القرآن والأحرف السبعة

جلس الرسول تحت سقف المسجد يعلم المسلمين القرآن، فطرح التأويل منهجا يتوسط بين المسلم وخطاب الكتاب، وسبيلا وحيدا، لاكتشاف مدخرات الآيات، يتعذر الوصول إليها دونه. وتقصّد جعل هذه الفكرة المنهجية، المثيرة في ذاتها، مثار جدل، لغايات سنعرفها لاحقا، فكفلت له تقنيته في التعليم، المعتمدة على وضع الفكرة النظرية في إطار تطبيقي، ليقوم المتتلمذون بين يديه بفهم الفكرة من خلال استشفافها من التطبيقات، كفلت له إحداث تلك الإثارة الإضافية. فالقرآن في ظل التأويل خطاب متحرك قابل لأن تتعدد قراءته، وهي الفكرة المعبر عنها بنزول القرآن على سبعة أحرف، وهي فكرة في حد ذاتها مثيرة للغاية، أضاف إليها الرسول المزيد من الإثارة حين وضعها في إطار تطبيقي دون إيضاح مسبق للفكرة. فأقرأ الفرق المتتلمذة بين يديه سورة واحدة بقراءات متعددة، مما أدى بهم لاكتشاف التفاوت، حين التقوا في المسجد، وقرؤوا تلك السورة في صلاتهم، فلاحظوا فكرة الأحرف السبعة من خلال ملاحظتهم الاختلاف في القراءة، إلا إنهم لم يستوعبوها، لذلك اختلفوا، وتخاصموا فيما بينهم، ووصل الخصام بهم إلى درجة التكاذب، والترافع إلى الرسول.

وقد نقل التاريخ والأخبار عدة وقائع تحكي الجدل المثار، حول فكرة الأحرف السبعة، التي تعبر عن التأويل باعتباره عملية منهجية تمارس في القرآن. من تلك الوقائع: ما يرويه لنا عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة، لم يقرأنيها رسول الله، فكدت أساوره في الصلاة. فصبرت حتى سلم، فلما سلّم لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله (ص)! فقلت: كذبت والله! إن رسول الله لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرأها! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله (ص)! فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال: فقال رسول الله: أرسله يا عمر! اقرأ يا هشام! فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأها! فقال رسول الله (ص): ((هكذا أنزلت!))، ثم قال رسول الله (ص): اقرأ يا عمر! فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص): ((هكذا أنزلت!))، ثم قال رسول الله (ص): ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منها!!))[27]  .

هكذا ألقى الرسول التطبيقات الملغمة بفكرة الأحرف السبعة المنهجية، على الفرق المتتلمذة بين يديه. وكان توقيت انفجارها محددا بوضع تلك التطبيقات في إطار مقارن. وحينما أم بعضهم بعضا في الصلاة، أو رتل بعضهم القرآن في المسجد على مسامع الآخرين، حدث الوضع المقارن الذي فجر الفكرة اللغم، فاضطرب لها الجميع. فهرعوا إلى الرسول يتشاكون، ويتهم بعضهم بعضا بالمسؤولية عن هذا التلغيم، دون أن يخطر ببالهم، أبدا، أن يكون الرسول هو الذي زرع تلك الفكرة في التطبيقات. فكانت تجربة حية، استدرج لها الرسول الجميع، فأسهموا في حياكة فصولها، باكتشافهم لها، وكما تحدث الاكتشافات الجديدة فتنة، تتمظهر تجلياتها في بلبلة وجدل وأخذ ورد، كذلك أحدثت فكرة الأحرف السبعة ذلك، فشدت الجميع إليها فكرا ووجدانا.

