القرآن اللامتناهي

إن النزول التأويلي يفصح عن قابلية خطاب الكتاب على إنتاج آيات غير قابلة للحصر، لها مواضيعها المختلفة. فحركة الخطاب التلاقحية، تمنح القرآن القدرة على مجاراة وقائع الحياة، وملاحقة أحداثها، بحيث لا تخرج الحياة بمستجداتها أبدا عن دائرة احاطته. هذه النتيجة هي مقتضى حديث الأحرف السبعة. وهذا ما ينبغي التسليم به، إذا ما سلمنا بفكرة حديث الأحرف السبعة بالرؤية التي يقدمها التحقيق الآنف. ويمكن التدليل على ذلك، بما روي عن ابن مسعود، حيث قال: ((تمارينا في سورة من القرآن، فقرأنا خمس وثلاثين، أو ست وثلاثين آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله (ص)، فقال: هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم، قال: ثم أسر إلى علي (ع) شيئا، فقال لنا علي (ع): إن رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم))[74]  . كذلك يظهر الخبر أن إمكانية الاختلاف في عدد آيات القرآن غير واردة، بعد أن أصبح القرآن بالتأويل خطابا مفتوحا، غير متناه في آياته، لذلك لا يكترث الرسول كثيرا بالأمر، ويكتفي بالإشارة من خلال على بن أبي طالب إلى ضرورة التزام أولئك المتعلمين بالبرنامج التعليمي، الذي يشاركون فيه، لان ذلك سوف يكفل لهم إدراك مضاعفات الأحرف السبعة تدريجيا، ومن جملتها أن قراءة بعض القرآن في بعض تؤدي إلى عدم إمكانية عدّ أو إحصاء أو حصر آيات الكتاب.

لكن هذه الحقيقة الغير مستساغة للعقول، يمكن عقلنتها وتسويغها بنماذج حية قائمة على أرض الواقع، جوهرها: إن بعض المحدود إذا ما أضيفت له الحركة، فانه يصبح غير محدود وغير متناه. مثال ذلك ألفبائية اللغة المؤلفة من 28 حرفا، فيُلاحظ أن إضافة الحركة لها لتتحرك اتصالا وانفصالا، وفق قواعد في التركيب محددة، تخولها أن تشكل ما لا يحصى من الكلمات، والكلمات بدورها بحركتها انفصالا واتصالا، تؤدي إلى ما لا يتناهى من العبارات، فالنصوص، فالمؤلفات والكتب. وكذلك المادة المتنوعة التي تؤلف العالم في صيغته الأشيائية، يرجعها علماء الطبيعة إلى 93 عنصرا، فيعزون هذا التنوع الواسع النطاق في صور المادة، إلى العلاقات القائمة فيما بين هذه العناصر، فهي المسئولة عن هذا التنوع الغير متناه، بهذين المثالين نلاحظ كيف أن المحدود عندما يتحرك يؤدي إلى معطيات غير متناهية. فإذا ما نظرنا من هذه الزاوية إلى الخطاب القرآني، الذي يعود بأصله إلى أبجدية اللغة المحدودة في 28 حرفا، ويتجاوزها بخطابه المؤلف من آيات تشمل في مفهومها الحرف الهجائي والكلمة والعبارة والشكل والاعجام، وكلها منحت حق الحركة، فبطبيعة الحال سوف تؤدي إلى طبع الخطاب بطابع اللاتناهي في إنتاج خطاباته وآياته. وهذه الحركة التي يثيرها التأويل، في تثويره لمكوّنات الخطاب القرآني من الآيات، والتي عبرها يصنع اللاتناهي القرآني، يعبر عنها الله تعالى في قوله: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18. فالآية تصور أن بحار الأرض، لو استحالت حبرا ومدادا، يكتب به الآيات المتولدة عن طريق التلاقح والمزاوجة بينها، فإنها ستستنفد بحار المداد، مما يكشف عن انعدام إمكانية استنزاف بحر الكتاب، وهو ما يعبر عن لاتناهي العلم القرآني. وهذه الآية تدل دلالة جلية على حركة مكونات الخطاب القرآني. فنلاحظ أن القرآن يتمثل في نسق تخضع آياته لحركة تأويلية، ذات قواعد في التركيب والتفكيك، تكفل للآيات الالتقاء والانفصال، التآلف والتخالف، بذلك ينتج النسق القرآني ذاته ويوسع من امتداده، في أفق غير قابل للحد، أو تخيل انتهائه.

