شكلت حركة النفاق، بما انطوت عليه
من عناصر تعويق، اتجاها مناقضا لحركة الإسلام الصاعدة على أنقاض كياناتها القبلية،
فتوسلت بأساليبها الماكرة لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه من انتصار في العلن. ووظفت
مختلف الوسائل في مقاومتها للإسلام الصاعد. وأخطر الوسائل التي وظفتها في حربها
الفكرية، تمثلت في إشاعة الرأي الذي اردته بديلا عن التأويل. ويمكن تبيين
المضاعفات التي قاد إليها الرأي في مستقبل الأمة، بمعرفة ان القرآن المؤول يقع من
الأمة في موقع الأساس مما جعل تضييع صفة المؤوّل، التي يتصف بها القرآن، يعرّض
الكتاب كبنية تحتية للزوال، وينعكس على البنية الفوقية، حيث تتعرض للانهيار. بدليل ان القرآن حين وصف بأنه لم يبق منه إلا الرسم والأطلال، كانت الأمة تتصف بانها
أنقاض تتمثل في شيع وأحزاب، تبكي دما دافقا، نتيجة تسلط بعضها على بعض.
إن فقد الأمة للمفاتيح المنهجية
لخزائن الكتاب، سيجعلها تعاني من فقر مدقع، وإفلاس فكري مريع، سيدعوها إلى الوقوف
على أبواب الكيانات الحضارية الأخرى، تطلب الفكر والمعرفة، بعد ان امتلكت المجد من
برديه، واختزنت الثروات الفكرية كلها في خزائن كتابها. وهو ما حذر من وقوعه رجال
الرسالة، وهو الذي حدث فعلا، كما يقول الرسول (ص): «لن يبق من الإسلام إلا اسمه
ومن القرآن إلا رسمه»[133] . وكما يصف علي(ع)
القرآن في الزمن المقبل: «فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطّه وزبره»[134] . ان مشروع نزع
الدعائم المسلحة من قواعد صرح الأمة، هو مشروع المنافقين، الذي وضعوا مخططه على
عهد الرسول، وأخذوا يتوارثون العمل فيه على امتداد أجيال، انطلقت من عهد الرسول
واستمرت بعده، يعملون فيه على طريقة: (كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا اظلم عليهم
قاموا)20/2.
يمكن تصور استهداف القرآن المؤول،
بطريقتين؛ الأولى: بان يذهب أصل الخطاب بصورة كلّية أو جزئية ويحل محلّه خطاب آخر،
إلا أن هذا التصور غير وارد لوعد الله بحفظ الكتاب: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
لحافظون)9/15، والثانية: بان يغيب علم تأويله، فالله وعد بحفظ الكتاب، إلا انه لم
يعد بحفظ التأويل كمنهج يفهم به الكتاب، فهو أمر متعلق بإرادة الأمة، وعليها ان
تختار لنفسها.
أدى اختراق الرأي لدائرة الفقه،
وحلوله بديلا عن التأويل، إلى تحديد مادة القرآن في بعض خطابه. وفي ذلك إلغاء صفة
اللاتناهي عنه، وهو موقف ينطوي على الكفر ببعض الكتاب. كما قال تعالى: (أفتؤمنون
ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا
خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة
يردون إلى أشد العذاب)85/2، فالآية تصف أصحاب ذلك الموقف التجزيئي بأنهم مؤمنون،
وفي الوقت ذاته كافرون، ثم تعلن عن رفض هذا النوع من الإيمان التبعيضي، حين تكشف
عن جزاء المبعضين المتمثل في الخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة. وعن
انطواء الموقف التبعيضي على الكفر بكامل القرآن، لذلك قال ابن مسعود: «فانه من جحد
بآية جحد به كلّه»[135] . استنادا لهذه
الآية. والهدف من اللجوء إلى الموقف التبعيضي إحلال الرأي الشخصي بديلا. لأنّ
النظرة التكاملية للقرآن تفرض التأويل منهجا، به يفسر القرآن بعضه بعضا. بينما
بالنظرة التجزيئية التبعيضية، يحذف البعض الذي يفترض ان يحوي الإجابة على
التساؤلات، التي تنشأ عن البعض الآخر. وفي ذلك إنهاء لناطقية الكتاب وتعطيل لشريعة
الإسلام. وبتعطيل الشريعة يحل الرأي الشخصي
محلها، وهو ما يفرض تعدد الشرائع، بعدد مفسري الرأي. فإذا ما استقطب كل
منهم جزءا من الأمة، لتتعبد بشريعته المتكونة من آرائه، تحولت الأمة من الوحدة إلى
الفرقة، ومزقت شر ممزق.
وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة من
النصوص، فالقرآن يؤكد ان التشريع بالرأي عملية تنطوي على الشرك، ففيها يتحول فقيه
الرأي إلى شريك لله في التشريع، وينشئ شريعة في قبال شريعة الله: (أم لهم شركاء
شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)21/42. فعلماء الرأي كأصحاب شرائع، يتحولون
إلى موقع الربوبية، وينازعون الله فيها، ويتحول أتباعهم إلى عبادتهم من دون الله:
(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)31/9، والتي فسرت تراثيا بالقول:
«أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولودعوهم ما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراما
وحرّموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون»[136] ، وبهذا تفترق
الأمة إلى فرق، كما تنبأ الرسول: «افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة ولن
تذهب الليالي والأيام حتى تفترق أمتي على مثلها وكل فرقة منها في النار إلا واحدة
وهي الجماعة»[137] . وحدد الجماعة في
مقولة أخرى بالقول: «جماعة أمتي أهل الحق وان قلوا»[138] . وهذا الافتراق
غير قابل لأن يحسم بعرضه على القرآن، باعتبار القرآن قد ألغيت خصائصه. فهو لذلك
غير قادر على الفصل في الاختلافات، كما وصف في الكتاب. كما انه غير قادر على إبداء
حكمه في المنازعات، التي تعرض عليه، لتعذر العرض بعد تعذر ناطقيته. بهذا يتبين خطر
الرأي، وماذا يعني تجاوز التأويل إلى الرأي؟! ان هذا الخطر الذي تهدد الرسالة، كان
يراود الرسول فتضطرب له نفسه، ويطرق خلده فيقلقه على المصير، وقد التفت إليه في
خطاباته التي بثها، ورددتها حناجر الرواة والمحدثين، حيث يعكس فيها مخاوفه على
الأمة في مستقبلها، من جملتها أحاديث صدرها بمقدمة ثابتة: «إني أخوف ما أخاف عليكم
.. »[139] ، وهذه التوجسات
التي انتابت الرسول دعته للتحرك نحوها في اتجاهين:
الأول: نشر علم الكتاب، واستنفار
القرّاء ليشاركوه الإحساس بالخطر، فيندفعوا إلى نشر العلم بتأويل الكتاب في قطاعات
الأمة على اختلافها، بكل ما أوتوه من قوة. وبتحسيس الأمة بخطورة المستقبل الداهم
بمفاجآته، التي من أخطرها قبض علم الكتاب. مما يحفزها على الاندفاع نحو العارفين
بالتأويل، لطلب العلم بالكتاب، منتهزين الفرصة التي توشك ان تتلاشى، بهذه الطريقة
أعلن الرسول ضمنا عن حالة طوارئ واستنفار. كما أوجد نوعا من الحذر والتوجس العملي
من المستقبل، الدافع إلى سلوك إيجابي في الحاضر. فكانت من جملة خطاباته التحريضية
المعبرة عن حالة الطوارئ هذه، قوله: «إني امرؤ مقبوض وسيقبض العلم وتظهر الفتن»[140]. «تعلموا الفرائض والقرآن وعلموه الناس فاني مقبوض به»[141] ، ولنا وقفه مع
هذه الأحاديث في فصول لاحقة.
الثاني: تهديد القوة المنافقة،
الساعية لإفراغ الإسلام من الداخل، بإحداث الاختلاف في كل عناوينه لتضيع حقيقته.
