تحرك المنافقون في
حربهم على الرسالة في الإطار الفكري، على محور آخر، معزز ومتابع لحركتهم على
المحور الأول، المناهض للقرآن. استهدفوا من خلاله السنة النبوية، باعتبارها التراث
الفكري المبين للكتاب، والمفصل لمحتواه. ولأن في هذا التفصيل استفاضة في التناول
لموضوع الخلافة في مستقبلها، وفيه تشخيص لأولي الأمر في مؤهلاتهم وبأسمائهم*. لذلك أصبحت السنة، تشكل
خطرا على النفاق ومؤامراته، الساعية لإحداث انقلاب. ولهذا كان المخطط الذي حيكت
خيوطه للنيل من القرآن، يطّرد ليشمل السنة. فبموازاة محاولة التشكيك في القرآن،
وإسقاط القدسية عنه، بنفي ربانية مصدره. في الوقت ذاته، كانت تجري محاولات للتشكيك
في منطق الرسول. فعن عبدالله بن عمرو، قال: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله
(ص) أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله (ص)، ورسول
الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله (ص)،
فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: أكتب! فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق»[120] ، وعن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله! اكتب كل ما أسمع منك؟، قال: نعم،
قلت: في الرضا والسخط؟، قال: نعم، فانه لا ينبغي لي ان أقول في ذلك إلا حقا»[121] .
كان هذا التحرك
يستهدف رواة الحديث، والجهة التي تقف وراءه، يحددها الخبر في قريش، التي تمثل قوى
النفاق، يعزز ذلك ان وصف الرسول بالبشرية ينطوي على تحديث لتهمة قديمة بقدم
الرسالات: (وما منع الناس ان يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا ان قالوا أبعث الله بشرا
رسولا)94/17، فكان الوصف بالبشرية إشارة إلى الكفر بالرسالة: (فقال الملأ الذين
كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد ان يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل
ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين)24/23. فالتحرك بهذه الحجة في أوساط
الرواة، ليس لمنع التدوين للأحاديث فحسب، وإنما لإسقاط الاعتبار عن منطق الرسول،
فهو بشر يخضع للضغوط والانفعالات، التي تخرج الإنسان من الحق إلى الباطل. وتصدى
الرسول لمسعاهم في هذا الاتجاه، بإظهار سلامة منطقه من الهوى، فمنطقه لا يعدو
القرآن، ذلك الوحي الموحى: (ما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى)4/53، ويعزز
سلامة المنطق الرسالي من الهوى، والتزامه بالحق أبدا، قوله: (إني رسول من رب العالمين
حقيق علي ان لا أقول على الله إلا الحق)105/7، بهذا البيان نسف الرسول محاولة
التشكيك، الهادفة للنيل من منطقه، والمساس بالتراث النبوي، الذي سيخلّفه للأمة، كي
تهتدي به.
من جهة ثانية، لما
كانت العملية الفقهية القائمة على إمكانية تحريك مكونات الخطاب القرآني، تخوّل
الفقهاء التحديث المباشر عن القرآن: «حدثوا عني ولا حرج»، فان المنافقين وظفوا هذه
الإمكانية في عملية واسعة النطاق، لوضع الأحاديث. عزز ذلك قول الرسول: «إني أحدثكم
بالحديث فليحدث الحاضر الغائب»، فروّجوا الموضوعات على ألسنة الرواة، الذين لاقدرة
لهم في الفقه، الموصوفين في قول الرسول: «رب حامل فقه غير فقيه»[122] . ان حركة إفشاء
الموضوعات من الأحاديث بصورة مغرقة، هو ما يشير اليه الرسول في خطابه إلى الأمة:
«يا أيها الناس!، قد كثرت الكذابة عليّ [وستكثر]*، فمن كذب عليّ متعمدا،
فليتبوأ مقعده من النار»[123] ، «إنه سيكذب عليّ
كما كذب على من كان قبلي»[124] . ان الغاية
المتوخاة في الأفق الأقرب من هذا المخطط الطعن على الرسول، وإظهار تهافت منطقه
المتناقض. وإذا لم يؤد ذلك إلى التكذيب بالرسالة والتحاق المكذبين بصفوف
المنافقين، فانه سوف يؤدي إلى التشكيك بالرسالة وبالرسول، لإيجاد طبقة المرتابين
من دون طبقة المكذبين، ولكنها قريبة منها، ممن أطلق عليهم القرآن بالذين في قلوبهم
مرض وميزهم عن المنافقين: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله
ورسوله إلا غرورا)12/33، ومرضى القلوب المرتابون هم الذين يتقلبون بين الكفر والإيمان،
ويخرج الارتياب بالكثير منهم إلى النفاق والكفر الباطني، وفي ذلك يقول تعالى: (إن
الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا)137/4، ويرجوا المنافقون
في الأفق الأبعد لهذا المخطط إظهار التراث النبوي بمظهر التراث، الذي لا يمكن
الاعتماد عليه، نتيجة تناقضه واختلافه، فالأجدر التخلي عنه والاكتفاء بالقرآن،
الذي سيكون علم تأويله، المتهم بإنتاج الاختلاف، قد ألغي.
