المحور (1): استهداف القرآن

إن ترشيح الرسول لأهل بيته ليرثوا مقام الخلافة بعده، ما هو إلا امتثال للأمر الإلهي. الذي ينص عليه الكتاب المؤول؛ فالرسول صرح «أيها الناس! إن فضائل علي بن أبي طالب عند الله، عز وجل، وقد أنزلها في القرآن أكثر من أن أحصيها في مقام واحد، فمن أنبأكم بها وعرفها فصدقوه»[111]  ، إلا إن القرّاء والفقهاء من قريش وأحلافها تجنبوا أن يؤولوا القرآن في الاتجاه، الذي يبرز الوجه المتعلق في دلالته بأهل البيت، وبفضائلهم، وبأحقيتهم بوراثة مقام الرسول، بل حرصوا على إخفائها والتجهيل بها، ووقفوا من تلك القراءات موقف الكاره والمشمئز. ويعزى موقفهم ذلك في امتداداته إلى طمعهم في السلطة، فتحينوا الفرصة للكيد بالرسول أولا، وبأهل بيته بعد رحيله ثانيا.

فانطلقوا لإنجاز المهمة الأولى باستعجال رحيل الرسول بتدبيرهم أكثر من محاولة لاغتياله، حتى نجحوا في أخر المطاف من دس السم إليه، مما أودى بحياته، يشهد على ذلك القرآن المؤول*. ونموذجا لموقفهم من القراءات المتصلة بموضوع الخلافة وأهل البيت في القرآن، ما يروى عن القراءة المروية عن مصحف ابن مسعود، حيث قرأ: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين)[112]  ، وتسجل مقولة الرسول المتعلقة بهذه الآية اتجاه المنافقين، حيث قال: «ما بال أقوام إذا ذكروا آل إبراهيم وآل عمران استبشروا، وإذا ذكروا آل محمد اشمأزت قلوبهم، والذي نفس محمد بيده، لو ان أحدهم وافى بعمل سبعين نبيا يوم القيامة، ما قبل الله منه حتى يوافي بولايتي وولاية علي بن أبي طالب»[113]  . وكان هذا الموقف يتضمن البغض والحسد، ويبين أن بعض العرب لم يكن يؤمن أو يكفر بالرسالة إلا بصورة مصلحية، وبناء لموقف نفسي مرضي. لذلك وصفهم الله بالذين في قلوبهم مرض، وترتب على ذلك اعتبار الموقف النفسي من أهل البيت كخلفاء، ظاهرة اجتماعية، تكشف معالم المسار المعارض الموصوم بالنفاق، عبرت عنه مقولة ابن عباس: «كنا نتعرف على المنافقين ببغضهم علي بن أبي طالب*»[114]  ، وهو البغض، الذي ترجم في صورة ممارسة عنفية في مرحلة لاحقة، كما سنرى.

وبهذا، نجد كيف ارتبط القرآن المؤول بإمامة أهل البيت كورثة لمقام الرسول، مما جعل مخطط المؤامرة القرشية على أوصياء الرسول، والهادفة إلى عزلهم عن السلطة، والاستيلاء عليها مخططا لا يمكنه إخراج القرآن المؤول من حساباته، باعتباره مصدر تغذية لفكر الأمة، يغذيها بالولاء السياسي لخلفاء الرسول من أهل البيت، كما يمنح أهل البيت مرجعية الأمة الفكرية والروحية، وهو ما يشكل خطرا على استتباب المخطط القرشي، كما يهدد استمرار نجاح المخطط على المدى البعيد.

إلا إن اجتناب إظهار الوجوه، التي تتعرض لمسألة الخلافة، لم يكن هو الحل، الذي يخولهم السيطرة على الوضع، وتجنب انفلاته. فبقاء علم التأويل في متناول الأمة، تؤول الخطاب متى شاءت، قد يثير مسألة الخلافة، في أي وقت. فأصبح الذي يخولهم السيطرة على الخطر، الذي يمثله القرآن المؤول، هو استثمار قدرته على تموّج سطحه في إظهاره وإبطانه، فيدفنون الوجوه الدالة على مسألة الخلافة والإمامة المرتبطة بأهل البيت في بطن الكتاب، ويبقون للخطاب وجها ظاهرا خاليا من كل إدانة، أو دليل لهم أو عليهم. ثم يتخلصوا من التأويل كمفتاح للكتاب، ويفرضوا رقابتهم على قرّاء القرآن، حتى لا يتجاوزوا في قراءتهم القراءة، التي أنتجوها تأويلا. وبتجريدهم القرآن من صفة المؤول، إنما يجردون أهل البيت من الدليل المثبت لأحقيتهم. وبذلك يبقون حقيقة الخلافة محتبسة في سجن الباطن القرآني، بعد تضييع العلم المفتاحي الذي مثله التأويل، مما يجنب قريش التعرض للخطر الناشئ من حجية الخطاب، وهذا لا يمكنهم إنجازه إلا بالاستيلاء على الأداة السياسية ..

