تعلم المسلمون التأويل، وبذلك
تسلموا مفاتيح خزائن الكنوز المعرفية، التي تمثلها آيات الكتاب. وترددت أصداء
كشوفاتهم المعرفية في خطابه، وبرزت خلافة الإنسان في الأرض بإنتاج الخطاب الديني
قرآنا وأحاديث، مع بقاء المرجعية العليا للقرآن، في المصادقة على سلامة الخطاب
المتولّد، ليحفظ للخطاب الإلهي موقعه في تمثيله للحقيقة. والى جانبه الرسول الذي
له موقعية الكتاب ذاتها باعتباره الترجمة التطبيقية له. فهو ينتج المعرفة، وتنسب
إليه بوصفها نبوية. ويصونها من الاختلاف، لقدرته التي لا يعجزها تأويل، أي موضوع
في الكتاب، واليها يرجع المؤولون من أبناء الأمة، ليتحرّوا بعض ما أشكل عليهم.
وهذا ما ينص عليه قوله: (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)59/4، فالرّد
إلى الله الرّد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرّد إليه شخصيا، أو الرد إلى سنته.
وهذا الواقع التأويلي، جعل عصر الرسالة الأول يستحق أن يُعنون بـعصر التأويل.
إلا أن المنهج الفقهي المعنون بالتأويل، لم يقتصر على هذا العنوان
فحسب، لاسيما إذا عرفنا أن الكلمة تتصرف على وجوه، فلكل تلك الوجوه التي تتصرف
إليها كلمة التأويل الصلاحية لان تكون أسماء وعناوين للمنهج. لذلك عبر التراث
المروي عن التأويل بـ: علم الكتاب، وحفظ الكتاب، والكتاب .. الخ. وهنا عرض للنصوص
التي وردت فيها هذه التسميات على التوالي: قال (ص): «ما أنعم الله عز وجل على عبد
بعد الإيمان بالله أفضل من العلم بكتاب الله، ومعرفة التأويل، ومن جعل الله له من
ذلك حظا ثم ظن أن أحدا لم يفعل به ما فعل وقد فضل عليه، فقد حقر نعم الله عليه»[97] ، وفي صيغة أخرى
لنفس هذا المضمون، يقول (ص): «من أعطاه الله حفظ كتابه، فظن ان أحدا أعطي أفضل مما
أعطي فقد غمط افضل النعمة»[98] ، وقال (ص): «من
أعطاه القرآن، فرأى ان أحدا أعطي شيئا أفضل مما أعطي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا»[99]. فهذه الأحاديث كلها تؤكد على فكرة واحدة، وهي ان أفضل النعم بعد
الإيمان بالله التأويل، الذي عُرّف بعلم الكتاب، كما في الخطاب الأول، وسمي بحفظ
الكتاب، كما في الخطاب الثاني، وعُبر عنه بإعطاء القرآن، كما في الخطاب الثالث. ولم تكن هذه العناوين المستعرضة تعبر
عن استقراء او استقصاء تام في التراث، لتحري عناوين الفقه الإسلامي، بل كشف عن بعض
الألفاظ المستعملة تراثيا، بالاستعانة بمبدأ تعدد الوجوه. وعلى ضوء ذلك بالإمكان
التعرف على تسميات أخرى تفيد معنى التأويل، مثل: قراءة القرآن، ترتيله، تلاوته،
تدبره، درسه، وغيرها، فهذه العناوين وأمثالها وجوه تعبر عن مفهوم التأويل.
