لما كانت وسيلة الاستنباط من
القرآن تمنح الخطاب القدرة على التمدد
اللامتناهي المستغرق لبيان كل واقعة وقضية إلى درجة القول: (وكل شيء أحصيناه
كتابا)29/78، (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6، فإن الرسول (ص) حينها سوف لن يكون
لمنطقه محيص عن القرآن، إذ ليست وظيفته في هذا الإطار من العلم الشامل إلا البيان
للقرآن، سواء باللفظ أو السلوك أو الموقف، وهذا ما أكده القرآن في قوله: (وأنزلنا
إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم)44/16. وهذا ما يصادق عليه القرآن من جهة
أخرى، حين يجعل منطق الرسول هو القرآن المنزه عن الهوى، فيقول تعالى: (ما ينطق عن
الهوى إن هو إلا وحي يوحى)4/53،(قل إن أتبع إلا ما يوحى إلي)4/53. وكان الموحى في
كلا الآيتين هو القرآن، لقوله: (وكذلك أوحينا إليك قرآنا)7/42، فكان الرسول،
آنذاك، هو الترجمة الحية للقرآن على المستوى النظري أو العملي، كما قال علي (ع):
((لابد له من ترجمان)).
وتحديد منطق الرسول بالوحي القرآني
يجعل القرآن والأحاديث وجهين لحقيقة واحدة. فالأحاديث تنتج عن طريق تحريك النص،
بقراءة بعضه في بعض، لتعيد العمليات التأويلية في الخطاب تشكيل الآية القرآنية،
التي إذا ما عبر الرسول عن فكرتها بعبارة لا تلتزم بألفاظ القرآن، نتج ما يعرف
بالحديث. مما يحدد تعريف الحديث بالقول: ((هو الفكرة القرآنية)). ويمكن البرهنة
على التعريف كمحصلة، بشواهد عدة أبرزها التقنية النقدية التي شرعها الرسول في
مراجعة الأحاديث والتثبت منها. والمتجسدة في عرض الأحاديث التي يرويها الرواة على
الكتاب. فان وافقته وطابقته فهي حق، وان خالفته فهي باطل. فقال (ص): ((أيها الناس ما
أتاكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله))[80] . ففي هذا تأكيد
على أن الرسول لا يعدو منطقه القرآن الموحى، مما يقتضي أن أحاديثه مشروطة بأن
تتوافق مع الكتاب من حيث الفكرة، فهي أفكار قرآنية فحسب.
وتعيين الحديث في الفكرة القرآنية يتيح
لكل إنسان أن يستنبط الفكرة القرآنية، وهو ما يمكنه من صناعة وإنتاج الحديث. ويجيز
له في نهاية المطاف نسبته إلى الرسول، باعتباره حديثا نبويا، دون أن يكون هناك شرط
التلفظ الفعلي للرسول، يصادق على هذا التخويل باستنباط الحديث قول الرسول: ((ما
جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله، فهو عني قلته أم لم أقله))[81] ، وفي حديث آخر:
((إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت به أم لم أحدث))[82] . والخلفية
المفسرة والمعقلنة لهذا الواقع، تتجلى في كفاية التلفظ الأول للرسول بآيات القرآن،
حيث تلقى المسلمون القرآن عن الرسول بالكامل. فآيات القرآن هي مقدمات إذا ما
تُؤولت أدت إلى نتائج ومحصلات وأفكار غير متناهية وغير محصورة، مما يجعل اللاتناهي
القرآني ينسب إلى منطق الرسول القرآني. وطبيعة الخطاب القرآني اللامتناهية، تجعل
استنزاف ذخيرته الفكرية خارج قدرة الرسول. وهو ما يفرض عليه أن يفسح المجال للأمة،
بعد تمكينها من تقنية الاستنباط، من أن تتابع الاستنباط لتلبية حاجاتها من الأفكار
القرآنية (الأحاديث)، فيكون لكل جيل هذه الإمكانية التي تخوله من الأخذ من أفكار
القرآن، بما يتناسب مع متطلبات عصره، والمشاكل التي يتعرض لها. وإذا ما نسبت
الأفكار إلى الرسول، فذلك باعتبار منطقه لا يتجاوز القرآن، والأفكار المستقاة من
القرآن ترجع إلى منطقه ذاك، وهذا يفضي إلى القول بان كل فكرة حقه هي فكرة قرآنية،
وقد قال تعالى: (بالحق أنزلناه وبالحق نزل)105/17، باعتبار القرآن حوى الحق كلّه،
فحينما تعرض عليه الفكرة يكشف عن الحق في موضوعها، الذي أما أن تتطابق معه الفكرة
المعروضة فهي حقه، وأما أن تتناقض معه فهي
باطلة، وعليه يترتب الرد.