ولأن أهم مراحل هذه الخطة التخلص من التأويل، حيث بالإمكان القبول بأي قراءة غير ضارة، اذ كانت القراءات المقبولة كماً كبيرا، تتيح لهم الخيار بانتخاب ما يشاءون منها. أو يوكلون الأمر إلى قارئ من القرّاء، ليقوم بتصريف آيات الخطاب غير المقبولة إلى وجه مقبول. لذلك تم التمهيد لإسقاط الاعتبار عن التأويل على الأقل، وعن القرآن ان أمكن. وتم ذلك باعتماد مخطط فيه من المكر والدهاء، ما يكشف عن عقلية واسعة الحيلة. فكانت انطلاقتهم كما يكشف عنها قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنه وابتغاء تأويله)7/3. فالآية تبين أن القرآن يعتمد تأويله على اقتفاء اثر التماثل (التشابه) اللفظي للآيات، على تفصيل يذكر في حينه، إذ عبر هذه الوسيلة يتم استقراء الكتاب واستنطاقه. إلا ان العلاقة بين الآيات لا ينبغي لها اعتماد معيار التماثل فحسب، بل عليها ان تلحظ بين المتماثلات من الآيات صلة المتشابه بالمحكم. فإذا ما غاب هذا الاعتبار الأخير، فان القارئ بدل ان يقف أمام متماثلات ترتبط برابط الوحدة الموضوعية، سيقف أمام تراكم من الآيات المتماثلات متنافر الانسجام وفاقد الارتباط. الأمر الذي يظهر القرآن بمظهر المتناقض، الذي تتضارب آياته فيما بينها، وعلى ضوء قوله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، يتبين ان القرآن في ذلك الوضع المصطنع، قد أدان خطابه بنفسه، فهو كتاب إذا ما اختلف على نفسه سيثبت أنه كتاب مفترى من صنع البشر، فإذا ثبت الاختلاف بالكيفية المتقدمة، بطلت الحجة وسقطت الرسالة.

الى هنا وصل المنافقون بمخطط التلبيس إلى نتيجتين أحلاهما مر، الأولى: ان القرآن كتاب يختلف على نفسه، بالطريقة الموصوفة آنفا. وهو ما يمكن إحداثه بكثرة، إذن، هو من عند غير الله. والثانية: ان التأويل هو المسئول عن إنتاج الاختلاف في القرآن، وإنتاج التضارب، إشكال غير متناه، لاسيما وأن قلة الخبرة في الممارسة التأويلية، يمكن ان تُوجد على امتداد الزمن من يضرب القرآن بعضه ببعض، وهو ما قد يهدد الكتاب بالتحريف ويبقي القرآن مصدرا للاختلاف! وبناء على ذلك، لابد من التخلّص من التأويل. فأصبح بذلك نفي الحجة الأولى بالقول ان القرآن لا ينبغي ان يختلف على نفسه، يعزّز الحجة الثانية التي ترفض التأويل باعتباره الأداة المنشئة للاختلاف! ويلتبس الأمر على الأكثرية، بحيث لا تحسب إلغاء التأويل شرا، بل هو خير، باعتباره يصدر دفاعا عن القرآن، وصيانة له من الاختلاف، والتحريف، والتهافت*.

وقد تصدى الرسول للرد على هذا المخطط، فكشف أبعاد المؤامرة، حيث دفع بالفكرة إلى نهاية المضمار، ليبين الغاية المترتبة عليها، فقال في خطابه للأمة: «وإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»[115]  ، في إشارة إلى قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)، وأضاف: «سيكون أناس من أمتي يضربون القرآن بعضه بعضا ليبطلوه ويتبعون ما تشابه منه ويزعمون ان لهم من أمر ربهم سبيلا، ولكل دين مجوس وهم مجوس أمتي وكلاب النار»[116]  . فالمقولة الأولى للرسول تبين أن إتباع التشابه القرآني بالاعتبار، الآنف الذكر، وما يقود إليه من تضارب القرآن، يستهدف إبطال القرآن، بأحد الوجهين المتقدمين، ثم يكشف في المقولة الثانية، ان الذين يقومون بوضع القرآن في الموضع الذي يبدو متضاربا، هم الذين يتوخّون السيطرة على كرسي الحكم والرئاسة: «يزعمون ان لهم من أمر ربهم سبيلا»، حيث (الأمر) يقصد منه السلطة والخلافة، فأولي الأمر في التواضع القرآني هم أصحاب الخلافة ومن لهم الولاية بعد الرسول، كما يقول تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)59/4. فالهدف من ضرب القرآن هو إسقاط حجيته التي تخوّل وريث الرسول التوسّل بها للوصول إلى حقه في الخلافة، وبالتالي تمهد لاغتصاب السلطة.