إن فكرة نزول القرآن على سبعة أحرف، تعني أن الخطاب القرآني، الذي نزل به جبرائيل، خطاب قابل لأن يقرأ بعدة قراءات غير قابلة للحصر. وقد رمز لهذه القابلية بالرقم سبعة رمز الكثرة، حيث السبعة ومضاعفاتها ترمز في لغة العرب إلى الكثرة، وهو متبنى الاستخدام القرآني. وتحقيقا لهذا المفهوم، نستعرض الآيات القرآنية الدالة على ذلك، نجد ذلك في قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ربي)27/31، فالرقم (7) تستعمله الآية بمعنى الكثرة، كما هو واضح، ويمكن تعزيز هذا المفهوم بقوله تعالى: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل إن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18، فإضافة المزيد من بحار المداد، لن يستنزف علم الكتاب، كما تؤكد ذلك الآية الأخيرة. وفي هذا السياق يستعمل القرآن الرقم (70)، كأحد مضاعفات السبعة، ليفيد معنى الكثرة في العشرات: (إن تستغفر لهم سبعين مرة لن يغفر الله لهم)80/9، فليس استغفاره لهم أكثر من سبعين يترتب عليه المغفرة لهم، وان كان ذلك وجه. وفي هذا الإطار يأتي الاستخدام للرقم (700) يقول تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء)261/2، ففي كل سنبلة من السنبلات السبع مائة حبة، لتكون المحصلة ما مجموعه 700 يعقبها بالقول: (والله يضاعف لمن يشاء)، لتعبّر الـ 700 عن الكثرة المضاعفة. فيتضح أن السبعة ومضاعفاتها تعبر في الاصطلاح القرآني عن مفهوم الكثرة، بناء على ذلك، يمكن الاطمئنان في تعين مفهوم السبعة، في حديث الأحرف السبعة، في الكثرة.

هذا من جهة، من جهة أخرى تفيد لفظة (أحرف) في الحديث قيد البحث معنى يترادف مع (الوجوه) و(القراءات). نستدل على ذلك بالمقارنة بين الحديث النبوي وحديث آخر ورد عن حفيده الإمام الباقر (ع) يتحدث فيه عن ذات الفكرة، إلا انه يستعيض عن لفظة (أحرف) بلفظة (وجوه)، فيقول: ((أنزل القرآن على سبعة وجوه))[28]  . فيتبين في محصلة تحقيق مفهومي اللفظتين ((سبعة أحرف))، أن القرآن خطاب تتعدد قراءات آياته، وتتصرف وجوه مفرداته، بصورة متكاثرة تقع خارج إطار الحصر والإحصاء، رمز لها بالرقم سبعة. وحينما يصف الحديث الحروف السبعة بأنها حروف منزلة: ((أنزل على سبعة أحرف))، يريد أن يبين أن كل قراءة ينصرف إليها الخطاب، وكل وجه يبرزه التأويل، هو وجه وقراءة منزلة، وهو ما يحتاج إلى المزيد من المعالجة، التي نتناولها في الأوراق الآتية.

إلا ان فكرة الوجوه أو القراءات السبع، التي تعبر عن الكثرة غير المحصورة، لم تكن لتخطر قط على بال تلامذة الرسول، الذين تصوروا ان القرآن نزل به جبرائيل، فتلاه على الرسول، ومن المفترض أن يلتزم الرسول تلك التلاوة لكلام الله، ويبلغها نصا. إلا ان الرسول أوضح ان الخطاب القرآني أنزل على سبعة أحرف. ومعنى نزوله، كما تبين، أن كل قراءة تنتج من خلال إعمال التأويل في آيات الخطاب هي قراءة منزلة. وفي ظل ذلك تغدو القراءة التي تلاها جبرائيل على مسامع الرسول قراءة من جملة القراءات، التي ينصرف إليها الخطاب. ففي هذا السياق جاء موقف الرسول مُحسّنا لكلا القراءتين، التي أقرأ احداهما لعمر وأقرأ الثانية لهشام، وعقّب وراء تلاوة كل منهما بالقول: ((هكذا أنزلت!))، وكان الخطاب المختلف في قراءته واحدا، يتمثل في سورة الفرقان. ثم أظهر ما استند إليه في هذا التحسين، وما يعلل هذا الإنزال المتكرر، حين أضاف خاتما كلامه بالقول: ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منها))[29]  ، ليؤكد أن كلا القراءتين لا تخرجان عن الإطار القرآني.

