إن حصر القرآن في ظل شعار حسبنا كتاب الله، في
قراءة من قراءاته، يجعل الإجراء اللاحق يتحدد في الدعوة لأخذ الكتاب بظواهره، هذا
ما حدث، بالضبط، حيث حاء كتاب عمر إلى ولاته وقضاته في البلاد الإسلامية، يحض على
ان يقضوا، ويفتوا بجهد رأيهم، وهذا يدل على تصوره للقرآن بظاهره فحسب، وهو ما يقضي
بمحدوديته. وحينها يفسح المجال للأخذ بالرأي في المسائل، التي ليس لها ذكر في ظاهر
القرآن، بذلك تجرّد القرآن من خصائصه، كفصل الخطاب، وتبيان لكل شيء. فلم يعد يفسر
بعضه بعضا، وإنما يفهم ويفسر بكلام العرب وأشعارهم، لذلك كانت دعوة عمر لاعتماد
أشعار الجاهلية: «قال عمر لأصحابه: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية، فان فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم»[58] . وكتب إلى أبي
موسى الأشعري، وآليه على البصرة : «القضاء فريضة محكمة، أو سنة متبعة، ثم قال:
الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا سنة، اعرف الأشباه والأمثال،
وقس الأمور عند ذلك»[59] ، «ولما ولي شريحا قضاء الكوفة، قال له: انظر ما
يتبين لك من كتاب الله، فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسول
الله (ص) وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد فيه برأيك»[60] . فأصبح ما لم يرد فيه خطاب قرآني ظاهر، ولم
تتعرض له أحاديث الرسول بصورة صريحة، للقاضي ان يرى فيه رأيه.
يتبين من كتب عمر إلى الولاة والقضاة انه يدعو
ظاهرا إلى الكتاب والسنة، ولكنه في الحقيقة يدعو إليهما بعد التعديلات، التي اتخذها
اتجاههما، وهذا يتضح بدعوته لتفسير القرآن بأشعار الجاهلية بدل تفسيره استنطاقا،
ورؤيته لمحدودية علم الكتاب. مما يوحي لمخاطبه، بإمكانية ورود موضوع ليس له أصل في
الكتاب والسنة، ولا يمكن تصور ذلك الا في إطار النظر إلى القرآن والسنة،
باعتبارهما وجها ظاهرا ونصوصا جامدة. ثم يحرض القاضي شريح على الاستئثار بجهده،
فإذا ما تعذر عليه فهم الكتاب والسنة في أمر ما، فانه لا ينبغي ان يسأل أحد. في
وقت ورد توجيه الرسول للفقهاء: ما تشابه عليكم ردوه إلى أهله، ممن هم أكثر رسوخا
في القرآن ليخبروكم. فدعا عمر في كل خطاباته إلى الرأي، الذي يحوّل المفتي إلى
مشرِّع في قبال تشريع الله. ونموذجا لقاضي الرأي زيد بن ثابت (المرجع الأعلى)
لقرّاء وفقهاء الإسلام في الحكومة القرشية، وفيه يقول عمر: «أهل البلد - يعني
المدينة - محتاجون إليه فيما يجدون إليه، وفيما يحدث لهم
مما لا يجدونه عند غيره»[61] ، قال ذلك في سياق تعليل إمساكه إياه دون
الصحابة، لا يكلفه بمهام خارج المدينة عاصمة الخلافة. ويعترف زيد باعتماده الرأي
في الفتوى، فحين جاءه أناس يسألونه، وجعلوا يكتبون كل شيء قاله، ثم اطلعوه على
ذلك، قال لهم: «لعل كل الذي قلته لكم خطأ، إنما قلت لكم بجهد رأيي»[62] . وكما شرعت قريش للرأي بصورة فردية، شرعت له
بصورة جماعية، حيث ان عمر وأبا بكر كانا إذا استشارا جماعة في حكم، فأشاروا فيه
برأي، تبعه الناس، ولا يسوغ لأحد ان يخالفه، وسمي إبداء الرأي بهذا الشكل إجماعا[63]
..