وبذلك تهدّد ضمنا المجموعة المؤمنة المتخاذلة أمام الأكثرية المنافقة، فأوضح ان
العذاب المتوعد به المنافق، العامل في القرآن بالرأي، إذا ما تمكن من إفشاء الرأي
في الأمة سيشمل الأمة كافة نتيجة الاختلاف في تأويل الكتاب، وبالتالي ستتبوأ الأمة
مقعدا من نار، فتشتعل الرقعة الجغرافية، التي تعيش عليها بالفتن، بظهور الاختلاف،
الذي سيتطور إلى الاقتتال مع انبثاق المذاهب. ثم يترجم في الدائرة السياسية بتمزق
خريطة الأمة إلى دويلات، ثم هجمات الغزاة الطامعين في استلاب الأمة، التي
سيسومونها سوء العذاب. ان العذاب الأخروي في إطار المعرفة التأويلية، إنما يعكس العذاب
الدنيوي. إذ ما الآخرة ومكوّناتها إلا تمثّل للدنيا وترجمة لمعطياتها، «الدنيا
مزرعة الآخرة»، وان العذاب المتوعّد به غير متصور تحققه في إطار خاص بالمنافقين،
وإنما في إطار يستغرق الأمة كلها في فتنة لا تقتصر على الظالم خاصة، ومن جملة ما
قاله الرسول في هذا الصدد: «من قال بالقرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار»[142] ، «من قال في
القرآن بغير ما علم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار»[143] ، «من تكلم في
القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»[144] ، «الرأي في
القرآن كفر»[145] .
لا تنطلق هذه الأحاديث، في تناولها
لعملية الاستنباط الخارجة على التأويل، لا تنطلق من فراغ، وإنما من مشكلة يشير
إليها الرسول، ويتورط فيها خط النفاق، الذي مثل العنصر السلبي في تجربة الأمة.
وتكفير الرسول المتعاطي بالرأي فيه إشارة للمنافقين. إذ المؤمن تحجزه تقواه. ووصم
المنافق بالكفر تعريف له بحقيقته الباطنية. ولم يعط الرسول للفتوى الناتجة عن
الرأي أي قيمة تذكر، بل اعتبرها خطأ. لأنها نتاج عملية عقلية لا تلتزم بالمنطق
الفكري السليم، وانما تعبر عن شطط المنطق، الذي عُرف في التراث الإسلامي بالرأي.
لذلك فالرؤية أو الفتوى خاطئة وان أدركت عين الحقيقة، وفي ذلك يقول: «من تكلم في
القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». ان الغاية من الهجوم على الرأي هي حماية التأويل،
المنهجية المنطقية الصائبة في فهم الكتاب. فالرأي هو الشطط الذي يُعدَل إليه عند
التحوّل عن التأويل، الذي يمثل الصواب. ولذلك قال الرسول في صيغة مقارنة: «من أفتى
الناس بالمقاييس فقد هلك واهلك، ومن أفتى الناس وهو لا يعرف الناسخ من المنسوخ
والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك»، فهذه المقولة توضح ان غياب المعرفة بالتأويل،
يلقي العملية في دائرة مقاييس الرأي، فمن لا يملك المنطق السليم لابد انه يملك
المنطق الخاطئ، ومن لا يسلك الصراط المستقيم، لابد ان يتبع سبل الضلال.
والخلاصة، ان التهديد والوعيد، الذي
انطوت عليه مقولات الرسول، المتوجه بها إلى الأمة كافة بأخيارها وأشرارها، تبين
مدى خطورة الرأي في أبعاده وامتداداته المستقبلية، نتيجة ما يتركه من تأثير على
الكتاب باختفاء خصائصه، فلا تعد له وجوه تتزايل إلى ظهور وبطون، وافتقاده بذلك
عمقه غير النافد، فيحتار الفكر بين فكرة محدودية الخطاب، وفكرة اللاتناهي لعلمه.
ثم ما تؤدي اليه عملية الاستنباط القائمة على التعاطي مع ظاهر الخطاب المبتسر من
التضارب بين النتائج المستنبطة، وما يترتب على ذلك من تهافت أفكار الكتاب، وضياع
معانيه وبصائره، واشتداد محدودية عطائه مع تقدم الزمن، مما يؤسس للقول بانتهاء
صلاحيته. وتحول التشريع كحق للكتاب الناطق إلى حق لفقيه الرأي، الذي أقام نفسه
مقام الكتاب متبرعا بالنطق عنه، فانتقلت العبودية في التشريع من الله إلى البشر،
فاتخذت الأمة بعضها بعضا أربابا من دون الله. ونتيجة اختلاف آراء الفقهاء
المستنبطة من ظاهر الكتاب، قاد ذلك إلى افتراق الأمة بعدد الفقهاء والمرجعيات
فيها.