إلا ان هذا الواقع لم يكن للأفهام أن تستسيغه للوهلة الأولى، ولا للعقول أن تعقله أو تقبله بسهولة، فاضطرب له أمر العرب والمسلمين. ويرجع اضطرابهم إلى عدم عهدهم بتصريف نصوص اللغة، بهذا الشكل المنهجي الواسع، رغم معرفتهم بإمكانية التصريف، ولكن في حدود ضيقه جدا. يدل عليها ما يروى عنهم من نصوص الشعر والأدب، حيث دأبت كل قبيلة أن تقرأ أبيات الشعر كل بقراءتها، مما يعدد قراءة تلك الأبيات بين قبيلة وأخرى، إلا إنها لاتصل إلى درجة تحول التصريف إلى آلية، تحيل الخطاب إلى منجم لكنوز المعرفة، يتصف بعدم الاستنفاد. فهذه الإمكانية البسيطة في التصريف عند العرب، هي التي وظفها القرآن بصورة عظيمة حين دفع بها إلى نهاية الخط، ليكشف ما أغفله العرب من قيمتها الكبرى، ما أدى إلى ذهولهم، فلم يستوعبوه للوهلة الأولى. لذلك تعرض الواقع التطبيقي لفكرة الأحرف السبعة للاستنكار والإدانة، الصادرة من عدة اتجاهات. ويمكن أن نستعرض بعض نماذج الاستنكار هذه في المرويات التالية، روي عن ابن مسعود قوله: ((سمعت رجلا قرأ آية وسمعت النبي (ص) يقرأ خلافها، فجئت به إلى النبي (ص) فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا))[30]  ، وعن أبو جهم: ((إن رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال: هذا تلقيتها من رسول (ص) وقال الآخر تلقيته من رسول الله (ص) فسألا النبي (ص)، فقال: القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر))[31]  ، وعن سليمان بن صرد عن أبي: ((رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله (ص) فانطلقت به إلى رسول الله (ص)، فقلت: استقرئ هذا، فقرأ. فقال: أحسنت! قال: فقلت: انك أقرأتني كذا وكذا، فقال: وأنت قد أحسنت! قال: فقلت: قد أحسنت قد أحسنت!! ثم قال: فضرب بيده على صدري! ثم قال: اللهم اذهب عن أبي الشك! قال: ففضت عرقا وامتلأ جوفي فرقا! ثم قال: إن الملكين أتياني.. فقال أحدهما: اقرأ على سبعة أحرف))[32]  .

فالأسماء التي تنص عليها هذه الأحاديث، مثل أبيّ بن كعب، وابن مسعود وآخرين تذكرهم الأخبار، شكلوا أول دفعة من فقهاء الإسلام تتخرج من جامعة المسجد آنذاك. وهي لذلك أول فئة تتعرض لاختبار ردود فعلها على فكرة الأحرف السبعة. فلم نجدها في بداية مشوارها التعليمي، قد استوعبت هذه الفكرة، إذ شك أفرادها في دعوى؛ ان الوحي هو مصدر هذا الذي سمي قرآنا. بلحاظ أن كلام الله ينبغي أن ينقل عن جبرائيل كما نزل به، فكيف يتعدد الخطاب، فتمنحه كل قراءة وجها مغايرا، ومعنى آخر. قد لا يمت إلى المعاني والوجوه الأخرى بصلة؟! غافلين عن الإجابة، التي تتمثل في قابلية وإمكانية الخطاب الذاتية للتصرف، والإنتاج الذاتي لوجوده وامتداداته.

