الاتجاه الأول

بعد أن دوّن زيد بن ثابت القرآن، في عهد الخليفة الأول، مؤلفا له على قراءة لا تضر باستقرار السلطة، ولا تزوّد خصوم الحكم من أهل البيت بالحجة المثبتة، لأولويتهم بالخلافة، فان قريش أرادت ان يكون للمصحف، الذي ألفه زيد، المرجعية العليا، فهو مصحف الدولة الرسمي! وان يعتبر زيد هو القارئ المرجع للقرّاء! وقراءة مصحفه هي القراءة القرآنية، وكل ما عداها من قراءات مجردة عن وصف القرآنية! وهو ما يترتب عليه المنع من تحريك الخطاب تأويلا، وإيقاف العمل به كأداة منتجة للقراءات القرآنية! إذ ما دام التأويل حليف القرآن، فان ما طمر من فضائح قريش في الباطن القرآني، يمكن ان يعاد نبشها بالتأويل!! الا ان هذه المطالب لو خرجت للرأي العام لأحدثت فضيحة، لذلك غطوا عليها بالادعاء بان التأويل ينتج الاختلاف في القرآن، ثم ان ضرب القرآن بعضه ببعض كفر، كما ورد عن الرسول، وبالتالي فان العمل بالتأويل  في القرآن محظور‍!!.

تحرك عمر بناء على هذا المخطط، ليخرجه من الإطار النظري إلى الإطار العملي بخطى حثيثة، فكان يطارد القرّاء، ويحاسبهم على كل قراءة تبلغه عنهم، فيها مخالفة لقراءة المصحف الرسمي، المحتوي على قراءة زيد. فكانت له الكثير من المواقف الصدامية، مع فقهاء الاسلام، الذين يقرؤون القرآن على أوجه سبع منزلة. فكان من جملة ما يرويه التاريخ عن مواقفه، انه مر بغلام وهو يقرأ في المصحف: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم)، فقال: يا غلام حُكّها! فقال:  هذا مصحف أبي  بن كعب! فذهب إليه، فقال أُبي: انه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق*[50]  ، ولما جاء أهل دمشق يعرضون مصحفهم على قرّاء المدينة من الصحابة فقرئ على عمر، قوله: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم حميّة الجاهلية، ولو حميتم لفسد المسجد الحرام)، فقال عمر: من أقرأكم؟ قال: أبي بن كعب، فاستدعى أبي، فقال: أبي للدمشقي الذي رافق رسول عمر إليه: ما كنتم تنتهون معشر الركب أو يشرقني منكم شر، فلما أتى عمر، قال: اقرؤوا الآية، فقال أبي: انا أقرأتهم، فقال عمر لزيد: اقرأ، فقرأ زيد قراءة العامة، فقال عمر: اللهم لا أعرف الا هذه، فقال أبي: والله يا عمر، انك تعلم اني أحضر وتغيبون! وأدخل وتحجبون! والله لئن أحببت لألزمن بيتي ولا أحدث أحدا بشيء!!»[51]  . فعمر في هذا الخبر يتنكر لكل قراءة دون قراءة زيد، ولكل مرجعية غير مرجعية زيد، رغم ان زيدا قد قرأ على رسول الله، كما قرأ غيره، فلا ميزة أو أرجحية لقراءته على قراءات بقية الصحابة، ومن جملتهم أبي بن كعب. كما ان كل القراءات التي يتصرف إليها القرآن تأويلا قراءات قرآنية. بينما إصرار عمر على التنكر لها جميعا يؤدي إلى رفضه للقرآن الغير محصور الآيات. وهو ما يترتب عليه جحوده ببعض القرآن، محققا قوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض). ويظهر من عبارة (قراءة العامة) إن قراءة زيد أخذت تثبت وتروج كقراءة يلتزم بها الوسط العام، فهي مفروضة على مساجد البلاد المفتوحة، وحلقات القرآن المقامة فيها. ولكن ذلك لا يعني عدم وجود اختراقات لأوامر السلطة، ولإحساس رأس السلطة بذلك، كان يتسقط أخبار القرّاء والمحدثين. يدل على ذلك كتاب عمر إلى ابن مسعود مقرئ أهل الكوفة وقاضيها، بان لا يقرأ على لغة هذيل، ويقرئهم على لغة قريش، زاعما ان القرآن نزل بلغة قريش، لا لغة هذيل![52]   .

