ناطقية الخطاب

إن منهج التأويل بهذا الوصف النبوي، يمكن أن يعنون بـ (منهج الاستنطاق)، هذه التسمية مشتقة من قوله: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، وهي الآية التي ينطلق منها الإمام علي (ع) في قوله: ((استنطقوا القرآن ولن ينطق، لكن أخبركم عنه))[61]  . والاستنطاق كلمة تفيد في مدلولها طلب النطق. وحتى لا يتصور هذا الأمر في إطار عملية استنطاق اعجازية ينطق القرآن فيها بلسان ما، يتدارك الإمام مقولته بالإيضاح: ((لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال))[62]  . فالهدف من نفي إمكانية نطق القرآن بجارحة إثبات نطقه الإيحائي القائم على المقارنة بين الآيات. وهي الفكرة، التي يصرح بها الإمام علي(ع) بالقول: ((كتاب الله (..) ينطق بعضه ببعض))[63]  . فهذه العملية الاستنطاقية تنشأ عبر التساؤل عن الآية قيد البحث فتدل على أخرى تتضمن الإجابة، وإذا ما ورد التساؤل على الآية الثانية، تشير إلى ثالثة فيها الإجابة، وهكذا دواليك. بهذا أصبح القرآن قادرا على النطق وحيا، هذا الوحي حين تتلقاه آذان العقول يمكن حينها أن توكل ترجمته إلى اللسان.

وتدلل عملية استنطاق القرآن على وجود شبه بين عملية النطق البشرية وعملية نطق الخطاب. فلأن إدراك الإنسان قاصر، إذا ما استقل بذاته، صار الله وحده القادر على تفسير كلامه. ولكن، لكي يُمكّن الله الإنسان من الفهم لكلامه طرح التأويل منهجا، يمنح العقل القدرة على الفهم بالاستنطاق، الذي به يفسر كلام الله بعضه بضعا. ففي عملية التفاهم القائمة في الإطار البشري إذا ما تعذر كلام الإنسان على أخيه الإنسان، قام المتحدث بإبدال الكلمة المتعسرة بأخرى يفهمها الطرف الآخر، أو قام بإكمال كلامه بما يجلي قصده. فتمام هذه العملية التزم بها الله سبحانه في خطابه مع الإنسان. فطالبه إذا ما تعذر عليه فهم بعض آيات الخطاب القرآني بالرجوع بها إلى الأخرى التي لها القدرة على التفسير، فيحرز بعملية الإرجاع الوضوح والبيان. فصار التأويل بما يمارسه من تحولات نسخية على آيات الكتاب، هو المنهج. الذي يخول الله التحدث عبر الخطاب إلى الإنسان وحيا، كما يمكّن الإنسان من فهم الوحي الموحى. إنها عملية استنطاق للخطاب باعتباره كائنا حيا، تشبه عملية الاستنطاق في الإطار البشري. وهو ما يكشف عن تواضع الله المتكبر للإنسان المخلوق، حين أفسح له المجال لان يتحدث إليه متى شاء، من خلال الخطاب كخط مفتوح فيما بينه وبينه، كما يعبر عن ذلك الحديث: ((إذا أحب أحدكم أن يحدثه ربه فليقرأ القرآن))[64]  . والإنسان من خلال هذا الخط المفتوح يطّلع على ما شاء من الحقائق المعرفية، ليكون القرآن بمثابة البلورة في عالم النبوءة، لها القدرة على أن تري مستنطقها حقيقة الأحداث في الأبعاد الزمنية المختلفة.

هذه الطريقة المنهجية، التي يمثلها التأويل كمنهج استنطاق، تحصن عملية البحث في الخطاب من الثغرات، التي يمكن أن تتسلل عبرها أهواء الباحث، فتلاحق الآيات وترادفها لتجيب كل منها على الشبهة التي تطرأ على الآية قبلها، فتحجب الهوى وتصده عن الدخول كموجّه لآيات الخطاب. بهذه الطريقة، يتضح أن ليس للباحث نصيب منها إلا بمقدار التعقب، والتتبع، والإصغاء للقرآن الناطق، ليكون الحكم لله. يضاف إلى ذلك، أن التأويل يكفل توحيد الأفكار المستنبطة من الكتاب بنفي الاختلاف المعبر عن التناقض، لان العملية التأويلية إذا ما وقعت في الخطأ نتيجة تفويت الباحث لآية معينة تنسخ النتيجة النهائية التي توصل إليها. فإن للمتدبرين الآخرين القدرة على الإشارة إلى تشابه النتيجة المنتهى إليها، والمتشابه لا يعمل به، ولا بد من إحكامه بنسخ التشابه بالآية المفوَّته في التركيب.

والخلاصة، إن التأويل هو المنهج الكفيل بمحض عملية الاستنباط والإفتاء محضا، لتكون خالصة لله سبحانه مصداقا لقوله: (إن الحكم إلا لله)57/6. فليس للبشر فيها نصيب حتى لو تمثل ذلك البشر في الرسول صاحب الرسالة. فالله هو الذي خاطبه بالقول: (يستفتونك قل الله يفتيكم)176/4. فالفتوى لا تصدر عن اجتهاد الرسول، وإنما نتيجة استنطاق مؤسس على تأويل الخطاب، فينطق الكتاب بالفتوى عن الله. وفتوى الكتاب المؤول المنسوبة إلى الله سوف تكون في دلالتها قاطعة، وفي حكمها حاسمة غير ظنية، وإنما يقينية جازمة، بل هي خطابات منزلة، فكيف ذلك؟!.