من جهة أخرى، نجد أن الله سبحانه تحدث عن علم القرآن وسعته، فقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، وجاء في التأكيد على هذا المعنى: (ما فرطنا في الكتاب من شيْ)38/6، فكان القرآن في بيانه شاملا وعاما ومستوعبا، وهو ما يجعل علم الله المطلق هو القرآن فحسب، وفي ذلك يقول تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)58/6. فالآية تبدأ ببيان علم الله، الذي أحاط بكل شيء بما في البر والبحر، والسموات والأرض*، وحتى لا يتبادر إلى الذهن تصور علم الله في صيغة إجمالية، أشارت الآية إلى تفاصيل جزئية، لتعرب عن إحاطة العلم الإلهي بكل شيء على الإطلاق، فذكرت سقوط الورقة من الشجرة والحبة الدفينة في أعماق وظلمات الأرض، وما يطرأ على الأشياء من رطوبة وما يعتريها من جفاف ويبوسه، وهي عملية تتم في لحظات، يدل ذكرها على دقة ولطافة العلم الإلهي، الذي يشمل ما يقع في ظرف اللحظة وجزء اللحظة. ثم تنتهي الآية في خاتمتها إلى حصر العلم الإلهي الموصوف بالشمول في الكتاب المبين، وهو القرآن.

وقد دعمت هذه الفكرة بالأحاديث الواردة عن الرسول، والصف الأول من رجال الوحي من أهل البيت، ومن جملة ما ورد عنهم في هذا الاتجاه، قوله (ص): ((فيه خبر من قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ من بعدكم))، وقوله: ((من أراد علم الأولين والآخرين فليُثوّر القرآن))[75]  ، وقول الصادق (ع): ((إني أعلم ما في السموات، وما في الأرض، ومن في الجنة، ومن في النار، وما كان وما يكون وما هو كائن)) وحين عظم ذلك على سامعيه، قال: إن الله يقول: (أنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16))[76]  ، وقال: ((إن الله انزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك شيئا تحتاج العباد إليه إلا بينه للناس حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا انزل في القرآن إلا وقد أنزل الله فيه))[77]  .

وإذا ما رُدت هذه الأحاديث بحجة إنها أخبار آحاد*، وطرأت شبهة أن الكتاب يقصد به اللوح المحفوظ، الذي كتب فيه ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وهو المشار إليه بالقول: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير)22/57، فإن الله يجيبهم بأن القرآن ليس إلا تمثّل للوح المحفوظ، فالكتاب يمكن تأويله باللوح تارة، وبالقرآن تارة أخرى، رغم أن لكل منهما حقيقة مستقلة. وهذا التأويل يفرضه قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)22/81، حيث يتضح ان اللوح المحفوظ والقرآن يتضمن كل منهما الأخر، فهما وجهان لحقيقة واحدة.

والخلاصة، إن فكرة الأحرف السبعة، هي الفكرة التي أطلقها الرسول، فكشف بها عن وجود الحركة التأويلية  كجزء من تركيبة القرآن، وهي الحركة التي تهب خطاب الكتاب القدرة على الامتداد إلى آفاق غير قابلة لأن يستقصيها الفكر، ولا يحدها الخيال، ولا يستنزفها كثرة النهل، فبحركة آيات خطاب الكتاب تولد صفة اللاتناهي في إنتاج الكتاب المعرفي. بهذا التصور نلتقي مع القرآن في صيغته الإعجازية التي تتجلى فيها قدرة الله، التي تحدث عنها الإمام علي(ع) في خطابه المتقدم، حين قال: ((تجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا قد رأوه بما أراهم من قدرته))[78]  ، أو كما قال الإمام الصادق: ((لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون))[79]، لافتقادهم القدرة على الإبصار العقلي نتيجة الجهل بتعبير وتأويل الكتاب، فغالبية الناس غير قادرة على الاستجابة لقوله: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، لما على القلوب من أقفال: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)24/47.