إن التجريد للقرآن الذي دعا عمر ولاته للقيام به، قائلا: «أقلوا الحديث وجرّدوا القرآن وأنا شريككم». نفهمه على ضوء خبر عامر الشعبي، حيث قال: «كتب رجل مصحفا، وكتب عند كل آية تفسيرها، فدعا به عمر، فقرضه بالمقراضين»[53]  ، وقد تقدم بيان طبيعة التفسير القائمة في تلك الحقبة المتقدمة على التأويل، الذي فيه تلحق الآية المحكمة بالمتشابهة، ليؤلّف من الآيتين مركب، يمثل آية مستحدثة. الا ان الخبر يظهر مكافحة عمر ورفضه لذلك، باستهدافه بالتجريد والقرض. ويعزز ذلك نبأ الرجل القادم من البصرة، للسؤال عن التشابه في القرآن، فحينما ارتقى خبره بواسطة الرقباء والعيون المبثوثة في كل مكان، ألقى عمر عليه القبض وعالجه بالضرب المبرح أمام الملأ، حتى ترك ظهره دبره، وتركه يبرأ، ثم كرر ضربه، وحين دعاه للثالثة استرحمه، فقال: «ان كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي  موسى الأشعري - وآليه على البصرة - الا يجالسه أحد»[54]  ، لقد وجّه الرسول المسلمين بالقول: «من رد المتشابه إلى المحكم فقد هدي إلى صراط مستقيم»، فكان التأويل  يتلخص في عملية نسخ التشابه وإحكام وجه الآية في وجه من وجوهها، عبر عملية استنطاقية، فيها القارئ يسأل والقرآن يجيب، ومن يتعذر عليه رد المتشابه، ومتابعة التأويل  في الموضوع البحوث، فان توجيه الرسول يستهدفه بالقول: «اقرؤوا القرآن وما تشابه عليكم ردوه إلى أهله يخبروكم»، فكان الرجل القادم من البصرة لا يخرج عن هذا التوجيه النبوي، بل ينسجم موقفه تمام الانسجام مع مشروع القرآن الانهاضي هذا، لكن مشكلته ظهرت في ظل السلطة، التي تستهدف التأويل  بالمحق، وتسعى للقضاء عليه، وتسرّب العمل بالتأويل إلى البلاد المفتوحة، أمر كان يثير غيظ عمر، ويدعوه لان ينزل بالرجل عقوبة الجلد، بصورة تخرق قانون العقوبة في الإسلام، باعتبار أن الرجل أولا لم يكن مذنبا وانما مارس شعائر دينه، ولو فرضنا أن هناك ذنبا فان العقوبة لا ترتقي ولاتصل إلى هذا اللون من التنكيل الدامي، والمتكرر أيضا، وكان إعلان العقوبة على الملأ فيه من (التشهير) ما يستهدف إشاعة الإرهاب في وسط الأمة، ليردع كل من تحدثه نفسه بخرق وتحدي قرارات السلطة، ثم في فرض الحصار الاجتماعي عليه، بعد نفيه إلى بلاده، صورة أخرى من صور التنكيل والاستضعاف، فلم يفرض الرسول المقاطعة الاجتماعية، الا على المتخلفين من المنافقين، كما فعل مع الثلاثة الذين تخلفوا عنه، وقد ذكر خبرهم القرآن. هكذا نرى كيف يجزى المحسن بعقوبة المسيء في ظل الخليفة العادل!.