إن المنافقين القائمين على وضع هذا المخطط، إنما يستلهمونه من وحي القرآن
والخطاب النبوي!! حيث يستثمرون توصيف الرسول لواقع الضلال، الذي تسقط فيه الأمة، استثمارا يخولهم تحديث وتوظيف الوسائل القديمة، التي اعتمدتها الأمم السالفة في مقاومتها دعوة الأنبياء بهدف القضاء عليها! وإفشال حركة التغيير في واقع الأمة والسلطة! فالرسول حين يحذر من اقتفاء اثر الأمم السالفة، نجد ان المنافقين يلتزمون بالخطاب النبوي التزاما سلبيا! فيقوم المنظرون منهم، الذين يعرّفهم القرآن بأولي الطول او أولى الألباب، بمحاولات استيعابه، ووضع الخطط على ضوئه  قبل إصدار الأمر بتنفيذها
*! فالقرآن ومن ثم الرسول تعرضا لنموذج بني إسرائيل وفصّلا فيه، باعتباره النموذج المقترح، الذي ستقتفي الأمة أثره، وتتورط في الأخطاء وتقع في النكسات التي وقع فيها. والمنافقون درسوا هذا النموذج، وبذلك اعتمدوا المخطط الكتابي في مكره. فسعوا لاغتيال الرسول كما قتل بنو إسرائيل رسلهم، ومضوا في تحريف الكتاب، كما فعلت بنوا إسرائيل، وكذبوا على الرسول كما كذب بنوا إسرائيل على أنبيائهم، وتآمروا على خليفة الرسول وأهل بيته كما تآمر أشرار بني إسرائيل على خليفة موسى، واتبعوا السامري بدل إتباعهم لخليفته هارون. وعلى الأثر سارت الأمة بعد الرسول، في ظل قيادة قريش. هذا مجمل المخطط، الذي اعتمده المنافقون، ووضعوه موضع التنفيذ.

في هذا المخطط، نلاحظ ان استهداف حركة النفاق للقرآن، مبني على نموذجية الكتب السماوية المتقدمة، لاسيما التوراة. باعتبار المنافقين يتعايشون مع اليهود على رقعة واحدة جنبا إلى جنب. فالاحتكاك الفكري والتلاقح الثقافي قائم بينهما. فالكتب السماوية كلها اعتمدت التأويل في تفسيرها، بدلالة تسمية الله للعلماء من أهل الكتاب بالراسخين، وقد تبين ارتباط الرسوخ في علم الكتاب بالتأويل: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3. ولكن منهج تفسير التوراة آل إلى الرأي عند الأمم السالفة، وهذا ما أحدثه المنافقون، حينما لاحظوا ان التأويل عملية استنطاقية، ليس للفقيه فيها إلا المتابعة للأمر القرآني، الذي يفرض مسارا صارما، لا يفسح فيه تتابع الآيات المجال لدخول الرأي. فتحولوا عنه إلى الرأي، ليحقق لهم التعبير عن آرائهم من خلال قوالب الآيات القرآنية. وقد كان لهذا التحوّل من التأويل إلى الرأي مضاعفاته الوخيمة على الفكر وواقع الأمة، كما سندرس ذلك قريبا، وسنتابع تفصيله في بقية أجزاء الكتاب. ولاحتذاء التوراة كنموذج في صيغته التي آل إليها، عمل المنافقون على تعريبها بالتعاون مع اليهود*. ففي الخبر إن أحدهم أتى ومعه صحيفة كتب فيها التوراة بالعربية، وقرأها على رسول الله (ص) فغضب النبي (ص) حتى عرف الغضب في وجهه، فقال الرجل: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، ثم صعد المنبر فخطب في الناس، فقال: «يا أيها الناس لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا أنفسهم، وعسى ان يحدثوكم بباطل فتصدقوهم، أو بحق فتكذبوهم، ولو كان موسى (ع) حاضرا بين أظهركم، ما كان له إلا ان يتبعني»[117]  .

كما كان لترويج التوراة المعربة بين المسلمين غايات ومآرب أخرى، وهو تحديث لوسيلة ليست بقديمة العهد في المواجهة بين قوى الكفر والإسلام. فقد كان النضر بن الحرث، إبان الحقبة المكية للدعوة، يرحل إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، رستم واسفنديار فيحدث بها قريشا، ويلقيها على الناس يضاهي به القرآن، الذي كان الرسول يتلوه على الناس. متهما القرآن بأنه أساطير الأولين، وهذه الأساطير، التي أتى بها من بلاد العجم، أفضل من أساطير محمد. فأنزل الله في ذلك قرآنا: (ومن الناس من يشري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا)[118]  . لقد استهدف المنافقون تجديد هذه الطريقة. ولكن من خلال التوسل بكتب أهل الكتاب وما فيها من أساطير، أوجدتها يد التحريف، ليثيروا ذكريات الواقع الجاهلي في نفوس مسلمي اليوم عرب الأمس الجاهليين، الذين جاوروا اليهود وعايشوهم، حيث كانوا: «إذا تشوقوا لمعرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية من أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم»[119]  ، فيتبين من ذلك ان في الترويج للتوراة المعرّبة محاولة لإشغال العقلية المسلمة الناشئة، وإيجاد البلبلة في الفكر الإسلامي الحديث.