كان واقع الرسالة في نهاية حياة
الرسول، ينذر بحدوث انعطافه في مسيرة الإسلام، ترجعه القهقرى. فقوى النفاق تضخمت
بشكل رهيب، وكانت تحيك المؤامرات والدسائس في الخفاء. ومشروعها لن يقتصر على
التغيير السياسي بالاستيلاء على السلطة، بعد أن عرفنا مشروعها في التغيير الفكري،
الهادف إلى إفراغ الإسلام من محتواه، وبلبلة الفكر المسلم، وإنهاء حالة النهوض
الفكري المؤسسة على القرآن المؤول، ويمكن أن نرصد قوتهم وخطرها الداهم على الرسالة
في كثير من المؤشرات والأحداث، التي وقعت في تلك الحقبة من التاريخ.
فالخطاب القرآني استفاض في حديثه عن المنافقين، فموضوع النفاق استغرق من
الخطاب القرآني ما يربو على النصف، فلم يكن منحصرا في سورة المنافقين، وبعض الآيات
المبعثرة، باعتبار موضوع النفاق يتداخل مع الشرك والكفر، ليتم له حضوره المهيمن
على الكثير من سور القرآن، التي لم تخلُ من موضوع التدافع بين الكفر والإيمان
كموضوع محوري، يشكل النفاق وجه من وجوهه، وشكلا من أشكاله. هذا الاهتمام الذي
أبداه الخطاب القرآني بموضوع المنافقين، لا يمكن ان يكون الا بحجم الواقع القائم،
الذي يمثله النفاق كمشكلة شديدة التهديد والخطورة على الإسلام. يتوقع ان تتطور،
لتؤدي في نهاية المطاف، الى إحداث تحولات كبرى في مستقبل الأمة، يفرغ الإسلام فيها
بتفريغ القرآن من مخزونة الفكري والعلمي، وهو ما أكد الرسول على حدوثه، وهو ما حدث
فعلا.
إلا أن من الظواهر الغريبة، التي تؤكد حدوث التحوّل في مسار الأمة بعد
الرسول، انطماس ذكر المنافقين فجأة، وكأنه واقع لا وجود له، وضرب من الطيف المزعج،
الذي ليس له في مرحلة اليقظة الا الذكرى العابرة. وأُعتبر الجميع صحابة أفاضل،
فالحديث المستمر عن ظاهرة النفاق شغلت حيزا مهما من خطاب الرسول، فتداولها كثيرا
في أحاديثه وتوجيهاته للأمة، كما يدل على ذلك الخطاب القرآني، الذي يستند اليه
الخطاب النبوي، ويشتق منه وجوده. مما يدلل على ان المنافقين هم الذين استولوا على
سدة الحكم، وطمسوا كل ما له علاقة بفضيحتهم، أو يعري حقيقتهم، أو ينال من
مصداقيتهم.
ومن الأحداث الملفتة في هذا السياق، التغير الذي طرأ على موقف الرسول
في غزوة تبوك، التي هي آخر غزواته، فالرسول قد دأب في كل غزواته التي تخرج
بقيادته، على دفع لواء الجيش الى علي بن أبي طالب الرجل الثاني في الدولة. الا ان
الاستثناء جاء عند الخروج الى تبوك، وهو الحدث الواقع في السنة التاسعة للهجرة، أي
قبل قرابة العام من رحيل الرسول، وهي الفترة، التي تنفذت فيها قوى النفاق، لتصبح
قوة ضاربة في واقع الأمة. وتحسبا من مضاعفات اختلال ميزان القوى في الحرب الصامتة
بين النفاق والإسلام، وخوفا من تفجر الصراع الداخلي بتحوله من الأعماق الى السطح،
في صورة ضربة مفاجئة، تقدم على تسديدها قوى النفاق، التي لها السيادة في فترات
الأزمات والحروب، في وقت يخرج الرسول لمواجهة جيوش الإمبراطورية الرومانية
العاتية، وهو الصدام الذي قد يضعضع الجيش الإسلامي، إذا لم يكسره. لذلك خلّف عليّا
وراءه خليفة على المدينة، لحزمه وشدة بأسه، بعد ان كان في غزواته الأولى يخلّف
أمثال الضرير عبدالله بن مكتوم. وهو ما حدث لأول مرة في تاريخ حروب الرسول حيث
شاركه علي فيها جنبا الى جنب. وهذه السابقة تشير الى خطورة الموقف وحراجة الوضع
على الصعيد الداخلي الذي لا يقل حراجة عن الوضع الخارجي.
