تم نزول القرآن
مرتين؛ نزل في المرة الأولى مجملا على قلب الرسول(ص) في مكة، فاختص النزول
الإجمالي به. ونزل منجّما على امتداد 23 سنة، هي مجمل العمر الرسالي لشخص الرسول.
فكان تفرقه وتبعثره على امتداد رقعة زمنية، تقارب الربع قرن، استجابة لمتطلبات
الواقع؛ إذ كان نزول كثير من آيات القرآن، رهن اثارات الواقع وأحداثه. اعتمد
الرسول في المرحلة المكية من الدعوة على التلقين في تعليم الدين للمسلمين. وركز
على الفكرة الجوهرية المتمثلة في التوحيد، ونبذ الشرك بصورة أساسية. ولم يتوجه إلى
تعليم تأويل القرآن، الذي طرح كعنوان لفقه الخطاب من خلال السور النازلة في الحقبة
المكية، إلا بعد أن انتقلت الرسالة إلى يثرب (المدينة المنورة). وذلك للظرف الصعب
الذي واجهته الرسالة في مكة، ولبدء تراكم القرآن، الذي نزل بالتدريج، في وقت كان
التأويل يعتمد على استقراء مادة الكتاب، لاستخراج بصائر الوحي منه، واستنباط
الفتاوى. فجاء التحوّل إلى المدينة ليهيئ الرسالة لتتجاوز تلك العقبات، فوطأت
كيانها واستقرت في معقلها الجديد، وتراكمت للقرآن كمية كبيرة من آيات الكتاب[أع1]. وكان الأمر القرآني النازل
بالتعليم مصاغا في عبارة وصفية، تصف الرسول بالمعلّم، كما في قوله: (هو الذي بعث
في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة)2/62. وكانت كل
الآيات التي وصفت الرسول بهذا الوصف مدنية. وانطلاقا من هذا الأمر، قال الرسول:
((إنما بعثت معلما))[4] ، وأضاف:
((بالتعلم أرسلت))[5]()، وجلس في مسجده يعلم الناس فقه
القرآن.
مهد الرسول (ص)
لتعليم علم الكتاب، المتمثل في التأويل، بالقضاء على الأمية، ومحوها من المدينة.
واستعان بكل العارفين بالقراءة والكتابة من المهاجرين* والأنصار** ، بالإضافة إلى الأسرى الذين أسرهم في بدر ممن يجيدون القراءة
والكتابة، فجعل فدية كل واحد منهم، تعليم عشرة من صبية المدينة القراءة والكتابة[6] . ويمكن إلقاء
نظرة على تجاور العمليتين؛ عملية تعليم القراءة كمقدمة تمهيدية لعملية تعليم
الكتاب في صدر الإسلام من خلال استمرار هذا التجاور إلى فترة متاخمة لحياة الرسول،
فقد: ((روي أن عمر لقي أعرابيا فسأله هل تحسن القراءة؟ فقال: نعم. قال: فاقرأ أم
القرآن؟ فقال الأعرابي والله ما أحسن البنات فكيف الأم! فضربه بالدرة وأسلمه إلى
الكتاب ليتعلم. فمكث حينا ثم هرب، ولما رجع إلى أهله أنشدهم:
أتيت مهاجـرين فعلموني ثلاثة أسطر متتـابعات
كتاب الله في رقٍ صحـيح وآيات القرآن مفصــلات
فخطّوا لي أباجاد وقالـوا: تعلم سعفصا وقريشـات
وما أنا والكتابة والتهجـي وما حظ البنين مع البنات))[7]
من خلال هذا الحدث
الواقع في الحقبة العمرية، التي كانت مجاورة لعهد الرسول، حيث لم يمكث أبو بكر في
السلطة أكثر من عامين، نجد أن عمر دفع بالأعرابي إلى تعلم الكتابة والقراءة تمهيدا
لتعليمه القرآن، مما يدل على أن تلك هي الطريقة، التي كانت سائدة على عهد الرسول، حيث
تعليم القراءة يتجاور مع تعليم القرآن.