ومن عناوين الفقه الإسلامي هذه اشتقت
للفقهاء في عصر الرسول ألقابهم والأسماء، التي تنادوا بها آنذاك، فمن تلك
التسميات: الراسخ في العلم وهذه التسمية قد نص عليها الظاهر القرآني، في قوله:
(ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، وقد ورد عن ابن عباس قوله:
«أنا من الراسخين في العلم، وأنا ممن يعلم تأويله»[100] ، ولكنها لم
تتداول بكثرة، ربما لتحرج الفقهاء من التزكية، حيث قال تعالى: (فلا تزكوا
أنفسكم)32/53. واشتهر الفقهاء بالقرّاء، وهي تسمية مشتقة من قراءة الفقهاء الخطاب
القرآني على وجوه وقراءات عدة، باعتبار الفقيه لا يكون كذلك حتى يعرف للقرآن وجوها
وقراءات كثيرة ، كما في تعريف الرسول له، فمن هذا الشرط المثبت لفقه الفقيه، نسب
الفقهاء، فقيل قُرّاء، أو من عملية الاستقراء، التي يمارسونها بهدف تأليف الرؤية
القرآنية، فيضطروا لقراءة القرآن أكثر من مرة في فترة وجيزة، فكثرت قراءتهم
للقرآن. وقد وردت هذه التسمية في كثير من النصوص المروية؛ ففي الخبر «قتل في عهده
في بئر معونة زهاء سبعين من القرّاء»، وفي خبر آخر، «كان في جيش عبد الرحمن بن
الأشعث سرية تسمى بسريّة القرّاء، وكان فيها كميل بن زياد، وسعيد بن جبير، وعبد
الرحمن بن أبي ليلى[101]
. ويقول ابن هلال العسكري: ان أكثر القرّاء والفقهاء كانوا من
الموالي، وكانوا جل من خرج عليه (أي على الحجاج) مع ابن الأشعث[102]
، وفي خبر آخر كان علي بن الحسين زين العابدين يركب بركوبه إلى الحج
ألف من القرّاء[103] ، كما نجد تسمية
القرّاء في التسمية المطلقة على فقهاء المناطق، فيقال: قرّاء البصرة، وقرّاء
الكوفة، وقرّاء المدينة ..، وفي مقولة عبد الرحمن السلمي: «ما رأيت ابن أنثى أقرأ
لكتاب الله تعالى من علي»[104] ، أراد القول ما
رأيت أفقه من علي بن أبي طالب (ع).
واشتهر الفقهاء أيضا باسم الحفظة،
ففي الخبر «وكثر عدد الحفظة في عهد رسول الله (ص)»، وقد مر الحديث أيضا: «من أوتي
حفظ كتابه..»، حيث عبر فيه عن التأويل بحفظ الكتاب، فالفقهاء معول عليهم بالمحافظة
على معاني الكتاب بالصورة، التي يكفلها التأويل السليم، المعبر عن مرادات الله،
وقصده من كلامه، وبالتالي فهم يحفظون القرآن من تأويل المبطلين. وفي هذا السياق
تأتي تسمية الفقهاء بـ جامعي القرآن، ففي الخبر: «من جمع القرآن على عهد رسول الله
ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعلي بن أبى طالب ..»[105] ، حيث هذه التسمية
مشتقة من وظيفة الفقيه، القائمة على جمع الآيات المتشابهات بالمحكمات منها.
ومن التسميات التي اشتهر الفقهاء
بها، تسميتهم بـ المحدثين، لأن الفقهاء يمارسون استنباط الحديث من القرآن، ويروونه
عن الرسول (ص)، كما في دعوة الرسول لهم: «حدّثوا عني ولاحرج» فكان القرآن: «حديثا
لمن روى»، وقد وردت هذه التسمية في الحديث: «اللهم ارحم خلفائي (ثلاث مرات)، قيل
يا رسول الله: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي ويروون أحاديثي ويعلمونها الناس»[106] ، فهم خلفاؤه
باعتبارهم يرثون دوره في بيان الرسالة، وقد قال الرسول: «ان العلماء ورثة
الأنبياء»[107] ، ومن جملة
التسميات تسميتهم بالفقهاء، وقد ترددت هذه التسمية في عبارات وردت عن الرسول، كقوله:
«رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، وقوله: «فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد»[108] ، وقوله (ص) لزياد
بن لبيد: «ثكلتك أمك يا زياد ان كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة..»[109] .
ومن أهم تسميات هذه القائمة،
وأكثرها شيوعا تسمية القرّاء والمحدثين، لما بينهما من تكامل، يشمل في تعبيره تمام
العملية الفقهية، القائمة على توليد القراءات، وإنتاج الأحاديث، ولا يقلل ذلك من
شأن بقية التسميات، التي ترتبط مع بقية الأسماء برابط التكامل المفهومي، الذي
يفصّل العملية التأويلية، عندما يشير كل اسم إلى بُعد من أبعادها.