يؤكد ذلك الواقع التاريخي، حيث لم
يقتصر جهد الوسط الفقهي الذي أسسه الرسول على رواية الأحاديث بعد سماع مباشر لها
من الرسول، بل منح الوسط الفقهي تخويلا يجيزه ان يؤلف الآيات تأويلا، وان يشارك في
إنتاج الأحاديث النبوية، بتحريض منه (ص)، حيث وجه خطابه لهم قائلا: ((حدثوا عني
ولا حرج فمن كذب علي، وقال عني ما لم اقل، فليتبوأ مقعدا من النار))[83] . ونشخص حقيقة
القول على الرسول ما لم يقل، من خلال الحديث الآنف: ((ما أتاكم من حديث فاعرضوه
على كتاب الله، فإن وافقه فأنا قلته وإن لم أقله))، حيث ما وافق الكتاب هو ما قاله
الرسول، وما لم يوافق الكتاب هو ما لم يقله، ففقيه الإسلام كان مطالبا بأن يقول عن
الرسول ما قاله، أي أن ينسب إليه الأفكار القرآنية، لا أن ينسب إليه ما لم يأت به
القرآن من الأفكار الباطلة، فهي التي لم يقلها. وهكذا يتعزز تعريفنا لأحاديث
الرسول بالأفكار القرآنية، وهي متاحة للمؤهل أن ينهل ما شاء منها، وعن ذلك عبر
الإمام علي(ع) في حديثه عن القرآن: ((وحديثا لمن روى))[84]([85])، أي من رام أن يروي الحديث، فعليه
بتأويل القرآن.
من جهة أخرى، يلاحظ أن الأحاديث
تتفق مع القرآن في وحدة الخصائص، فكما إن القرآن محكم ومتشابه، ناسخ ومنسوخ، خاص
وعام، كذلك هي أحاديث الرسول: ((إن أمر الرسول مثل القرآن: عام وخاص، محكم
ومتشابه، ناسخ ومنسوخ))[86] ، كما يصفها
الإمام علي(ع)، وهذا ما يجعل التأويل منهجا يطرد في حقل الحديث كذلك، حيث يقول
الرسول: ((من أفتى الناس وهو لا يعرف المحكم من المتشابه والناسخ من المنسوخ فقد
هلك وأهلك))، فالفتوى كما تستنبط من الكتاب، كذلك تستنبط عن الأحاديث، باعتبار
الأحاديث تمثّل للكتاب. وكما إن الفقيه مَنْ يعرف للقرآن وجوها كثيرة، كذلك فان
الفقيه مَنْ يعرف للأحاديث وجوها كثيرة، كما يقول الصادق (ع): ((أنتم افقه الناس
إذا عرفتم معاني كلامنا، ان كلامنا ليتصرف على سبعين وجها))[87] ، وبذلك تكتمل
معالم التصور للحقل الفقهي، كما كان قائما في صدر الإسلام، في إطار القرآن
والحديث.
وهكذا نخلص إلى القول، بان فقيه صدر
الإسلام اعتمد على التأويل في الاستنباط من الآيات خطابات الكتاب والأحاديث خطابات
السنة. وكانت الفتاوى المستخلصة من الخطاب خطابات متولدة عن تزاوج خطابات، فكان
الإنتاج الفتوائي الأول يتجسم في آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية، فالآيات ناتجة عن
قراءة بعض القرآن في بعض، والأحاديث ناجمة عن التعبير عن فكرة الخطاب القرآني، دون
الالتزام بالألفاظ القرآنية. ولما كان جوهر الخطاب واحدا سواء تمظهر في هيئة آية
أو حديث، نتج عن ذلك إمكانية نسخ الحديث للآية، و نسخ الآية للحديث، ونسخ الحديث
للحديث. بهذه الطبيعة النصوصية للفتاوى، يتبين أن عصر النص مرتبط بالتأويل، وليس
مرتبطا بشخص الرسول، فما الرسول إلا مؤول يترجم الكتاب، والى جانبه يقف كل
المؤولين يقومون بعملية الترجمة، إلا ان الرسول يبقى له صفة المرجعية لبقية المترجمين.
وبذلك يتضح أن علم التأويل لم ينحصر في الرسول، بل شاع في الأمة، وتعمقت فيه
جماعة، يفترض أن توجد في كل جيل من الأجيال المتعاقبة.