وإذا اقتصر أمر أبي بن كعب على الشك في الدعوة، في تلك اللحظة، التي تداركه فيها الرسول بالبيان والدعاء. فإن آخرين قد ارتدوا على الأعقاب، وخرجوا من الدين. في هذا الصدد ينقل التاريخ خبر عبد الله بن أبي السرح، الذي كان يكتب القرآن النازل بين يدي الرسول (ص)، فيملي عليه عزيز حكيم، فيكتب عزيز عليم، ثم يقرأ عليه، فيقول: ((نعم سواء))، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش. فقال: ((إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إلي!! وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله!! قال محمد: سميعا عليما!، فقلت أنا: عليما حكيما!!))[33]  ، فأنزل الله في هذا الحدث الصدمة قرآنا، قال تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو قال أوحي إلي، ولم يوح إليه شيء، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله)93/6، وإذا كانت رِدة عبدالله بن أبي السرح، قد انتشرت فعرفها القاصي والداني، وفضحه القرآن على امتداد التاريخ، حين أنزل فيه آيات ترتلها أناء الليل وأطراف النهار أمة مترامية الأطراف. فإن أمثال ابن أبي السرح، الذين نكصوا على الأعقاب فارتدوا من بعد إيمانهم كفارا وأسروا كفرهم، نتيجة ريبهم الناتج عن هذه الفكرة، إن أولئك، لا شك، هم كثيرو العدد.

إن فكرة الأحرف السبعة، التي في ظلها تتعدد قراءة القرآن، هي التي أنتجت ردة الفعل المتمثلة في الجدل الواسع، الذي سرى في الأوساط، وبلغ الذروة في ردّة ابن أبي السرح. إلا ان القرآن طوّق مضاعفات الفكرة، حين نزل بالردع لردة الفعل، التي تمثلت في موقف ابن أبي  السرح. كما تصدى الرسول لمنع استغلال المنافقين لحداثة الفكرة وحال بينهم وبين تأليب الأجواء عليه وكيد الرسالة، يساعدهم في ذلك بعض المسلمين، الذين مازالوا تحت تأثير المناخ الجاهلي من ناحية سطحية فكرهم، وضيق أفق مداركهم، فقال في هذا الصدد محذرا، وناهيا عن استمرار الخلاف والتكاذب: ((اقرؤوا كما علمتم فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم))[34]  . مؤكدا فكرة الأحرف السبعة في كل مرة: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف أيهما قرأت أصبت /.. كلها كاف شاف /.. كل حسن جميل /.. اقرؤوا ما تيسر منها /.. بأيهما قرأت فقد قرأت))[35]  .  مبينا أن هذا الواقع القرآني، الذي خرج به على الأمة، لتقرأ فيه خطاب الكتاب على سبعة أحرف، إنما هو استجابة منه لأمر الله، الذي قضى بذلك: ((أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلها كافٍ شافٍ))، لذلك على الأمة أن تسلم لأمر الله وقضائه، إذ (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة، إذا قضى الله ورسوله أمرا، أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعصي الله ورسوله، فقد ضل ضلالا بعيدا)39/33.

إن طريقة الرسول في تعليم وإفهام هذه الفكرة للمسلمين بتقديم التطبيق على الفكرة، وما ترتب عليه من شجار وتكاذب، جعل خبر الأحرف السبعة حديث الساعة في وقته، تتواتر روايته، وهو ما قصد الرسول إحداثه، بتقديم التطبيق على النظرية، وإضافة إثارة إلى الإثارة. فالصدمة التي تلقاها المسلمون عن الرسول من خلال إجابته المؤكدة لفكرة الأحرف السبعة، وما تعنيه من تصرف الخطاب على قراءات، حفرت فكرة الأحرف السبعة أخدودا في ذاكرة المسلمين. فتواترت رواية الحديث في هذا المجال، وتحولت هذه الفكرة لحادثة تاريخية خالدة. لن تستطيع الجهود اللاحقة لكل قوى النفاق، أن تغسل أدمغة المسلمين من فكرة دينامكية الخطاب في ظل التأويل، بعد إن عاش أولئك المسلمون صدمة الحدث، بكل جوارحهم على مشهد ومرأى من الرسول.