تصدى الرسول لمخطط الوضع، الذي
استهدف تعكير صفو التراث الرسالي، وكان تصديه من الذكاء، بحيث استطاع ان يقلب
السّحر على الساحر، ويجعل الرواة الذين لا فقه لهم، والذين سُخِروا في خدمة الوضع،
يسهمون في فضيحة قوى النفاق، والعناصر النشطة منها والمتورطة في عملية الوضع.
فكانت أولى الإجراءات التي اتخذها (ص) جعل القرآن مرجعا للأحاديث التي تصدر عنه،
باعتبار منطقه لا يتجاوز القرآن، وكل أحاديثه ما هي إلا اشتقاقات قرآنية، وفي ذلك
يقول: «إنه سيكذب عليّ كما كذب على من كان قبلي فما جاءكم عني من حديث وافق كتاب
الله فهو حديثي، وأما ما خالف كتاب الله فليس من حديثي»[125] ، «ما أتاكم عني
من حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فخذوا به وإن لم يوافقه فردوه». ولكن هذا
المعيار ليس في مقدور كل الرواة تطبيقه، بعرض كل الأحاديث، ما لم تكن لديهم الخبرة
والقدرة النافذة على تأويل القرآن، ولذلك كان تطبيق هذا المعيار المرشِّح، مقصورا
على الفقهاء المتمكنين دون سواهم. إلا أنه على المدى البعيد يبقى هو المعيار-
الضمانة في تنقية وترشيح السنة من الوضع، وصيانة التراث النبوي عن الكذب.
وفي خطوة استدراكية لاحقة، توجّه
الرسول إلى الأمة بالقول: ((ان هذا العلم دين فلينظر أحدكم ممن يأخذ دينه))[126] ، وأجلى مكنون
عبارته بالقول: «لا تأخذوا إلا عمن تجيزون شهادته»[127] . فالعلم المستخلص
من مكنون الكتاب تأويلا، والمتلو كقرآن، أو المصاغ في عبارة حديث نبوي، إنما هو
الدين الذي لا ينبغي أخذه إلا من مصدر موثوق من إيمانه، لا يفتري على الله الكذب،
وهذا ما أكده بمقولة أخرى أشار فيها إلى ان الحديث لا ينبغي أخذه إلا ممن تجاز
شهادته. ولكي نتعرف على مداول هذا الوصف يمكن مراجعة القرآن، فنجده يحدد من لا
تقبل شهادته في الفاسقين، فقال: (لا تقبلوا منهم شهادة أبدا وأولئك هم
الفاسقون)4/24، وإذا ما تساءلنا: من هم الفاسقون؟ فإن القرآن يجيب بالقول: (إن
المنافقين هم الفاسقون)67/9، فأتضح ان الحديث يشير بهذا الوصف إلى المنافقين
بالدرجة الأولى، قبل الإشارة إلى فئة الفاسقين في مدلولها العام، والتي تصدق على
أولئك الذين لا يتورعون عن اختراق حدود الله.