وحقا حدث ما في الحسبان، مما شغل بال الرسول، لقد راهن المنافقون على
انهيار الجيش المسلم في صدامه مع طوفان جيش الإمبراطورية الرومانية، مما يفضي الى
سحقه عن بكرة أبيه ومقتل الرسول: (بل
ظننتم ان لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن
السوء وكنتم قوما بورا)12/48. ولما حدثت مفاجأة الصلح بين الروم والمسلمين، حاول المنافقون
المرافقون للرسول، إنقاذ موقف المنافقين في المدينة، الموكلة إليهم تصفية خليفة
الرسول الإمام علي، فسعوا لتدبير محاولة اغتيال للرسول في طريق عودته الى المدينة،
وذلك بسبقه الى الطريق الجبلي، ونصب كمين له، تسقط فيه حجارة الجبل عليه، فيتردى
الى السفح ميتا، فنزل جبرائيل ليكشف المؤامرة وينقذ الموقف.
في الوقت ذاته الذي أنيطت مهمة اغتيال الرجل الثاني بالمنافقين
المتخلفين في المدينة، أنيطت بهم أيضا مهمة إقامة مسجد، قبالة المسجد الذي بناه
الرسول. ولما كان المسجد بمثابة دار الحكومة، الذي تدار منه شؤون الدولة الإسلامية،
عكس بناء المنافقين للمسجد قيام سلطة بديلة عن السلطة التي مثلها مسجد قبا، وهو
نذير تحوّل في مسيرة الأمة، يمكن تحديد تقاطيع وجه ذلك التحول، بالالتفات الى
اعتماد المنافقين في انقلابهم صيغة المسجد، مما يدلل على ان الانقلاب أريد له
التنكر بمسوح الإسلام، فلا يعود الى إحياء واقع الجاهلية، بصورتها القديمة
السافرة، بل يتخفى وراء شعارات الإسلام، ليستثمر بذلك إنجازات الرسول، ويقوم
بتوسعة تلك التركة التي بناها بدماء شهداء الرسالة. من جهة أخرى، يستهدف الانقلاب
ضرب الإسلام بالإسلام، ودور المسجد بمسجد آخر، في حرب تصفيه شاملة يسحق فيها
الإسلام وأهله، باسم الإسلام وشعاراته. لهذا انزل الله سبحانه في مسجدهم آيات
غاضبة، تكشف عن الغايات التي بني من أجلها، فهو محاولة انقلاب فاشلة، وأطلق عليه
تسمية ضرار: (الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وارصادا لمن حارب
الله ورسوله من قبل وليحلفن ان نريد الا الحسنى والله يشهد أنهم لكاذبون)106/9،
وكما نُسف العجل، الذي اتخذ إلها في غيبة موسى، أمر الرسول بنسف مسجد ضرار، الذي
بني على غفلة منه. ولكن يبقى السؤال قائما: أين تلك القوة الانقلابية التي لم يتخذ
الرسول ضدها، أي إجراء غير الحيلولة فيما بينها وبين ما تشتهيه، فلم يقاتلها، ولم
يفضح أسماء قادتها؟ فهل تلاشوا كتلاشي الطيف المزعج، حتى لم نعد نسمع لهم ذكرا، في
تاريخ ما بعد الرسول؟!!
والجواب على التساؤل الآنف، نجده في توجه الأمر الإلهي الى الرسول في
موقعين من القرآن، بقتال المنافقين والكفار جنبا الى جنب، فقال تعالى: (يا أيها
النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) 73/9. فهذا النص يخوّل الرسول قتال
المنافقين. الا ان الرسول أجل أمر القتال، الى مرحلة لاحقة لظرف الرسالة الدقيق.
فربما لو قاتلهم، لقُتل والثلة المؤمنة القليلة العدد، ولقضي على الإسلام بالجهر
في مخالفته وبإظهار الكفر*،
لهذا كان تسلم قوى النفاق للسلطة بصورة سلمية، سيحفظ للإسلام وجوده، لان استيلاءهم
سيكون بالتوسل بالشبهات، وعدم مجاهرتهم بالكفر، وهو أهون الشرين. فكان تأجيله
للقتال، يفرض رحيله، ثم استيلاءهم على السلطة، ليسترد السلطة بالقوة أخوه ووزيره
وخليفته في مرحلة لاحقة. فتنبأ ان وصيّه سيخوضها ضد القوة المستضعفة له، وورد ذلك
في قوله: «يا علي! ستقاتل بعدي على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله»[146] . فهذه المقولة تنسجم مع الأمر
الوارد في النص القرآني، وفيها يظهر الرسول مخططا لإنزال الأمر الى حيّز التطبيق،
وإسناد التنفيذ لوصيّه. وحروب علي، تعتبرها هذه المقولة، متابعة لحروب الرسول.
ويدل على ذلك، ان الذين حاربهم الرسول في العلن، وانهزموا وتحولوا الى النفاق، هذه
القوة الكافرة ذاتها، تمت المواجهة مع امتداداتها
في مرحلة ما بعد الرسول.
