يتضح في ظل فكرة الأحرف السبعة، امتلاك القرآن القدرة الذاتية على
تفسير مكونات وآيات خطابه، بعضها بالبعض الآخر، وهو التفسير الذي لا يقتصر على
حدود بيان معاني الآيات وتقريرها، بل يتطور إلى تفصيل الكتاب، ليتجاوز مستوى تقرير
المعاني، فعملية قراءة بعض القرآن في بعض هي عملية تمدد لخطاب القرآن، تتسع معها
آفاقه المعرفية وأبعاده العلمية، نتيجة الحركة التأويلية المنطلقة على عدة محاور
إبدالية، تقوم على:
1/ التعويض . 2/
والإكمال . 3/والحذف . 4/والتقديم.
5/ والتأخير. 6/وتعدد
إمكانية التشكيل . 7/ وتعدد إمكانية
الاعجام*.
فنلاحظ أن محاور
الحركات التأويلية متعينة في العدد سبعة، ليكون هذا التوجيه وجها من الوجوه
المفسرة لحديث الأحرف السبعة، كما ان للحديث وجوها أُخر**. وهذا الوجه يتكامل مع الوجه المتناول، الذي
يفسر الأحرف السبعة بالقراءات غير المتناهية. وهو ما يطالعنا به قول ابن مسعود
الذي يرويه عن الرسول: ((ليس من الخطأ أن تقرأ بعض القرآن في بعض، ...، وإنما من
الخطأ أن تقرأ ما ليس فيه))[36] . والواقع
التطبيقي لهذا الحديث ما يرويه الإمام علي(ع): ((كان عمار إذا قرأ يأخذ من هذه
السورة وهذه، فذكر ذلك للنبي (ص) .. فقال لعمار: لم تأخذ من هذه السورة وهذه؟ قال:
أتسمعني أخلط به ما ليس منه؟! قال (ص): لا! قال: فكله طيب))[37] ، كما يشير خبر
ابن أبي السرح إلى ذلك، حيث يبين طبيعة اختلاف القراءات فـ(سميعا عليما) قد يقرأها
الرسول (عليما حكيما)، فكان الاختلاف في القراءات، يصل إلى درجة الإبدال، فالرسول
في إقرائه الخطاب القرآني للمسلمين، يقوم بعملية التبديل في مكونات وحروف آيات
الخطاب. ويؤكد هذا ما يروى في هذا السياق من قوله (ص): ((إن هذا القرآن أنزل على
سبعة أحرف، فاقرؤوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة))[38] ، وفي خبر آخر:
((كلها كاف شاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب كقولك: هلم وتعال))[39] ، فالترادف بين
(هلم، وتعال) يعبر به الرسول عن إمكانية التبديل في مكونات آيات الخطاب بقراءة بعضه
في بعض، فتحل الكلمة محل الأخرى التي تؤول إليها.
ويمكن الوقوف على نموذج يسلط الضوء
على كيفية تصريف الرسول لآيات الكتاب عندما يصرفها من وجه إلى وجه أخر، فيما يروى
عن نزول قوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن)82/6،
حيث شق ذلك على الناس، وقالوا: يا رسول الله! فأينا لم يظلم نفسه؟! قال: إنه ليس
الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم
عظيم)13/31، إنما هو الشرك!))[40] . ففي هذا الخبر
فسّر الرسول حرفا في الخطاب الأول، وهو (الظلم)، بحرف في الخطاب الآخر، هو
(الشرك)، فأوضح مآل الظلم إلى الشرك، هذه الخطوة الأولى. وفي خطوة لاحقة، كان
بالإمكان القراءة بإبدال حرف محل حرف، مادام ثبت أن الظلم يؤول إلى الشرك. وهذا التحريك بالإبدال هو ما
ظهر عند الرسول ابتداء، وأدى إلى نشوب الاختلاف بين تلامذته، قبل أن يُستوعب من
قبل أولئك التلامذة، ليقوموا بإنتاج الحروف السبعة تأويلا، ترجمة لقوله: ((ليس من
الخطأ أن تقرأ بعض القرآن في بعض، وإنما من الخطأ أن تقرأ ما ليس فيه)).
بعد مرور الوقت ومضي الزمن، استوعب
الرعيل الأول فكرة نزول القرآن على سبعة أحرف، ومارسها عمليا، واشتهر في صفوفه
أفراد قرؤوا القرآن على حروف سبعة، ورؤوا له وجوه، وأصبح عدد منهم من أعلام
القرّاء آنذاك. وبدؤوا يمارسون تعليم تأويل الكتاب لمن دونهم، مقتدين بالرسول
مستنين بسنته، متبعين الطريقة ذاتها التي رأينا الرسول علّمهم بها في بدء النهضة
التعليمية. ويلاحظ التلامذة الناشئون اختلاف قراءات الخطاب من قارئ إلى آخر،
فيشْكُون ذلك إلى الرسول، كما فعل أساتذتهم بالأمس القريب، حين تخاصموا عند الرسول
في أمر اختلاف القراءات. ففي الخبر: ((جاء رجل إلى رسول الله (ص)، فقال: أقرأني
عبد الله بن مسعود سورة، أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم
فبقراءة أيهم اخذ؟ قال: فسكت رسول الله (ص)، وكان علي [بن أبي طالب] إلى جنبه،
فقال علي (ع): ((ليقرأ كل كما عُلّم، كل حسن جميل))[41] . ففي هذا المشهد
يشار إلى ثلاثة من تلامذة الرسول تحولوا إلى قرّاء لكل منهم حلقة يدرسها، وهم : زيد
بن ثابت، وابن مسعود، وأبي بن كعب الأنصاري، فبدوا في المشهد يدرسون سورة معينة من
سور القرآن، مصرفين مكوناتها على وجوه تتباين فيما بينها، فيدفع الفضول احد
التلاميذ إلى استطلاع حلقات التدريس تلك، فينتقل من قارئ إلى آخر، ولم يقتصر على
واحد بعينه، فيلمح التباين والاختلاف والتفاوت والتغاير في قراءة الخطاب الواحد
الذي قرئ بعدة قراءات، فيهرول إلى الرسول ليطلعه على الأمر العظيم، الذي اكتشفه!.
فعظم الأمر عليه يتجلى في انه لم يطلع معلمه أو أحد معملي الحلقات على تفاوتهم،
وإنما رفع الأمر إلى أعلى سلطة، إلى الرسول، يشكوه اختلاف المعلمين والقرّاء،
فيفاجئه الرسول بسكوته، الذي أوحى لوصيه الإمام علي(ع) أن يتصدى للإجابة، فأجابه
الإمام علي بان كل تلك القراءات المتغايرة للسورة القرآنية الواحدة، هي قرآنيات،
وكلها قراءات حسنة وجميلة، وبايها أخذ أصاب!!. ليتتابع بذلك مبدأ تصريف الوجوه
وترسى معالم المشهد عليه ...