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يأتون بعدي يروون أحاديثي
ويعلمونها الناس»[12] ، فخلفاء الرسول قد تصدق على اثني
عشر وصيا، كما تشير إلى ذلك بعض الأحاديث، كما تصدق على فقهاء الإسلام، كما يدل
على ذلك ظاهر الحديث، حيث أورثهم الرسول علمه، وأكد ذلك بالقول: «العلماء ورثة
الانبياء». فيكون مجموع الوجهين الخاص والعام ان أهل البيت تعني شجرة ذرية طيبة
تشمل الرسول والأوصياء والفقهاء، قبل ان تطرد في بقية الامة، كما صرح بذلك الرسول
(ص): «أنا وعلي أبوا هذه الأمة»[13] . الا ان صدق الأبوة تؤثر فيها درجة
إيمانهم.
[1]
الخوئي، معجم الرجال، 18/191.
[2]
ن، م.
[3]
ن، م، 321.
[4]
الامام علي، نهج البلاغة، خطبة 278.
[5]
الامام علي، نهج البلاغة، خطبة 133 .
[6]
الهندي، كنز العمال، ح 2341 .
[7]
عباس القمي، مفاتيح الجنان، 537.
[8]
الطبرسي، الاحتجاج، 252.
[9]
الامام علي، نهج البلاغة، خطبة 26 .
[10]
المجلسي، بحار الانوار، 46/337-338.
[11]
البحراني،
البرهان في تفسير القرآن، 2/219.
[12]
الهندي، كنز العمال، ح 29167، 292091 .
[13]
فرات الكوفي، تفسير فرات، 31.