ما مصدر مفهومي الرأي والقياس كما تضمنتهما
العبارات المتقدمة لعمر: «وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد فيه برأيك/ الفهم الفهم
فيما تلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا سنة، اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور
عند ذلك»؟ هل ابتكرت قريش هذين المصطلحين أم اقتبستهما من البيئة الجاهلية أم
الكتابية أم من الثقافة الإسلامية؟!.
لقد نهى الرسول عن الرأي والقياس، كما تقدم، في
الوقت الذي حض فيه على علم التأويل. فهذان العنوانان، أي الرأي والقياس، كمصطلحين
يتصفان بعلمية، لم تعهد في الوسط الجاهلي، الذي تشح فيه مظاهر العلم والمعرفة، إلا
شذرات لا تكاد تعد شيئا، أمام ركام الجهل والخرافة والأساطير، ومظاهر اللاعقلانية.
ولكنهما، أي القياس والرأي، وُجِدا في خطابات الرسول الناهي عن العمل بهما، وقد
طرحهما في قبال التأويل. وحركة قريش المناوئة للرسالة، العاملة بالمنكر والناهية
عن المعروف: (يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف)67/9. في هذا المسار المناقض
لاتجاه حركة الأمة المسلمة، عملت بالرأي والقياس، وروجت له، وتركت التأويل، ونهت
عنه. واسترشدت في عملها بالتجربة الكتابية عند يهود يثرب، الذين عهدوا التأويل
باعتباره منهجا للكتب السماوية كافة، لكنهم تركوه ليعملوا في كتابهم بالرأي
والقياس، مما أسفر عن تحريف التوراة. وهذا يعززه استنتاجنا السابق، الدال على
استهداء قريش بالتجربة الكتابية، في القضاء على الرسالة، وفي تحريف القرآن.
ويبقى أن نجيب عن الأسئلة: أولا: ما الرأي
والقياس؟ ثانيا: وما صلتهما ببعضهما؟ ثالثا: وما علاقتهما بالتأويل؟.
أولا: إن الرأي والقياس هما مركب معبر عن ممارسة
تأويلية محرّفة، لا تلتزم بضوابط المنهج التأويلي. وتلجأ إلى تجاوزها لتحقيق
المآرب الشخصية، والأهواء التي تحكم عقلية الإنسان المحرّف. ويقصد بالأهواء جملة
التجربة التي خاضها الإنسان في حياته، وتربى من خلالها، فتطبع فيها على حب أشياء
وبغض أخرى. فكانت هذه التجربة في الحب والبغض، هي التي تجعله يحب أشياء، لأنه
ألفها وعهدها، ويكره أخرى، لأنه لم يألفها فأنكرها. فهذه التجربة الشخصية هي التي
تملي عليه أحكامه وآراءه، لتكون بذلك ذات طابع شخصي، نابعة من أوهامه، لا موضوعية
مستنده إلى الواقع. وهي المعبر عنها بعنوان الرأي أو القياس، حيث رأيه هو الحكم أو
الرؤية الصادرة عن عملية احتكام، فيها يحكم على الأشياء في واقعه من خلال عملية
قياس، فيها يقيس ما بين يديه، بما في تجربته الماضية.
ثانيا: وقد يعبر عن الرأي والقياس بالتأويل
كمعنى سلبي، كما في قول الرسول المتقدم: «أكثر ما أتخوف على أمتي رجل يتأول القرآن
ويضعه على غير مواضعه». والتأويل الذي فيه يوضع الشيء في غير مواضعه هو التحريف،
كما ينص على ذلك قوله تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه)13/5. ولما كان مصطلح التأويل
يملك مفهوما إيجابيا واخر سلبيا، كان من الضروري ان تملك كلمتا القياس والرأي
مفهومين سلبيين واخرين إيجابيين. فالقياس،
كمفهوم إيجابي، هو عملية منهجية، ترجع إلى المماثلة بين الظواهر باعتبارها أشباه
ونظائر، للوصول بتنفيذ تلك المقارنات إلى العلم بحقيقة الظاهرة من خلال نظائرها.
بينما الرأي كمفهوم إيجابي هو النتيجة والرؤية المعرفية المترتبة على العمليات
القياسية، التي ينفذها العقل، لينتقل من المجهول إلى المعلوم. إذ ما النشاط العقلي
الا عمليات قياسية؛ مما يعني ان العلاقة بين القياس والرأي هي علاقة المنهج
بالنتيجة. فالرأي هو رؤية معرفية، والقياس هو الوسيلة المنهجية المُعتَمدة لتكوين
تلك الرؤية. هذه العلاقة بين الرأي والقياس في الإطار الإيجابي، هو ما اصطلحنا
عليه بالتأويل كمفهوم إيجابي.
ثالثا: الرأي والقياس، بالمفهوم السلبي،
يتكاملان مفهوميا، أيضا، حيث يراد بهما التعبير عن ممارسة تأويلية منحرفة. فالرأي
كمفهوم سلبي، هو تصور معرفي محرّف للحقيقة. والقياس في السياق السلبي، هو المسئول
عن انبثاق ذلك التصور، فهو ممارسة منهجية خاطئة قائمة على المقارنة بين النظائر،
دون انضباط ولا مراعاة للقواعد الضرورية لسلامة العملية القياسية. مما ينتهي بتلك
المقارنات والقياسات إلى تلك النتائج الشططية، والرؤى الخاطئة، البعيدة عن تمثيل
الحقيقة. ويعبر الرأي عن القياس، والعكس صحيح، من باب تعبير اللازم عن ملزومه.
وعندما يطلق لفظ القياس يقصد به القياس بالمعنى السلبي.
ولما وصلت قريش إلى السلطة أخذت بالرأي والقياس
بمعناهما السلبي، الذي يدعو إلى الخروج عن عملية تأويل الخطاب باستنطاقه، إلى
عملية اختراقه بالأهواء والرأي الشخصي، وهو التأويل المحرف. الذي صرحت به عبارات
عمر المتقدمة، والداعية إلى تجاوز النص، وهي الدعوة المبتنية على محدودية نصوص
الكتاب والسنة. وهي المحدودية التي تضمنتها ذات العبارات المتقدمة، كما في قوله:
«مما ليس في كتاب ولا سنة». وهي المحدودية التي أسس لها، بتجميده الخطاب على قراءة
واحدة ظاهرية، ونهيه عن تعدد قراءات الكتاب. وقيام تأويل الكتاب على الرأي والقياس
كركنين سلبيين، مما أدى إلى تناقض الأحكام القضائية، والفتاوى الصادرة عن قضاة
الأمصار، كما سنرى ذلك في الأوراق آلاتية. بينما يظهر الكتاب في ظل التأويل
الإيجابي، الذي دعا إليه الرسول، وقد حوى تبيان كل شيء. وهذا اللاتناهي لنصوص
الكتاب والسنة، يتم بقراءة الكتاب على عدة قراءات، واعتباره نصا له وجوه، لها ظهور
وبطون. ويكفل التأويل بمفهومه الإيجابي وحدة الأحكام والفتاوى، وينفي عنها التناقض
والتهافت. الا ان ذلك ما رامت قريش إسقاطه، لإظهار الرسالة بمظهر المتهافتة، عندما
يعمل فيها بالرأي والقياس، بعد تجميد الخطاب على وجه لا يعدوه إلى غيره من الوجوه.
بهذا تتبين الخلفية التي انطلق بها الحكّام القادمون في مرحلة ما بعد الرسول،
عندما عملوا بالرأي والقياس* .