تجاوز البرنامج الذي يهدف إلى صناعة حملة القرآن كقدوات وشخصيات
قيادية في الأمة تجاوز بمتطلباته البرنامج العام. وهذا أمر نستطيع أن نلمحه في
خطاب الرسول لهذه النخبة. فعن أنس قال: خرج الرسول ذات يوم فنادى بأعلى صوته: ((يا
حامل القرآن أكحل عينيك بالبكاء إذا ضحك المبطلون، وقم الليل إذا نام النائمون،
وصم إذا أكل الآكلون، وأعف عمن ظلمك، ولا تحقد فيمن يحقد، ولا تجهل فيمن يجهل))[88] ، ((إن أحق الناس بالتخشع في السر
والعلانية لحامل القرآن، وان أحق الناس بالصلاة والصيام في السر والعلانية لحامل
القرآن))[89] ، ((ليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه
فيمن يسفه أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتد فيمن يحتد، ولكن يعفو ويصفح لفضل القرآن))[90] . ففي هذا الخطاب، نلمح المعالم
الأخلاقية والمناقبية، التي يحدد بها الرسول شخصية حامل القرآن، فبتلك الخصائص
تسمو شخصية حامل القرآن، وتتميز على شخصية إنسان الأمة العادي. كما يكفل هذا
البرنامج التطهر الباطني من الأحقاد والضغائن، والتميز بالتسامح والعفو عمن ظلم أو
جهل، والتخشع الدائم، الذي يعبر عن نفس تلحظ مقام الله في علوه، فتتقي بطشه
بالتواضع لعباده والطاعة الواصبة له. وهو برنامج يبذل فيه حامل القرآن مجهودا
استثنائيا لا يتحمله أكثر الناس، فيصوم والناس يأكلون. ويقوم الليل والناس نائمون.
ويبكي في داخله والناس يضحكون، كما في الخبر: ((بشره في وجهه وحزنه في قلبه)).
فهذه العناصر الثلاث الجوع، والسهر، والبكاء، إلى جانب تأويل الكتاب
والعمل به هي ركائز البرنامج، الذي يجعل الحملة قيادات، فالأشخاص الراغبين في
تبوّء هذا المقام مطالبين بتنفيذ البرنامج بصرامة، لما ينطوي عليه من جهد ومشقة،
لتحقيق التطهر الذاتي والسمو الأخلاقي الذي يمكنهم من أن يتميزوا بالتسامح
والانعتاق من أسر الأحقاد والرغبات، ليتحولوا إلى مقام القدوة الصالحة، ويترجموا
بذلك الشخصية المؤمنة المثالية، كما يصفها القرآن، وكما يمثلها الرسول ،الذي كان
قدوة للأمة: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم
الآخر)21/33. وتحريضا لهم على الالتزام الجاد بالبرنامج التربوي الصارم ذاك، قدم
الرسول لهم نفسه نموذجا، حيث مارس الرياضة الروحية بصورة صارمة، بتعبده لدرجة
الإعياء والنصب، كما قال تعالى: (فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب)7-8/94، فكان في
امتثاله للأمر الإلهي، «يصلي حتى تتورم قدماه، [وحين سئل] قال: أفلا أكون عبدا
شكورا))، ويعلق الإمام الصادق على مسلك الرسول هذا والغاية التي يتوخاها بالقول:
((أراد أن تعتبر به أمته، فلا يغفلوا عن الاجتهاد والتعب والرياضة بحال))[91] .
إلا إن من الجدير، الالتفات إلى الأهداف التي يتوخاها برنامج الرياضة
الروحية، الذي يطرحه الرسول، وذلك ببيان خلفية خطاب الرسول المستندة إلى القرآن.
فتأهيل الحملة للنهوض بأمانة حمل الرسالة، والقيام بدور الخلافة في الأرض، لا
يتحقق بالاقتصار على تطبيق التأويل بالصيغة المنهجية المألوفة. وإنما بتطوير تلك
الصيغة في تطبيقها، حتى تصل بحامل القرآن إلى امتلاك العلم اللدني. وهو ما يفرض
تغيير ملامح وتضاريس شخصية الإنسان تغييرا جذريا. فالإنسان المسلم، الذي اتخذ
الرسول قدوة، بإمكانه أن يشاركه ظاهرة الوحي، دون أن يؤدي به ذلك لبلوغ درجته، بلا
ريب، وذلك يتم بالتمكن من السنن التي تحكم ظاهرة الوحي، والتي يستحيل العقل في
ظلها إلى طاقة قادرة على الاستلهام، المتجلي في القدرة على التنبؤ واجتراح
المعجزات. وهي السنن الرهينة بتحقق عملية التطهر الباطني من الرغائب والذنوب،
بواسطة البرنامج العبادي الموصوف.