ورغم كل تلك الجهود المبذولة، فان واقع القراءة على سبعة أحرف، والخطاب القرآني الغير محصور الآيات، لم يستطع عمر ان ينهيه بين عشية وضحاها، فقد تسرب واقع الفقه كما أسسه الرسول إلى البلاد المفتوحة مخترقا الحصار، رغم كل تدابير عمر وإجراءاته وتوصياته المفروضة على بعوثه، ورقابته على عماله وولاته، وتسقطه اخبار مقرئي البلاد المفتوحة؛ فقرأت البصرة بقراءة أبي موسى، وأبيّ بن كعب، وقرأت الكوفة بقراءة ابن مسعود، وقرأت دمشق بقراءة أبي الدرداء، وقرأت حمص بقراءة المقداد بن الأسود[55]  . فقد التزم تلامذة الرسول المخلصين لنهجه بالطريقة، التي أقرأهم بها، فلم يكفوا عن القراءة على سبعة أحرف، ولا عن التحديث عن الرسول (ص) رغم النهي. خصوصا لما ابتعدوا عن مركز السلطة. يضاف إلى ذلك ان قراءة زيد لم تكن ثابتة من ناحية الشكل والإعجام، وهذا ما يساعد على تعدد القراءة في هذا الإطار. يدل على هذا التسرب، للواقع الفقهي، الخبر:

«قال ابن ماهاك: اني لعند عائشة إذ جاءها عراقي،...

قال: يا أم المؤمنين! أريني مصحفك!.

قالت: لِم؟!.

قال: لعلي أُولف القرآن عليه، فانه غير مؤلّف!.

قالت: وما يضرك أيّها قرأت!»[56]  .

هذا الخبر يدل على انتقال اختلاف نظم آيات القرآن إلى البلاد المفتوحة. واختلاف النظم يدل على تعدد القراءات، وعدم انحصار عدد الآيات، نتيجة قراءة بعض القرآن في بعض. وكانت عائشة في توجيهها توضح أن تأليف القرآن على عدّة وجوه، ونظمه على أكثر من قراءة، يمثل طبيعة القرآن في ظل التأويل، فعبارة عائشة: «ما يضرك أيّها قرأت»، تنطلق من مقولة الرسول: «ان القرآن انزل على سبعة أحرف بأيها قرأت أصبت، كلها كافٍ شافٍ، بايها قرأت فقد قرأت». هذا التسرب لفكرة الأحرف السبعة، وما يغذي واقعها من اختلاف المصاحف في أيدي القرّاء، والذين نقلوا بدورهم إلى تلامذتهم غير منضبطين بتعاليم الحكّام القاضية بوجوب التوقف عن ذلك، وبالتزام قراءة زيد المرجعية. هذا الواقع هو الذي حدا بعمر في نهاية المطاف لان يفكر في مصادرة المصاحف من أيدي الناس والقرّاء، ويقوم بحرقها[57]   ، كتعبير عن اتساع الرقع على الراقع، ولإتيان نفس الإجراء ثماره في إطار الأحاديث، عندما صادرها واحرق صحائفها، ولكن الموت حال بينه وبين ذلك. الا انه ورّث هذا المخطط لعثمان، الذي التزم الدور المناط به بحذافيره، وبمعونة أموية، ليكمل الفصل الأخير من المخطط، الذي عُنون بشعار حسبنا كتاب الله، وهي كلمة حق أريد بها باطلا، تمثل في تجريد القرآن من التأويل، ومن الأحاديث التي تمثل بيان الرسول للكتاب، وحصر الكتاب في قراءة يتيمة، تؤخذ بظواهرها. وهي سياسة تجهيل وتحريف للقرآن، كما عرفنا، تجعل المسلمين كأهل الكتاب أميين، لا يعرفون الكتاب الا أماني، وهو ما صرح به عمر نفسه.