القرآن نزول مستمر

إن قراءة القرآن بعض في بعض، تمكن خطابه من التعبير التلقائي عن ذاته، في عملية فيها يُوظَّف الفقيه ليكون في خدمة الخطاب، لا الفقيه يوظِّف الخطاب ليخدم أفكاره الشخصية. وذلك يتم بان يتحول الفقيه إلى أداة تنفيذية، تخضع لتوجيهات الخطاب القرآني في نقله آية من مكان لتكمل آية في مكان آخر، أو تبديل آية بآية أخرى، ولن يكون الخطاب الناتج في هذه الحالة خارج عن الدائرة القرآنية، فالخطاب الناتج خطاب قرآني، بدليل أن المادة التي تألف منها هي مادة قرآنية، والتغييرات التي طرأت على الخطاب، وحوّلته إلى خطاب جديد، إنما حدثت بناء على توجيهات وأوامر قرآنية أملتها خطابات قرآنية معينة، ولم يكن دور الفقيه إلا دور المنفذ لهذه الأوامر. وتستند هذه الرؤية، التي نقررها هنا، إلى تجربة تاريخية قامت في صدر الإسلام، تحكي وقائع قراءة المسلمين السور القرآنية، كما تلقوها عن الرسول، بقراءات مختلفة، ثم توجهوا إلى المسجد ليرتلوا تلك السور القرآنية في صلواتهم، واكتفوا بها، رغم اختلافها وتفاوت قراءتها، مما يدل على أن كل تلك القراءات هي قراءات قرآنية، تصديقا لقول الرسول: ((بأيها قرأت فقد أصبت [قرأت]))، وقد رويت تلك الممارسة عن الإمام علي(ع)، ففي الخبر عن عبد الرحمن السلمي قرأ علي (الواقعة) في صلاة الفجر: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون)[65]  ، بينما الآية في مصحف زيد بن ثابت المتداول بين أيدينا اليوم كالتالي: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)82/56.

فالتأويل قادر على إعادة بناء امتدادات النص القرآني، بإعادة تشكيل العلاقات القائمة بين الآيات، بتحريك تلك المكونات في عملية اتصال وانفصال لا حصر لها، دون أن يؤدي ذلك إلى تناقض واختلاف، في التشكيلات البنائية المستحدثة، وهو ما عبر عنه الرسول والإمام علي (ع) بالقول: ((إن القرآن جاء ليصدق بعضه بعضا لا لينقض [لا ليكذب] بعضه بعضا))[66]  ، وهو ما عبر عنه أيضا ابن مسعود تلميذ الرسول النجيب، بالقول: ((لو ان القراءة تحل شيء والأخرى تحرمه لكان ذلك الاختلاف))[67]  ، وهو غير متصور في القرآن، ولا يمكن أن يكون إذا ما التزمت عملية التدبر والنظر في القرآن، بقواعد التأويل وضوابطه، التي توحّد الأفكار والمعارف القرآنية، لتمنح العملية التأويلية عنصر اليقين، الذي صرح الرسول(ص) بأنه ملازم العملية التأويلية، في قوله (ص): ((لو قرأ الناس القرآن كما أنزل ما اختلف اثنان))[68]  ، فتوسيط المنهج بين القارئ والخطاب يكفل حدوث عملية استنطاق نزيهة، قائمة على التلاقح بين الآيات والمزاوجة بينها، واستيلاد الجديد من خلال هذا التواصل، ولن تؤدي عملية الاستنطاق أبدا بالأمة إلى الاختلاف والتنازع والافتراق والتشرذم.