فكان لهذا الإجراء
قيمته في مكافحة الوضع، ولكن هذا التوجيه لا يمكن ان يكون فاعلا، وشخصية المنافق
يلتبس فيها الحق بالباطل، وبذلك لا يتمكّن الناس البسطاء من تحديد الشخصية
المنافقة مع التباسها وخداعها، واستتارها وراء جنة الأيمان والإيمان الشكلي. ولهذا
فعَّل الرسول توجيهه بالتوصية، قائلا: «إذا كتبتم حديث فاكتبوه بإسناده، فإن يك
حقا كنتم شركاء في الأجر، وإن يك باطلا كان وزره عليه»[128] ، وأكد هذه التوصية
علي خليل الرسول: «إذا حدثتم بحديث، فأسندوه إلى الذي حدثكم، فإن كان حقا فلكم،
وإن كان كذبا فعليه»[129] ، فهذا التوجيه معني به الرواة غير الفقهاء بالدرجة
الأولى، بدلالة أنهم غير قادرين على تشخيص الحديث الذي يروونه، هل هو حق متطابق مع
الكتاب، أو هو باطل يتنافر مع القرآن. مما يعني ان الرواة الفقهاء قادرون على
إسناد الحديث إلى الرسول مباشرة دون واسطة. ويعزز هذا المدلول ان الحديث الموضوع،
لا يتسنى روايته وترويجه، لما في ذلك من إعانة للمنافقين في مخططهم، المستهدف
تقويض الرسالة: «من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»[130] . والغاية التي
يهدف الرسول تحقيقها من وراء ذكر الراوي للإسناد، هو الكشف عن المنافقين الضالعين
في عملية الوضع والترويج للأحاديث المكذوبة، وتعرية أولئك الساعين إلى إبطال السنة
باختلاق التناقض، وفضح الهادفين إلى بلبلة فكر الأمة بالاختلاف. ولان المنافقين
أخشى ما يخشون هو انكشاف نفاقهم على الملأ: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة
تنبؤهم بما في قلوبهم)64/9. فإن هذا المخطط المضاد كان هو الرّادع، الكفيل بأن
يكفّ قريش عن التمادي، ويجعلها في الرواية للموضوعات على حذر، إلا إنها بالرغم من
ذلك أخذت تتحرك في هامش ضيق بالكذب في الأسانيد، أو من خلال ادعائها النسيان لها،
ورواية الحديث بإسناده لأكثر من طرف، او من خلال التجرؤ عليه مع تنامي عددها،
وانتشار نفوذها.
وتدعيما للوازع
الداخلي لدى الرواة والمحدثين عن سمع أو عن دراية، وتحذيرا من الانطلاق في التحديث
دون تثبت، ذكّـر الرسول الأمة بجرم التقوّل: «إن من أكبر الكبائر ان يقول الرجل
عليّ ما لم أقل»[131] . ثم ثنى بإيضاح
العقاب الأخروي المعد للكاذبين عليه، الناسبين له كل ما لا يتوافق مع الكتاب،
فقال: «من كذب عليّ متعمدا وقال عني ما لم اقل، فليتبوأ مقعدا من نار»[132] . وبهذا كان يكشف
جرم المنافقين، ويعظم ذنبهم في أعين الناس، ليدفع المخلصين إلى الحذر، والمزيد من
التقوى، للانطلاق في الاستنكار على الوضّاعين المستهينين بهذا العقاب. ويلاحظ هنا،
ان جزاء الكذب على الرسول جزاء الذي يفسر القرآن برأيه: «من قال في القرآن برأيه
فليتبوأ مقعدا من نار»، وهذا التطابق ناتج عن ان نسبة القول المفترى إلى الرسول
تعني نسبته إلى القرآن، باعتبار منطق الرسول لا يعدو القرآن. فإذا قيل ان الرسول
قاله، يعني انه ورد في الكتاب عن الله، فالسنة والقرآن هما وجهان لحقيقة واحدة،
والله ورسوله يلتقيان في موقف وكلمة واحدة، لذلك قال تعالى: (من يطع الرسول فقد
أطاع الله)80/4،(وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)17/8، بالإضافة إلى ان التقوّل في
القرآن عملية تجيير لقوالب الآيات، لتكون قالبا مناسبا لتلك المعاني المتقوّلة، أي
كما لو اخترع الواضع الألفاظ المشحونة بالدلالات المفتريات، ونسبها إلى الرسول،
فما الواضع للأحاديث والمفسر بالرأي، إلا وجهان لحقيقة واحدة.
هكذا لم ينفك
الرسول حتى لحظاته الأخيرة، يجاهد ظاهرة النفاق ومخططها الفكري المتنامي، تنامي
الورم السرطاني الخبيث في بنية الأمة، في معركة فكرية قاسية، عنيدة، ورهيبة، دارت
رحاها في الخفاء، وطفحت آثارها بين الفينة والأخرى على السطح كظاهرة مرضية، مما
يدعو الرسول إلى الحديث عنها، وتنبيه الأمة لخطرها المستفحل. إلى هنا نكون قد
رسمنا معالم مخطط النفاق، الذي استهدف الحركة الدينية الناشئة في جزيرة العرب،
والموحدة لكيانها الاجتماعي والسياسي تحت راية الإسلام. وهو المخطط الذي سوف نتابع
كشف أبعاده في الفصول القادمة من الكتاب.