حاول المنافقون مكافحة النهضة
القرآنية التي أحدثها الرسول في ظل المسجد. فقاموا باعاقتها عن الاستمرار. فمثلوا
فيها العنصر السلبي، الذي يبطئ ويعوق تفاعل الأمة الإسلامية مع الفكر القرآني.
فكان إسلام الطبقة المنافقة من بدايته يصبو إلى مآرب سلطوية، لم يستطع المحافظة
عليها في المواجهة العلنية ففقدها. وهاهو يلتمس الطريق إليها، بأساليب ملتوية،
نفذها في السر. فأعلنت إسلامها طمعا أو قهرا، وظلت الثارات متقدة في نفسها كامنة
في صدرها، تتحين الفرصة وتتربص الدوائر، ان تدور على المسلمين، لتعبر حركة النفاق
عن تلك الأحقاد بانتقامهم: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم
الدوائر)98/9،.. تكدست فئات مبطنة الكفر، مع كل خطوة يحرزها المسلمون على طريق
النجاح والمستقبل، الذي فيه يتبوءون الأرض ويرثونها من المشركين، وكلما تسارعت
الخطى نحو النصر النهائي، ازداد الداخلون في الإسلام طمعا ورهبة، وبتوسع قاعدة
المنافقين، وتعدد كياناتهم، بتعدد أهوائهم ورموزهم، تضعضع كيان الأمة، وتصدّعت
صفوفها.
وقد رصد القرآن ذلك. وأشار إلى دور
المنافقين كعنصر سلبي ووصفهم، بالقول: (المرجفين في المدينة)60/33،(المعوقين
منكم)18/33،(لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا)47/9،(وقلّبوا لك الأمور حتى ظهر
أمر الله وهم كارهون)48/9،(يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم)67/9،
(الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين
نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين)141/4. هذا بعض ما جاء في وصف
المنافقين في دورهم السلبي، الذي اهتم به القرآن كمشكلة خطرة، تهدد الأمة
الإسلامية الناشئة، فخصص لذلك سور وصفحات كثيرة من الكتاب العزيز، أفردها لمعالجة
هذه المشكلة المستخفية، والمصيبة الداهمة.
لقد اختل ميزان القوى داخل الأمة
الإسلامية مع فتح مكة، ففي الوقت الذي مثّل هذا الفتح انتصارا كبيرا، دخل الناس
على أثره في الإسلام أفواجا. فقد أفسح المجال لتدفق طوفان النفاق إلى داخل الأمة،
ليعزز وجوده ومراكزه في صفوفها. ويمكن تعليل ذلك بأن عام الوفود، الذي تدفقت فيه
القبائل من الأطراف، لتدخل في الإسلام، كان استجابة لبيان الرسالة، الذي تمثل في
سورة البراءة، التي تلاها الإمام علي(ع) على حجيج مكة. هذا البيان توعد الأعراب؛
اما الإسلام واما القتل، وأمهلهم عدة أشهر ليختاروا لأنفسهم. فكان بعدها عام
الوفود، حيث تقاطرت فيه وفود القبائل، وممالك الأطراف من كل حدب وصوب، تعرض
إسلامها على الرسول، فنكتشف أن إسلام أكثر تلك القبائل كان إسلام الخشية، لا إسلام
القناعة! يدل على ذلك الرّدة الواسعة النطاق التي تزامنت مع ارتقاء خبر وفاة
الرسول لأسماعهم، حيث انطلقت تلك الرّدة من المدينة مركز الدولة الإسلامية، وعمت
محيطها وأطراف الجزيرة، ولم يعودوا إلى إسلامهم الاسمي، إلا بعد ما ضربوا على ذلك
بالسيف*، فكانت حروب الردة
المقنعة للردة السافرة.
حاول المنافقون التسلل إلى مراكز
قيادية في الأمة الإسلامية، ولما كان تسلق السلم الاجتماعي رهين التفقه في الدين
وتعلم التأويل، اهتم الكثير من المنافقين بالقرآن والتفقه في تأويله، وحرصوا على
الالتحاق بطبقة القرّاء والفقهاء، حتى قال فيهم الرسول: «أكثر منافقي أمتي
قرّاؤها»[110] . وابتغوا من وراء
الحرص على المواقع القيادية كيد الإسلام. وتحرك الرسول في المقابل ليستثمر هذا
الإقبال المنافق بصورة إيجابية، عن طريق غلغلة الإسلام في نفوسهم وتأليف قلوبهم،
بشتى الوسائل الممكنة؛ فبعث بعضهم لجمع الصدقات، وكلف آخرين بمهام عسكرية محدودة،
وأعطى البعض الرايات في الجيوش، التي خرجت تحت إمرته، وفضل بعضهم في قسمة غنائم
الغزوات والمعارك، التي خاضها.. كل ذلك التزاما بتعميم معاملته الخاصة مع القرّاء
المخلصين على كافة القرّاء، رغبة في استقطابهم، وتحبيبهم بالإسلام، وهدايتهم إليه،
ولكن أبى أكثرهم إلا كفورا، فشنوا الحرب الباردة على الإسلام، في الإطار الفكري
على محورين: