إن التأويل كآلية وطريقة لها
قواعدها وشروطها، مسئول عن حركة مكوّنات الخطاب حركة منهجية منضبطة، فلا تتحرك
خطواتها خارج إطار القواعد، أو خلافا للشروط، فيؤدي الانفلات إلى الوقوع في الشطط.
وفحوى هذه القواعد والشروط والضوابط تتلخص في جعل الخطاب القرآني هو الذي يملي
عملية التغيير في خطاب قرآني آخر. فعلى أساس من توجيه الآية للآية الأخرى، يمكن
إحداث تغيير في الخطاب، فالتغيير نتاج إيحاءات الآيات تجاه بعضها البعض وعبر المزاوجة
بين الآيات. ثم أن يوجد في بقية الكتاب ما يصادق على الناتج المحصل ويشهد على
سلامته. بمعنى إلا يكون هناك معطى مناقض للنتيجة المحصّلة. فذلك هو الحاكم والضابط
لأي تغيير، وهو ما يكفل انسجام الخطاب في مقدماته وما ينتج عنها، بل حينها يتجلى
قوله تعالى: (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، حيث التحدي
القرآني الكامن في هذه الآية، يتلخص في أن الآية القرآنية أينما وجهت بلحاظ الآيات
الأخرى الناظرة لها، والمرتبطة بها بعلاقة إبدال أو إكمال أو تقديم وتأخير أو حذف
أو تغيير في الشكل أو الاعجام، فان التصريف لا يؤدي إلا إلى فكر سديد وعلم جديد،
لا يمكن أن يتناقض أو يختلف. وهو ما يجعل كلام الله يتميز عن كلام البشر، وحينها
يظهر أن وراء القرآن قدرة خارجة عن نطاق الطاقة البشرية، وتتجاوزها إلى حد
الإعجاز، مما يدل على ربانية مصدره.
لقد علم الرسول/: المعلم المسلمين
الكتاب والحكمة، فكانت الحكمة هي المنهج، الذي يكفل للإنسان التعاطي العلمي مع
الكتاب. باعتبار أن الرسول، الذي تحدث طويلا حول القرآن، وصنع فقهاء الإسلام، لابد
أن يشتمل جزء رئيس من خطابه على مقولات في المنهج. والاستقصاء، الذي نستعرض نتائجه
في هذه الدراسة، يكشف عن وجود تلك المقولات المنهجية في التراث النبوي. ويمكن
التعرض لها بالشرح بصوره موجزة، نهدف منها فهم معالم وأبعاد التاريخ الإسلامي
والقرآني، الذي يتوقف فهم الكثير من وقائعه، بل الخلفية العميقة لسلسلة أحداثه
المتداعية، منذ بعثة الرسول وحتى عصرنا الحاضر، تتوقف على فهم هذا المنهج في خطوطه
العريضة على أقل تقدير. لذلك لابد من الوقوف مع مقولات الرسول، الواردة في المنهج،
لنلقي عليها الضوء.
لقد قسم القرآن آياته لقسمين في
قوله: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3،
فالآيات ، إذن، محكمات ومتشابهات، وعُرّفت المحكمات بأنها الآيات التي تشكل أم
الكتاب وأصله، وفي هذا التحديد تعريف للمتشابهات، باعتبارها عكس المحكمات، فهي
الآيات التي تمثل الفروع. وهذا التحديد يلقى الضوء على العلاقة المرجعية القائمة
بين الفرع وأصله. فالفروع بحاجة لأن ترجع إلى أصولها، لتتبين معانيها وتتكشف
وجوهها، وفي ذلك يقول الرسول (ص): ((إن في القرآن متشابه ومحكم فمن رد متشابهه إلى
محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم))[56] ، ويترتب على ذلك
الرد انقلاب الآية من عنوان المتشابه إلى عنوان المحكم.
ثم تضيف مقولة أخرى للرسول بُعداً
آخر للرؤية، وهي المقولة التي عرّف فيها المحكم والمتشابه، أثناء تفسيره للآية
الآنفة، فقال: ((المحكمات هن الناسخات والمتشابهات هن المنسوخات))[57] ، فذلك يشخص النسخ
باعتباره عنوانا للحركة المرجعية الرابطة للفرع بأصله، فعملية التحوّل من عنوان
التشابه إلى عنوان الإحكام هي عملية (نسخ).
وفي مقولة ثالثة قال (ص): ((من أفتى
الناس وهو لا يعرف المحكم من المتشابه والناسخ من المنسوخ فقد هلك وأهلك))[58] ، فهذه المقولة
توضح أن عملية استنباط الفتوى مرهونة بمعرفة الأركان الأربعة: المحكم، المتشابه،
الناسخ، والمنسوخ. وهي العناوين الأربعة، التي ترادفت فيما بينها، فاستحالت إلى
عنوانين فقط؛ حيث المحكم يترادف مع الناسخ، والمتشابه يترادف مع المنسوخ.
وفي مقولة رابعة للرسول تعرض إلى
تعريف الفقيه، فقال: ((لن يكون الرجل فقيها حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة))[59] ، فالفقيه هو
المشتغل بالإفتاء، أو الاستنباط، المرتبط بالعناوين الأربعة الآنفة الذكر. والفقيه
في هذه المقولة، أيضا، هو الذي يرى للقرآن وجوها كثيرة. والمحصلة إن رد المتشابهات
إلى المحكمات، يؤدي إلى نسخ بعض الآيات لبعض، ويصرّف الفقيه القرآن على وجوه حتى
يرسي الخطاب على الوجه، الذي يظهر الفتوى المتصلة بالعنوان المبحوث. بعبارة أخرى،
إن عملية الاستنباط، المنطلقة من رؤية تقوم على تعدد وجوه الخطاب، هي انتقالات
نسخية متعاقبة، تنقل الآيات من وجوه إلى أخرى، حتى تصل بها إلى وجوهها العاكسة
للبصيرة القرآنية المبحوث عنها. وهذا ما يؤكده حديث الإمام علي(ع) مع فقيه الرأي،
حيث بادره بالقول: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا! قال: هلكت وأهلكت، تأويل كل
حرف في القرآن على وجوه))[60] .
فالإمام علي يربط بين معرفة الناسخ
والمنسوخ وبين تأويل الخطاب على وجوه كثيرة. فإرجاع الآيات المتشابهات إلى الأخر
المحكمات، يؤدي إلى نسخ التشابه، وتصرف الآيات إلى وجوه. بهذا ينجلي الإطار العام
للتأويل باعتباره منهجا للاستنباط من الكتاب.