تبين معالم الواقع القرآني آنذاك أن
تراث القراءات، الذي أنتجه فقهاء صدر الإسلام، بتصريفهم للكتاب على سبعة أحرف،
ينبغي أن يكون هائلا في حجمه. إلا انه لم يصلنا منه إلا النزر القليل، نتيجة
المصادرة والحرق لمصاحف أولئك الفقهاء، في مرحلة ما بعد الرسول، ونتيجة الحصار
والحواجز، التي أقامتها السلطات المتعاقبة على امتداد المسيرة التاريخية الطويلة.
ومع ذلك يبقى ما وصلنا من تراث القراءات، المعروف بالتفسير بالمأثور، في حجمه ما
استطاع أن يتمثل في مجلدات، بعضه يصرح بحركة خطاب الكتاب وبعضه يشير إليها بصورة
من الصور التي تفيد المعنى ذاته. وهو دليل قاطع على طبيعة الواقع الدينامكي للقرآن
كما ساد في تلك الحقبة.
ونموذجا لتلك القراءات، التي تعبر
عن قراءة أولئك لخطاب الكتاب على قراءات سبع، تشمل الإبدال: بالتعويض، والإكمال،
والحذف، والتقديم، والتأخير، وتحريك علامات الاعجام، والشكل:
قراءة ابن مسعود، وأبي بن كعب،
وعمر: (فامضوا إلى ذكر الله)، بدل (فاسعوا)[42] . وقرأ أبي بن
كعب: (أخرجنا لهم دابة من الأرض تنبؤهم)، بدل (تكلمهم)[43] . وقرأ ابن مسعود:
(والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهم) بدل (أيديهما)[44] . وقرأ علي بن أبي
طالب، وابن مسعود: (إني نذرت للرحمن صمتا) بدل (صوما)[45] ، وقرأ انس: (إن
ناشئة الليل أشد وطأ وأصوب قيلا) بدل (وأقوم قيلا)[46] . هذه نماذج
للقراءة بالإبدال. أما عن القراءة بالإكمال، فقد قرأ أبي بن كعب: (ولا تقربوا
الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا إلا من تاب فإن الله كان غفورا رحيما)[47] ، حيث الإضافة
تبدأ من (إلا من تاب ..)، فلما سأله عمر عن ذلك، قال انه أخذها من فيّ رسول الله
(ص). وكقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاث أيام متتابعات ذلك كفارة أيمانكم)[48] ، بالإكمال بـ (متتابعات)،
وقرأ أبي: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم) بإضافة: (وهو أبوهم)[49] . وبالتقديم
والتأخير قرأ ابن عباس: (جهرة أرنا الله)[50] بدل: (أرنا الله جهرة)، وقرئ: (فبشرناها فضحكت)[51] بالتقديم والتأخير والآية هي: (فضحكت فبشرناها).
وبالحذف قرئ: (والذكر والأنثى)[52] ، بينما الآية:
(وما خلق الذكر والأنثى)، وقرئ بالحذف قوله: (يا حسرة العباد)[53] بحذف (على) حيث الآية: (يا حسرة على العباد).
وفي ظل إهمال القرآن للشكل قرئ: (لقد علمتُ)، بالضم بدل الفتح، وقرئ: (يا ويلنا
مِن بعثِنا)، وقرئ: (هذا كتابنا يُنطق عليكم بالحق)[54] بدل: (يَنطق)29/45. وسرت الحركة إلى إعجام
الحروف لان القرآن أيضا - مجاراة للوضع اللغوي السائد- جرّد النص من الإعجام.
فكلمة مثل «تعلمون» قرئت بالتاء تارة، وبالياء أخرى، وكلمة مثل « خوار» قرئت «
جؤار»، وكلمة مثل « فتبينوا» قرئت «فتثبتوا»[55] . ولم تقتصر
الحركة التأويلية على الكلمات والعبارات القرآنية، بل وشملت حروف هجاء الكلمة،
فتحركت كآيات على المحاور المشار إليها، فقرأ الإمام علي(ع): (ونادى نوح ابنها)،
بدل (ابنه). وقرأ أيضا: (الذين فارقوا دينهم) بدل (فرّقوا).
هذا الاستعراض لنماذج القراءات، هو تغطية لحركة الخطاب على المحاور
المختلفة، في ظل فكرة نزول القرآن على سبعة أحرف. فالتأويل يحرك مكونات الخطاب من
الآيات، لتشمل الحركة التأويلية العبارة، والكلمة، وحرف الهجاء، وعلامات الشكل،
والاعجام. لكن، ما هي المعالم العامة لمنهج التأويل، الذي يمثل النظرية الضابطة
والآلية، التي تحكم حركة الخطاب الإبدالية؟ هذا ما يتناوله العنوان التالي ..