القرآن والحياة

في ظل هذا المنهج يعيش الخطاب القرآني حالة الحركة التأويلية، التي تعبر عن نطقه وحيا، نطقا تسمعه آذان العقول.  فلجليس القرآن المفكر أن يتفاعل ويتجاذب معه أطراف الحديث بتلاوة الآية بالأخرى، في عملية بناء تأويلية ناطقة. ولذلك جاء في الحديث: ((من أنس بتلاوة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان))[69]   فالقرآن تشخّص ليصبح جليسا وأنيسا*، فنلاحظ أن للقرآن المؤول أهم مواصفات الكائن الحي؛ النطق، والحركة. كما أن النزول القرآني المستمر هو تمثّل لحياته الخالدة، بلحاظ أن الخطاب يحيا في هذه الحالة، بحياة تراجمته من الرجال الذين يتوارثون علم تأويله، ليصبح القرآن محتجبا في أشخاصهم، يوحي إلى عقولهم، ويجري هديه وبصائره على ألسنتهم، فيبقى له بذلك حضوره الدائم والأبدي في توجيه الحياة، ويبقى خطابه دائما في حالة تجدد يصف الحياة، ويتعلق بأحداثها في كل زمن. فآيات القرآن تعيش في ظل التأويل الحركة الدائبة، بالمعاني التي تحل في قوالب الآيات، لتشكل وجوهها المتعاقبة، المسئولة عن تحديث دلالات الكتاب، وتجعلها متصلة بالواقع المتجدد، فيتضح أن الحياة تختلط بالقرآن، والقرآن يختلط بها، فلا يمكن التفكيك بينهما. 

وهذه المخالطة، التي تجعل القرآن حياً، هي التي جاءت خطابات رجال الوحي من الصف الأول تتعرض لها، معللة ظاهرة التجدد القرآني المستمر بالنزول المتتابع للآيات، وعندما يطرح السؤال: ((ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟))، يرد عليه الإمام الصادق بالقول: «لأن الله لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة))[70]  . يوظف  السؤال المطروح عن حياة القرآن كلمة قرآنية هي (النشر): (نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا)11/43، لينم عن عقلية تفهم التأويل وتحيط بأثره على الخطاب. فهي تدرك مفهوم الموت والحياة، الهدم والبناء، التي يعيشها خطاب الكتاب، كما تعيشها الأرض. وبهذه الظاهرة المتعاقبة على الخطاب، يستطيع كل جيل من الأجيال ان يجدد دلالات ووجوه آياته، ليتجاوز المفاهيم والدلالات والوجوه، التي ماتت نتيجة تطور الحياة، ويعيد بعث دلالات ومفاهيم ووجوه أخرى لتعاصر واقعه، وتنسجم مع بيئته، وتتكفل بالوفاء باحتياجاته. لذلك يصفه الإمام الصادق في إجابته على هذا التساؤل، بأنه في كل زمن جديد، وهو عند كل جيل غض. وتعبير (غض) يبعث ذهننا لاستحضار صورة الأرض، المنبعثة تحت قطر المطر بالخضرة، التي تعبر عن حياة تلك الأرض بعد الموت، دون أن يكون مفهوم الموت والحياة في إطار الحديث عن دلالات الخطاب له نفس المدلول الحرفي للموت والحياة في الإطار الأحيائي، إلا بمقدار المماثلة، وهو ما سنفهمه أكثر في أوراق البحث القادمة.

ويزيد الإمام الباقر كلام ابنه الصادق وضوحا، حين يقول: ((ولكن القرآن يجري أوله على آخره، مادامت السموات والأرض، ولكل قوم آية يتلونها، هم منها في خير أو شرّ))[71]  ، ويضع الإمام الباقر الفكرة النظرية لنزول الآيات تأويلا، في إطار تطبيقي ملموس، يخفف من جفاف التنظير، فيقول: (أ فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)87/2، قال: ذلك مثل موسى والرسل من بعده وعيسى ضرب لأمة محمد مثلا فقال الله: (أفإن جاءكم محمد بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم بموالاة علي ففريقا من آل محمد كذبتم وفريقا تقتلون)، فذلك تفسيرها في الباطن»[72]  ، ففي هذا التأويل أنزل الباقر(ع) هذه الآية في الواقع الذي عاصره، ليحول زمن الفعل من الماضي إلى الزمن المعاصر له، ومن بني إسرائيل كأمة في ذمة التاريخ إلى الأمة الإسلامية في الحقبة الأمويّة، التي عاش ابانها. وجعل سبب نزول هذه الآية هم آل محمد في صراعهم مع أعدائهم من قادة الدولة الأموية، وما يجري عليهم في ذلك الصراع من تكذيب وقتل، بعد إن كان سببها الأول الأنبياء والأوصياء من بني إسرائيل، الذين تعرضوا للتكذيب والقتل.

في هذا النموذج التطبيقي المبسط، يظهر كيف يبعث التأويل في الخطاب القرآني الحياة، حين يصرف النص إلى الأمة الإسلامية، بعد إن تمركز خطابه في أمة ميتة هي أمة بني إسرائيل. ونستوعب هذا التأويل في خلفيته النظرية باستقراء فكر الإمام الصادق، ليطالعنا بقوله: ((إن القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام ماتوا ماتت الآية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين، كما جرت في الماضيين))[73]  ، فالصادق يوضح أن الآية الخاضعة للتطبيق، وهي مثال لبقية آيات الكتاب، لو اقتصرت دلالتها على بني إسرائيل خاصة، فهي لا محالة آية ميتة. ولأصبح القرآن بهذا اللحاظ مقبرة أفكار. ولمات منذ اليوم الذي نزل فيه يتحدث عن الأقوام السابقة، ويتناول أساطير الأولين، كما وصفته قريش. ولكن الصادق يبين أن حياة القرآن متجسدة في تصريف المحتوى الدلالي لقوالب الألفاظ، بالتأويل لها على وجوه وقراءتها قراءة معاصرة. كما مارس الباقر هذه القراءة على الخطاب، لتتناول الأوضاع التي عاصرها.

بذلك فقط يصبح القرآن كتاب حياة، وآياته قابلة لان تنزل في كل واقعة. وان كل حدث بل كل حركة وسكنه في الكون لها في القرآن آيات تحكيها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها الصائرة إليه. وان حياة القرآن الخالدة والمصاحبة للزمان، تتطلب أن يكون له في كل واقعة بيان، يوضح فيه موقف السماء، وبذلك يسجل القرآن المؤول حضوره في كل عصر، فيهيمن على أحداثه فيوجهها تارة، ويصنعها تارة أخرى. وهو ما يدل على قدرة الإسلام على تلبية حاجات الإنسان بحضور الخطاب الإلهي في حياته موجها لها باتجاه الطريق القويم، الذي يكفل للإنسانية سعادتها. فالرسول ما كان ليستوعب في عمره المحدود تبيين كل ما جاء في القرآن من عطاء غير قابل للحصر، لذلك علمّ الأمة القرآن، وأمرها أن تؤوله وتعمل به، فبين دفتي الكتاب كل احتياجاتها إلى يوم القيامة، فما عليها إلا أن تعتمد التأويل وتتمسك بوحي الكتاب، فإنها لن تضل بعد ذلك أبدا.