ففي حرب صفين، وقف عمار يرشد من جاءه مسترشدا، فقال له: «هل تعرف صاحب
الراية السوداء المقابلة لي؟ فإنها راية عمرو بن العاص! قاتلتها مع رسول الله ثلاث
مرات! وهذه الراية ما هي بخيرهن ولا ابرّهن بل هي اشرهن وأفجرهن! أشهدت بدرا وأحد
وحنين، أو شهدها لك أب يخبرك عنها؟ قال: لا. قال: فان مراكزنا على مراكز رايات
رسول الله (ص) يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وان هؤلاء على مراكز رايات المشركين من
الأحزاب»[147]. هذا الحوار يكشف عن وعي معمق
بالوضع القائم، وإلمام كبير بالرؤية الرسالية في الأحداث الجارية، يبين ان أمر
الرسول بالقتال، يتحمل مسئوليته ولي الأمر من أهل بيته، وكان من المقرر تنفيذ هذا
الأمر بعد الرحيل، حيث ذرّت الفتنة بقرنيها، الا ان خذلان الناصر للوصي، أدى الى
تأجيل القتال، حتى تهيأت الظروف، فكانت حروب التأويل.
فيبين الوضع الذي انتهت إليه معطيات الساحة قبل رحيل، ان حجم الخطر،
الذي شكلته قوى النفاق، قد تضخم الى درجة بدأ الرسول معها، يحسب ألا يستفزها في
إبلاغه الرسالة. ويمكن ان نتلمس توصيف معالم هذا الوضع في القرآن، كما في مقولات
الرسول وخطبه في الحقبة الأخيرة من حياته، ففي السنة الأخيرة، حج الرسول حجته
الأخيرة، التي سميت بحجة الوداع، وحج معه من المسلمين مائة وعشرون ألفا. وعندما
قفل راجعا بعد أداء المناسك، استوقفه الوحي في غدير خم. وابلغه قوله تعالى: (يا
أيها الرسول بلغ ما انزل إليك في [علي] فان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك
من الناس)67/5. فالآية تنطوي على السؤال: من يا ترى هؤلاء الناس الذين ضمن الله لنبيه العصمة منهم غير
المنافقين؟! كما نفهم ذلك من آيات قرآنية أخرى، سمي فيها المنافقين بالناس: (إن
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)173/3. واستجابة للأمر النازل
المتوقع ان يثير حفيظة قوى النفاق، فيتظاهرون ضد الرسول، وقد يلحقه منهم أذى،
استوقف الرسول أفواج الحجيج، وحشرهم في قيظ الصيف والصحراء، الملتهبة أرضها،
والمشتعل فضاؤها. وأمر بدعوة المتقدمين منهم، ثم خطب فيهم خطبة طويلة ذكر فيها
عليا بالاسم قرابة الأربعين مرة. كما كرر الإشارة الى التأويل كمنهج للكتاب في
اكثر من موقع. ورغم أهمية الخطاب الا إننا نكتفي منه بالاستشهاد، الذي يشير الى
اتساع حجم قوة النفاق، كما لمسناها في الآية الآنفة، يقول (ص):
«أيها الناس! لعلمي بقلة المتقين وكثرة المنافقين، وإدغال الآثمين، وختل المستهزئين بالإسلام، الذين وصفهم الله في كتابه، بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، وكثرة أذاهم لي، حتى سموني أذنا وزعموا: اني كذلك، لكثرة ملازمته (أي علي) إياي، وإقبالي عليه حتى أنزل الله عز وجل في ذلك قرآنا: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)61/9، قل: أذن على الذين يزعمون انه أذن خير لكم ولو شئت ان أسمي بأسمائهم لسميت، وان أومي إليهم بأعيانهم لأومأت، وان أدل عليهم لدللت، ولكني والله في أمورهم تكرمت وكل ذلك لا يرض الله مني، الا ان أبلغ ما أنزل الي (يا أيها الرسول بلغ ما انزل عليك في علي وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس). فاعلموا، معاشر الناس، ان الله قد نصبه لكم وليّا وإماما»[148] .
فرغم مشارفة عمر الرسول على الانقضاء فان الحديث مازال يدور حول قوة
الكفر المستتر، التي بلغت من القوة والمنعة ما أظهرت معها الاستهزاء بالإسلام،
والتطاول على الرسول والأذى له. وتصريح الرسول بكثرة المنافقين في قبال قلة
المتقين، توضح قوله في الآية الآنفة (والله يعصمك من الناس)، فالعصمة إنما تأتي من
الأمر المخوف، كما اعتصم ابن نوح من الطوفان بالجبل: (سآوي الى جبل يعصمني من
الماء)43/11، فكان الأمر المخوف يتجلى في طوفان المنافقين، وتفاقم خطرهم، وتجرؤهم.
والخلاصة، ان هذه الرؤية تنذر بانقلاب وشيك في واقع الأمة، يحدث بمجرد
ان يغمض الموت المفتعل لرسول الله أجفانه، وان طوفان الناس، الذي عصم الله منه
الرسول، لم يعصم منه عليا، الذي خلّفه على الأمة وصيّا وإماما. فطوفان النفاق قادم،
يلقي بعلي في أقصى الأمة، ليعيش مهمّشا،
بعد ان كان قطب الأمة، والصانع لأحداثها!!