وقد استعمل
المسلمون في الكتابة القلم: (ن، والقلم وما يسطرون)1-2/68، والمداد: (قل لو كان
البحر مدادا لكلمات ربي)109/18، والصحائف من القراطيس لتدوين القرآن النازل، يشير
القرآن في أكثر من مورد إلى الصحف، التي تؤول برقاع من قراطيس، فهي قابلة لأن تطوى
وأن تنشر: (صحفا منشرة)52/74، وهي
نفسها الرق المنشور في قوله: (وكتاب مسطور في رق منشور)2/35، والكتاب من الرق هو
المعبر عنه بأنه من قراطيس: (كتابا في قرطاس)7/6، وقد استعملها - أي القراطيس -
اليهود في المدينة في كتابة التوراة: (قل من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا
وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا)9/6. وعلى هذا النوع من الصحائف،
كان اعتماد المسلمين في كتابتهم للقرآن بصورته الجامعة. ولم يكن اعتمادهم على
العسب، والألواح، واللخاف (: حجارة بيضاء رقاقا، واحدها لخفه)[8] ، وأشباه ذلك، إلا
من أجل الكتابة المؤقتة، التي تهدف التسجيل الفوري للآيات النازلات على الرسول
وحيا، من اجل استظهارها وحفظها لاحقا، أو استدراك تدوينها على صحيفة من قرطاس بخط
حسن، في وقت تالي، وضمها إلى بقية صحائف المصحف، الذي يمثل جملة الكتاب النازل.
يدل على ذلك استعمال العرب الألواح، لتعليم الصبية الكتابة والقراءة والقرآن، كما
استعملها عموم المتعلمين كبارا وصغارا ((فذكر ان ابن عباس كان يأتي أبا رافع
ويسأله: ما صنع رسول الله يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها. وأن مجاهد كان
يسأل ابن عباس عن التفسير ومعه ألواحه، ويكتب ما يمليه عليه))[9] ، فيكتبون على تلك
الألواح بغية حفظها، ثم يمحى، فهي بمثابة السبورة في المدارس، في عصرنا الحالي.
وقد عرف العرب آنذاك اللوح بنفس التسمية المعاصرة تقريبا، حيث أطلق عليه
(السبورجه)، وهي لفظة فارسية الأصل[10] .
وإلا لا يمكن تصور
القرآن، وقد دون بصورة دائمة على ألواح من
حجارة أو من خشب، وعسب، وعظام الكتف. فهو في هذه الحالة سوف يشكل كمية ضخمة غير
قابله للتنظيم والتعاطي العملي معها. ولا يمكن تعقل ذلك مع وجود إمكانية تدوينه
على الرقاع وصحائف القراطيس، كما دوّن أهل الكتاب التوراة على تلك القراطيس.
والمصاحف التي ورثناها عن العصور الأولى للإسلام خير شاهد يدعم هذا التصور،
كالمصحف الذي نسب إلى الإمام علي، وآخر نسب إلى الإمام زين العابدين.
ويتعرض القرآن إلى
حلقات الفقه، كبؤر ينبغي أن تمد بالحياة، داعيا إلى الالتحاق بها، ثم الانفصال
عنها لممارسة عملية البلاغ والإنذار: (لولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في
الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)122/9، فالفقه في المدلول اللغوي المتعارف
آنذاك، يفيد العلم بالشيء وفهمه، وحين يتخذ القرآن من الفقه اسما يطلقه على
الممارسة الفكرية في خطاب الكتاب، فإنه لا يريد أن يتجاوز المفهوم الظاهر. إنما
يريد أن يجعل الكتاب برنامجا به يفعّل وظيفة العقل في إنتاج الفكر والمعرفة بطريقه
صائبة. فالفكر هو البنية التحتية للدين، الذي يمثل نظام الحياة. لذلك ورد عن
الرسول القول: ((أساس الدين بني على العقل))[11] ، ((إن لكل شيء دعامة ودعامة هذا الدين العقل))[12] ، وهو متحقق في الفقه، والفقه هو عملية إنتاج الأفكار، لا عملية تلقي
وتلقين الأفكار. وهدف الإنذار، الذي تشير إليه الآية، هو إلحاق الأمة بالعملية
الفقهية من خلال نشر بؤرها، لتدعيم واقع العقلانية فيها، لتتحمل مسئوليتها تجاه الرسالة
بإقامة الكتاب كواقع على الأرض..
