تحليل الأوضاع

وهكذا تفشى العمل بالرأي عند القضاة والولاة، الذين يوالون الخط السياسي الحاكم، وينفذون مخططاته. واضطرب النظام القانوني، نتيجة تعدد الأحكام واختلافها في القضية المتحدة الشروط والملابسات، مما أدى إلى ظهور التصويب، وفي ذلك يقول الإمام علي(ع): «ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم، فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد. أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه! أم نهاهم عنه فعصوه! أم انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه! أم كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا وعليه ان يرضى! أم انزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول (ص) عن تبليغه وأدائه؟! والله سبحانه يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6،(تبيانا لكل شيء)89/16، وذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا، وانه لا اختلاف فيه، فقال: (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، وان القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به»[64]  . فالإمام علي(ع) يشخص المشكلة في تصويب الخليفة لأحكام قضاة الأمصار، رغم تباين الأحكام، التي تصدر عنهم في موضوع واحد. وينتقد الإمام على(ع) ذلك بما يطرحه من تساؤلات، تكشف الإجابة عليها عن رؤية قرآنية عميقة لمأزم الأمة، يمكن عرضها في نقاط:

           ·قوله: «.. وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد»: ان الأمة كيان واحد تتمحور حول محور عبودية الخالق تعالى، وهو الرب الذي له حضوره الملموس من خلال الرسول والكتاب، وتتبدا وحدة الرب - الرسول - الكتاب في وحدة النظام، الذي يؤسس للأمة كيانها المتماسك، وهو ما يؤكده قوله: (ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)92/21. فإذا ما طرأ التصويب، فان ذلك يتناقض مع وحدة كيان الأمة، المؤسسة على وحدة العبودية لله، والولاية السياسية للرسول، والعمل بنظام وتشريعات الكتاب، لان في التصويب إقرار بالاختلاف والتناقض، وهو ما يقود إلى تفكك الأمة وانهيار وحدتها.

           ·قوله: «أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه؟»: فهذا التصويب، يلزم عنه احتمالان، الأول/ ان الله أمرهم ان يختلفوا، فأطاعوه في أمره. والثاني/ انه أمرهم بالتوحد فعصوه. فالأول محال لتناقضه مع بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب التي يقررها قوله: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون)113/2. فأصبح الهدف من بعثة الأنبياء إنهاء الخلاف والتنازع بين بني البشر، ليوحد الله بذلك صفوفهم. وهذا يفرض وقوع الاحتمال الثاني، أي ان الله أمرهم بالوحدة، ولكنهم عصوه، ويدل عليه قوله: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)46/8، وقوله: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد)253/2، فهي تدل على ان التنازع الواقع بعد رحيل الرسول، ينطلق من العصيان لبيانه، كما وقع بعد رحيل الرسل السابقين بغيا، وهذا الاختلاف في جوهره بين الكفر والإيمان، لا بين المؤمنين.

           ·قوله: «أم انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟»: والتصويب يقتضي ان الكتاب الذي مثل الإسلام لم يكن شاملا، مما استدعى العمل بالرأي في محاولة لإتمام الدين، الذي اعتوره النقص. وهذا يوضح ان منهج الرأي مؤسس على محدودية علم الكتاب، وهذا مردود بقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)3/5، (وكل شيء أحصيناه كتابا)29/78.

           ·قوله: «أم كانوا شركاء له، فلهم ان يقولوا وعليه ان يرضى؟!»: فالتصويب والعمل بالرأي يقتضي ان يكون لكل فقيه، مع الزمن، منظومة من الأحكام، تعبر عن اجتهاده ووجهات نظره. وهذا يؤدي إلى إنشاء عدة أديان في قبال دين الله. فما الدين الا منظومة من التشريعات، تصدر عن الإله. ففقيه الرأي بمنظومته تلك، يعبر عن مشاركته لله، لاسيما وهو يتحدث باسم الله فيما يقضي ويفتي من أحكام، وفي ذلك يقول تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)21/42، (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)31/9، فالآية سمت الفقهاء المشرعين بالرأي أربابا، تمثل تشريعاتهم أديانا، فيشاركون الله في الربوبية التشريعية. ويتبين ان الله لم يأذن لأولئك الذين وضعوا أنفسهم في موضع التشريع ان يشرعوا، بل لم يجز للرسول التشريع باستقلالية، وقد خاطبه بالقول: (يستفتونك قل الله يفتيكم)176/4، فلم يكن للرسول حق التشريع والفتوى، بل التشريع حق حصري لله وحده.