مما لا شك فيه ان حديث ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) ينسب، في وجه من وجوهه، الإنزال إلى جبرائيل. ولما اكتشفنا قابلية الخطاب القرآني على استحداث ذاته وإنتاج آياته، تطلب ذلك تحقيق مفهوم إنزال الآيات. إذ اتسع مفهوم الإنزال فلم يقتصر على الإنزال بالمفهوم المألوف. فنزول جبرائيل بالآية هو وحيه بها، ويترتب على ذلك أن الوحي يترادف مع النزول، فحين يقال: أوحي إلى الرسول، يترادف هذا القول في ذهن الإنسان المسلم مع مفهوم العبارة: نزل جبرائيل بالوحي. ولما كان للقرآن القدرة حين تقترن آياته تأويلا - بإلحاق المتشابهات بالمحكمات - على الإيحاء. وكانت الآيات المستحدثة التي يبنيها القرآن من خلال أمره للفقيه وحيا، بأن ينقل الآيات فينزل بعضها من بعض حسب ما أوحي إليه، تكشف أن الوحي القرآني يقوم بعملية إنزال للآيات. وحيث إن نزول جبرائيل بالآية هو وحيه بها، كان ما ينزله القرآن من آيات تأويلا منسوب إلى جبرائيل. فأصبح بذلك تعليل نزول الأحرف السبعة يرجع إلى هذا المفهوم. فرسول الله هو القائل: (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)6/41، فالمسلم كبشر يتماثل مع الرسول، وله قابلية الاشتراك معه في الوحي بالمفهوم التأويلي، ليعيش ظاهرة الوحي القرآني من خلال العملية التأويلية. وبناء على ذلك يمكن تقسيم  نزول آيات القرآن إلى قسمين: الأول/ نزول جبرائيل بالآية القرآنية مباشرة، حيث ينزلها في الواقعة المعينة، لتكون تلك الواقعة سببا لنزول تلك الآية، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بالنزول المباشر. الثاني/ النزول الذي يقوم به الوحي القرآني الناتج عن عملية استنطاق النص، فهو نزول ينسب إلى جبرائيل باعتبار أن نزول القرآن منسوب إليه، وهذا النزول الذي يقوم إلى جانب النزول المباشر، يمكن الاصطلاح عليه بالنزول الغير مباشر، أو بالنزول التأويلي.

وترتيبا على ذلك، يمكن القول بان النزول التأويلي المنسوب إلى جبرائيل يؤسسه حديث الأحرف السبعة، بلحاظ أن جبرائيل أنزل القرآن، الذي يختزن قابلية القراءة على وجوه. ومن جملة القرآن النازل كانت الآيات القرآنية التي تشرع التأويل، كآلية تنظم استثمار قابلية خطاب الكتاب على التشكل اللامتناهي. وأي تشكُّل للخطاب منضبط بالمنهج يعتبر إنزالا، لذلك نسبت الآيات النازلة تأويلا إلى جبرائيل. وبذلك أصبح للنزول القرآني قابلية الاستيعاب للأزمان وما يقع فيها من أحداث، تلك الأحداث التي وقعت في الماضي، أو يشتغل بها الحاضر، أو ستقع في المستقبل. مما يعني أن تلك الوقائع هي أسباب لنزول هذه الآيات والخطابات القرآنية.

وهكذا يتبين إن آيات وسور القرآن النازلة على امتداد حياة الرسول تمت بنزول جبرائيل المباشر تارة، وبنزول جبرائيل الغير مباشر (: النزول التأويلي) تارة أخرى، وهذا النمط الأخير من التنزيل هو الذي يحدث بجهود الرسول والراسخين في علم الكتاب. وهكذا ما كاد ينتهي النزول المباشر للقرآن بنزول أخر آية حتى انفرد النزول التأويلي بإنزال الآيات القرآنية نزولا مستمرا. ليتبين بهذا أن النزول التأويلي بالإمكان الاصطلاح عليه بـالنزول المستمر، الذي يكشف فيه القرآن المؤول عن قدرته الأزلية على إنزال الآيات في كل واقعة، وكل قضية يُرجع بها إليه، منذ أن نزل والى يوم القيامة، بل وما بعد القيامة. وبناء على هذا، فالقرآن في نزول مستمر يعيش حياة خالدة وأبدية.