لقد كانت العملية الفقهية الخاضعة
لقواعد التأويل من اليسر، ما جعل فترة التمكن من الخطوات النظرية لها متاحة لأكبر
شريحة ممكنة من أبناء الأمة. وبقي المُعوّل على الخبرة المعبرة عن التمكن من إخضاع
الخطاب إلى القواعد التأويلية، وإنتاج التطبيقات. يؤكد هذه السهولة، أن الرسول لم
يجعل المسجد الجامع هو المركز الحصري، المتخصص في نشر الفقه بالدين، بل حث على
تحويل كل بيت واقع على الجغرافيا، التي يغمرها الإسلام إلى مركز لتعليم الفقه،
وإنتاج الفقهاء. فكل بيت مطالب رب الأسرة فيه، بتدريس أهله وأبنائه القرآن، يقول
الرسول: ((من علم ولدا له القرآن قلد قلادة يعجب منها الأولون والآخرون يوم
القيامة))[13] ، ((حق الولد على
الوالد أن يعلمه القرآن))[14] . وقد احتضنت بعض
البيوتات مدارس لتفقيه النساء تأويل الكتاب، وذلك يدل على تيسر العملية الفقهية.
ويدل على يسرها كذلك، الفترة
الزمنية التي كان يستغرقها تفقه الوفود الممثلة لأقوامها الداخلة في الإسلام.
فالرسول دأب على أن يستبقيها، ليخضعها إلى دورة فقهية في الكتاب. فإذا ما تمكنت
تلك الوفود من الاستنباط من الكتاب، لحل ما اُستجد عليها من مسائل، دعاها إلى الرجوع
إلى أقوامها لتنذرها، وتعلمها أمور دينها. يصور هذا الواقع، خبر وفد قبيلة عبد
القيس، الذي جاء الرسول، فأمر بكل رجل [رجلا] من المسلمين ينزل أحدهم عنده، ويقرئه
القرآن، ويعلمه الصلاة. فمكثوا جمعة، ثم دعاهم فوجدهم قد كادوا أن يتعلموا وان
يفقهوا، فحوّلهم إلى غيره. ثم تركهم جمعة أخرى، فوجدهم قد قرؤوا وفقهوا))[15] ، إن الوفد الذي
يمثل أفراده نخبة القبيلة وعقلاءها، استطاع في هذا المشهد التاريخي، أن يفقه قراءة
القرآن تأويلا، في ظرف أسبوعين، ليغادر إلى قبيلته، ولينذرها برجوعه إليها فقيها.
إن حالة اليسر في فهم القواعد المنهجية
للدين، وما تـمثله من منطق مسئول عن تفعيل العقول وتصويبها، يكشف المبرر، الذي من
أجله وسّع الرسول دائرة التّفقه في الدين، على نطاق استوعب الأمة، الرجال والنساء
الكبار والصغار، حتى كادت الأمة ان تكون فقيهة. فهو بذلك يفعّل العقلية المسلمة،
وينشر العقلانية التي لا يمكن تصوّر الحياة خالية منها، كما يكشف أن الفقه لا
ينبغي أن يُحتكر في فئة دون أخرى، وإلا أدى ذلك إلى احتكار العقلانية في فئة، مع
تجهيل الغالبية العظمى من الأمة. ولذلك جعل الرسول الأمة في الفقه بين حدين، فقيه
وأفقه منه، أحدهما أعلى والآخر أدنى، بينهما درجات شتى، منفتحة على بعضها صعودا
ونزولا. نتلمس معالم وحدود ذلك في قوله: ((رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))[16] ، فنموذج الحد
الأعلى شخص الرسول، ثم الأمثل فالأمثل؛ الوصي ففقيه التأويل كسلمان الفارسي،
الموصوف بالبحر الذي لا ينزح. لقد طالب الرسول كافة أفراد الأمة بالانخراط في
العملية التعليمية، كما نلمح ذلك في أصداء توجيهه: ((ينبغي للمؤمن ان لايموت حتى
يتعلم القرآن أو يكون في تعلمه))[17] ، فالمطلوب شحذ
الهمة للارتقاء في سلم التمثل، والاستلهام لنموذج الرسول، للوصول إلى صيغة مشابهة
للمثال الأعلى قدر المستطاع، عبر العمل بتعاليم الكتاب، لان ما الرسول إلا ترجمة
له.