           ·قوله: «أم انزل الله دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه؟»: والتصويب يورد احتمال تقصير الرسول في تبليغ الرسالة، مما يجعل فقيه الرأي في مقام من يستدرك تقصير الرسول (ص)! وهذا محال لان الله عصم الرسول من التقصير، بوضعه الرقباء من الملائكة على ما يقول: (فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم ان قد أبلغوا رسالات ربهم، وأحاط بما لديهم، وأحصى كل شيء عددا)28/72، وحينما بلّغ الرسول الرسالة نزل قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)3/5، بهذا يكون الرسول قد اكمل الدين، بشهادة الكتاب، فهو منزه عن التقصير في إبلاغ الرسالة. فتأسيس فقهاء الرأي دينهم على قصور الرسالة، يكشف بطلان بناءهم، لبطلان اساسه.

                          ·بعد ان ينفي الإمام علي حجية العمل بالرأي، يوجز خصائص القرآن في ظل التأويل، كما نعرضها في النقاط التالية:

                            1.  إن القرآن في علمه غير نافد، بل مستوعب لكل شيء، ففيه تبيان كل شيء لدرجة القول (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6.

           2. إن القرآن حينما يُستنطق، ينطق بعضه ببعض، ونطقه يظهر انسجاما فيه يصدق بعض الخطاب بعضا، فلا إمكانية للتناقض لما يقود إليه من تهافت القرآن، وانتفاء حجيته.

           3. إن القرآن حمال ذو وجوه، ووجوهه تنقسم إلى ظاهر وباطن، وعملية الاستنطاق تقوم على العبور من ظاهره إلى باطنه، الذي يحتوي على الكنوز المعرفية، والعوالم الفكرية الغريبة والمدهشة، الغير قابلة للاستنفاد.

                            4.  إن ظلمات الجهل والحيرة والضلال والاختلاف، ليس لها معيارية كاشفة وحاسمة إلا القرآن، فمن خلاله يتميز الحق من الباطل.

والخلاصة التي يفضي إليها التركيب بين هذه الإجابات، أن واقعا من العصيان قد حدث، نازعت فيه قريش أولياء الأمر من أهل البيت النبوي، فغصبوهم الخلاقة عن غير جدارة، أدت بهم لان يكفروا ببعض الكتاب، بالتنكر إلى جانبه الباطني، وإلغاء عمقه غير النافد برفضهم التأويل، مما قاد إلى إظهار الدين بمظهر الناقص، والرسول بمظهر المقصّر. كما أدى إلى بروز الفراغ التشريعي، الذي دعاهم لان يقفوا موقف المتدارك للتقصير أو القصور، بالتورط بسن التشريعات التي تسد الفراغ التشريعي، الناشئ عن الاقتصار على ظاهر الكتاب، وأنتجت عملية تراكم التشريعات المستندة إلى الرأي، مع الزمن، شريعة فيها الأحكام والتشريعات ينقض بعضها بعضا، ولما كان التأويل منهجا يحصر حق التشريع في الله وحده، وفيما ينص عليه الكتاب، فان فقهاء وقضاة الرأي باشتراكهم في العملية التشريعية شاركوا الله في حقه، فأصبحوا بممارستهم مهام الإله، آلهة وأربابا. هذه الربوبية التشريعية أنشأت أديانا بعدد فقهاء الرأي، وشكل كل فقيه تيارا في الأمة يقتفي أثره. ولما كان الفقهاء متناقضين، سينشأ عن ذلك واقع الفرقة والمذهبية، التي ستتمزق من جرائها الأمة إلى أحزاب، يلعن بعضها بعضا، ويكفر كل فريق منها الفرق الأخرى. ولما كان الإمام الغاصب، الذي استقضى أولئك القضاة العاملين بالرأي، يصوّب آراءهم على اختلافها، رغم وحدة الموضوع المتعلقة به تلك الآراء. فانه بذلك يدشّن واقع الفرقة في الأمة، ويبارك الجهود، التي يبذلها أولئك القضاة الجهال في تفتيت بنية الأمة، من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وحين يشير الإمام علي إلى خصائص القرآن في نهاية كلامه، إنما يوضح بان الأمور تعاد إلى نصابها فقط، إذا رد الاعتبار للقرآن المؤول.