والقرآن يصرح بان عملية التطهر كفيلة بالارتقاء بالمتطهر إلى درجة
نزول الملائكة عليه وتحديثها له، وفي ذلك يرد قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم
استقاموا تتنزل عليهم الملائكة)30/41، وبذلك يلتحق الإنسان المُحدَّث بسلك
المدبرين للكون، فيصدر في أفعاله عن أمر الله ونهيه. ويدل على هذه الإمكانية سيرة
صاحب موسى، الذي كان عبدا صالحا يتلقى الأمر الإلهي ويصدر عنه. حيث تستند أفعاله
إلى علم لدني يقوم على الوحي، وقد صرح بذلك بقوله: (وما فعلته عن أمري)82/18. هذه
النصوص وأمثالها، شكلت الخلفية القرآنية للبرنامج العبادي، الذي طرحه الرسول
لصناعة المحدثين، وإيجاد العباد الربيين.
واستجابة لهذا الخطاب وما يطرحه من برنامج، وما يتوخاه من أهداف،
انطلق أصحاب الرسول يتنافسون في تطبيقه وامتثاله. يصف لنا الإمام علي (ع) أصحاب
الرسول في ظل هذا البرنامج بالقول: «لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه
وآله،(...)، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، وقد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين
جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المِعزى
من طول سجودهم! اذا ذكر الله أهملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر
يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب، ورجاء للثواب!»[92] ، وأوصل هذا التطبيق المستقيمين
عليه إلى مرتبة العباد أصحاب العلم اللدني، المتصفين بالربانية، الذين يصدق عليهم
الحديث القدسي: «عبدي أطعني تكن مثلي [أجعلك عبدا ربانيا] تقول للشيء كن فيكون»،
واشتهر بعض أولئك الصحابة ببلوغهم تلك المرتبة، فعن أبي بصير قال، قال: الإمام
الصادق سادس أوصياء الرسول: «كان علي محدثا وكان سلمان [الفارسي] محُدّثا، قلت:
فما آية المُحدّث، قال: يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت وكيت»[93] ، وقال الصادق أيضا: «ان سلمان علم
الاسم الأعظم»[94] ، وهو الاسم الذي تدل الأخبار على
قدرة من يمتلكه على القول للشيء كن فيكون، ولم يحط به علما إلا الأنبياء والأوصياء
والأولياء المقربين، ممن بلغوا الدرجة
الرفيعة.
ويضيف الإمام الصادق في هذا الصدد: ((أدرك سلمان العلم الأول والعلم
الآخر وهو بحر لا ينزح وهو منا أهل البيت»، وعن علم سلمان اللدني الذي يخترق حجب
الغيب، يرد الخبر: «انه مر برجل في رهط، فقال له: يا عبدالله تب إلى الله من الذي
عملت في بطن بيتك البارحة واتق الله، فقال الرجل: استغفر الله وأتوب إليه. قال: ثم
مضى، وقال له القوم: لقد رماك بأمر وما دفعته عن نفسك، قال: انه اخبرني بأمر ما
اطلع عليه أحد إلا الله رب العالمين وأنا))[95] . وعن بعض الأفعال، التي تدل على
ربانية سلمان، واختراقه بأفعاله المألوف، ما يطالعنا به الإمام الصادق بالقول:
((كان سلمان يطبخ قدرا فدخل عليه أبو ذر فانكبت القدر فسقطت على وجهها ولم يذهب
منها شيْ!! فردها على الأثافي، ثم انكبت الثانية فلم يذهب منها شيْ!! فخرج أبو ذر
إلى أمير المؤمنين مسرعا قد ضاق صدره مما رأى! وسلمان يقفو أثره، حتى انتهى إلى
أمير المؤمنين، فنظر أمير المؤمنين إلى سلمان، فقال له: يا أبا عبدالله أرفق
بأخيك))[96] .
لقد كان سلمان المحمدي النموذج النمطي لحامل القرآن، فشخصيته تحمل
المواصفات القرآنية، شبيهة بصاحب موسى، وبذي القرنين، اللذين ورد ذكرهما في
القرآن. وهي الشخصية التي وجدت في حيز الواقع من خلال برنامج تربوي يتماشى جنبا
إلى جنب مع عملية تعلم القرآن، كما في قوله: (يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)2/62،
بهدف تحرير العقل البشري من الإصر والأغلال، ليصبح قادرا على اختراق حجب الغيب،
والهيمنة على الأزمنة، ويتمكن من تسخير الظواهر الكونية، بهدف استعمار الأرض
واستثمار خزائنها، استثمارا يرمي إلى الإصلاح فيها، وتحقيق سعادة البشرية. فالشخصية
بهذه المواصفات صالحة، لأن تخول مقام الخلافة، لتصبح مؤهلة لان تتزعم الطاقم
الملائكي، الذي يشرف ويدير مملكة الله.