وأذكى الرسول بخطبه زخم التنافس،
بين أفراد الأمة في ترجمتهم للكتاب، ليتأهلوا للمشاركة في قيادة الأمة. وكان من
جملة خطاب الرسول العاكس لهذا التحريض، قوله: ((أشرف أمتي حملة القرآن))[18] ، ((أهل القرآن
أهل الله وخاصته))[19] ، ((حملة القرآن
أولياء الله فمن عاداهم عادى الله ومن والاهم فقد والى الله))[20] ، وبذلك أصبح
فقهاء الأمة يشكلون طبقة النخبة، وأشراف الأمة، وأولياء الله، وأصبحت الأمة مطالبة
بالإقتداء بهم، وإطاعتهم. فهم يقعون من الأمة موقع القدوة لفضلهم، بل يقعون من
النظام الكوني موقع القطب من الرحى، بوصولهم إلى موقع الخلافة في الأرض. ويكشف
الرسول موقعهم الكوني، الذي يستقطب اتجاهه كل الوجود بقوله (ص): ((يرفع الله بهذا
القرآن والعلم بتأويله، وموالاتنا أهل البيت والتبرؤ من أعدائنا أقواما يجعلهم في
الخير قادة، أئمة في الخير تقتص آثارهم، وترمق أعمالهم، وتقتدي بفعالهم، وترغب
الملائكة في خلّتهم، وتمسحهم بأجنحتها في صلاتهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، حتى
حيتان البحر وهوامّه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها))[21] .
ولم يقتصر الرسول في موقفه من حملة
القرآن، على منحهم الألقاب في خطابه الموجه للأمة. ولا دفع بهم للاهتمام بأنفسهم
على حسابها، بل بوأهم في مقامات متقدمة في تجربة الأمة، ليمنح تجربتهم في التزكية
والتعليم بُعدها الاجتماعي، الذي يحيل التجربة الفردية إلى تجربة للأمة بأكملها،
فتصنع الأمة بالإقتداء بهم ذاتها وتطهر كيانها. بهذا أخذ خطاب الرسول التنظيري
طريقه إلى الواقع العملي، لينفذ كمشروع لإعادة صياغة معادلة الحياة الثقافية
والاجتماعية للعرب، وفي هذه المعادلة يقدر الرسول أفراد الأمة، بقدر ما يملكون من
أهلية العلم والعمل به، فكان لحملة القرآن مواقعهم الريادية. ينقل التاريخ أن
الرسول كلف البعض بمهمة التعليم، مثال ذلك ابن مسعود، الذي تولى مسؤولية قطاع من
الأمة يعلمه التأويل، ففي الخبر: ((إن ابن مسعود إذا أصبح خرج أتاه الناس إلى
داره، فيقول: على مكانكم، ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن، فيقول: يا فلان! بأي سورة
أنت؟ فيخبره))[22] ، وقام بهذا الدور
زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، كما سنجد ذلك في خبر متقدم. وبعث الرسول البعض الآخر من
الفقهاء في مهام تبليغيّة لنشر الدعوة في الأطراف، أو كأمراء وعُمّال له على تلك
المناطق، فأرسل معاذا وأبا موسى إلى اليمن، وأوصاهما، أن يُعلّما الناس القرآن،
وخولهما الفتوى بالكتاب والسنة فحسب(*). فـ ((عن الأسود بن قيس انه قال: أتانا معاذ بن جبل، رضي الله عنه،
باليمن معلما وأميرا))[23] . فكانا يمارسان
الإقراء والقضاء والإفتاء، ويعلمان الناس معالم دينهم، ويسوس معاذ البلاد. وفي
الحرب أعطى حملة القرآن الرّايات، كما يدل على ذلك خبر زيد بن ثابت الآتي.
ولم يقبل الرسول ممن نصبهم أن تتوقف
قدراتهم الفكرية عند حد معين، بل طالبهم بالاستمرار في التنافس لمزيد من التفوّق،
وابتغاء التكامل. ولتحقيق ذلك، قام بالمقارنة بين ترجمتهم للكتاب ونسبة حفظهم
لنصه، وإجراء التعديلات في المناصب على ضوء ما يكشف عنه الاستطلاع والاستقصاء.
ونموذج لذلك ما يطالعنا به الخبر: ((كانت راية بني مالك بن النجار يوم تبوك مع
عمارة بن حزم، فأخذها رسول الله ودفعها إلى زيد بن ثابت، فقال عمارة: يا رسول الله
بلغك عني شيء؟! قال: لا! ولكن القرآن مقدّم، وزيد أكثر أخذا للقرآن منك))[24] ، وفي خبر أخر:
((بعث رسول الله (ص) بعثا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من
القرآن فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: ما معك يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا
وسورة البقرة، فقال: أ معك سورة البقرة؟ قال: نعم! قال: اذهب فأنت أميرهم!))[25]()، فالرسول يلاحق ويرصد تقدّم أفراد
الأمة في فقههم لخطاب الكتاب، الذي منه حفظ الكتاب انطلاقا من قوله: (بل هو آيات
بينات في صدور الذين أوتوا العلم)49/29، ليجعل القاعدة: ((القرآن مقدم)) هي
الحاكمة والنافذة، فكلما تقدم المؤمن في فقهه بالكتاب على الآخرين، استحق أن
يُقدّم عليهم، وان يكون أمير البعوث وان كان حدث السن. وتجلى ذلك التقديم، أيضا،
في العطاء، إذ أصدر الرسول قراره إلى خازن بيت المال، بأن يعطي حامل كتاب الله في
كل سنة مائتي دينار، وهو عطاء جزيل في حينه، يتناسب مع ما يشغله الحملة من مراكز
قيادية في تركيبة الأمة.
ولم يقتصر التكريم والتقديم، لحملة
القرآن وفقهاء تأويله على الحياة، بل طال مقاماتهم عند الممات كذلك. حيث أمر
الرسول في عملية دفن شهداء المعارك، أن تراعى قاعدة القرآن مقدّم. فيقدّم قبر
الأكثر أخذا للقرآن على من دونه من الشهداء، ليكرم الأفقه ويحفظ مقامه حتى بعد
موته، فمثلا في غزوة احد عند دفن الشهداء أصدر الرسول(ص) توجيهه:((... انظروا
أكثرهم جمعا للقرآن فاجعلوه امام صاحبه في القبر))[26](. وهكذا اطردت قاعدة التقديم، لتحكم
مسار المرء المسلم في كل المواقع حتى شملت تحديدها موقع القبر، وبهذه القاعدة شحذ
الرسول عزائم أبناء الأمة، فشمر أبناؤها عن سواعدهم ليتسابقوا ويتنافسوا في مضمار
إقامة الكتاب، ولينعكس ذلك في حث خطى الأمة سريعا نحو صبغ كيانها بصبغة القرآن،
وتحقيق التحول السريع والتاريخي من الجاهلية إلى الإسلام، ومن الضلال إلى الهدى،
ومن الإفساد في الأرض إلى الإصلاح فيها، والتقدم في الاتجاهات الأربع من الأرض،
لمتابعة عملية الفتح بنشر رسالة العقلانية في كل رقعة تطأها سنابك الجهاد.
كان هذا توصيف لبدء الثورة
التعليمية، في واقع إنسان جزيرة العرب، عند بدء استقرار الدعوة في معقلها، الذي
تحول إلى قاعدة تنطلق منها الثورة الشاملة إلى بقية بقاع الأرض ..، لقد اهتمت
الدعوة بترسيخ نفسها فكريا وعقائديا، فانطلقت من نشر المعرفة بتأويل القرآن. وحثت
كل أتباعها للالتحاق بالمشروع التعليمي، الذي أقامته تحت سقف المسجد، ومن ثم وسّعت
أفقه ليشمل كل دار واقعة في الجغرافيا، التي ينتشر عليها الإسلام. فكان واقع الفقه
القائم في كل بيت وساحة ومسجد، يحيل رقعة البلاد الإسلامية إلى ما يشبه خليّة
النّحل، للضجيج الصادر عن حناجر متعلمي قراءة القرآن على وجوه شتى، والمنبعث من كل
خلية اجتماعية. هذا الواقع التاريخي للعقلانية ظل مجهولا، رغم أنباء تلك الضجّة،
التي تناقلتها الكتب المتراكمة بين أيدينا.