لم يستمر أبو بكر في الخلافة أكثر من عامين،
وتوفي مسموما كما في بعض الأخبار[31] ، ولم يكن دسّ السم وقتله، ليخرج منافسيه على
الزعامة عن دائرة الاتهام، مما يرجح انها عملية تصفية بين الشركاء المتصارعين في
الخفاء، على غنيمة الملك العقيم، وهو موضوع خارج دائرة البحث، مما يجعلنا نكتفي
بهذه الإشارة، وتولى عمر الأمر من بعده.
انتشر الصحابة في عهد ابي بكر في البلاد
الاسلامية، يحدثون الناس بأحاديث الرسول، وبذلك يتجاوزون البيان الذي يحظر
التحديث، الا ان باستلام عمر للسلطة، طالب عُماله على الولايات الاسلامية، ببعث
الصحابة اليه، فخاطبهم بعد جمعهم، بالقول: «ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن
رسول الله في الآفاق، قالوا: أتنهانا، قال: لا، أقيموا عندي لا والله لا تفارقوني
ما عشت، فنحن أعلم نأخذ ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات»[32] ، ففرض عليهم الإقامة الجبرية في عاصمة الخلافة
على امتداد فترة حياته، وقال مقولته: «ها اني ممسك بباب هذا الشِعب ان يتفرق أصحاب
محمد في الناس فيضلوهم!!»[33] ، وكتب إلى ولاته وعماله في البلدان: « من كتب
حديثا فليحرقه»[34] ، وصار الصحابة من المهاجرين والأنصار، لا
يخرجون من المدينة في عهد عمر، الا بإذن وأجل، حتى توفى عمر[35] .
كان الصحابة الفقهاء لا يخرجون الا لمهمة يكلفهم
بها الحاكم، وكان عند تكليفهم يخرج معهم مشيعا، ليوصيهم بالقول: «أقلوا الحديث
وجرّدوا القرآن وأنا شريككم»[36] ، وحين وصل أحد تلك البعوث إلى حيث توجه، خاطبه
الناس: «حدثونا، قالوا: نهانا عمر»[37] ، فكانت الوصية بإقلال الحديث تفيد النهي، وهو
ما ينسجم مع البيان، الذي صدرته السلطة، ونهت فيه عن رواية الاحاديث، تحت شعار
حسبنا كتاب الله.
ويمكن تسليط الاضواء على طبيعة تعامل عمر مع
المحدثين، فقد تهدد من لم ينته منهم عن ترك الرواية والتحديث، بإنزال عقوبة
الإفساد في الأرض به. فمثلا، توعد أبي بن
كعب بالنفي بالقول: ((لتتركن الحديث أو لألحقنك بارض القردة))**
[38] ، وتهدد أبا هريرة بنفس العقوبة،
فقال: ((لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس))** ، وهي قبيلته التي قدم منها إلى المدينة عاصمة الخلافة. وإذا ما سأل
من حوله سؤالا، فأجابه أحدهم بحديث، توعده بالعقاب، إذا لم يأته بشاهد شاركه سماع
الحديث، ومن صور هذا الإرهاب الفكري، الذي مارسه عمر مع الصحابة، ما جرى بينه وبين
أبي موسى الأشعري، الذي برر موقفه لعمر بحديث رواه عن الرسول، فقال له عمر:
«لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك - يقول الراوي- فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه
ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمعه أحد منكم، فقلنا: نعم، كلنا
سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره»[39] ، ولم يكن هذا الإشهاد أسلوبا في تحقيق
الأحاديث، إذ تحقيق الاحاديث عملية تقوم على العرض على الكتاب، الذي هو مصدر
الأحاديث، فالاحاديث هي الأفكار القرآنية، التي تنسب إلى الرسول كأحاديث، باعتبار
منطقه لا يعدو القرآن. وهذا ما يكشف عن الغايات، التي توخاها عمر، والتي يمكن
ايجازها في النقاط التالية:
أولا: حصر مفهوم الحديث فيما نطق به الرسول
فعلا، وما نطق به لايحوي كل الفكر القرآني، حيث ظاهر بيان الرسول متحددا بالظرفين
الزماني والمكاني، وبالمشاكل المحصورة في اطار عهده. في وقت كان الفقه مفتوحا على
تطورات الحياة، بتأسسه على قاعدة: حدثوا عني ولاحرج، فكل ما طابق الكتاب حديث،
حدّث به الرسول، أو لم يحدّث.
ثانيا: منع رواية المسموع عن الرسول، وذلك بأن
يكلف الراوي بما لا يطيق، إذ ليس كل حديث نطق به الرسول، ألقاه على مسامع الملأ،
كي يشهدوا على ذلك. فإذا لم يستطع الراوي إثبات الحديث، الذي سيلقيه، بشاهد آخر،
سوف يحجم عن الرواية، ومع تقدم الزمان وتفرق الشهداء في البلدان، وتخطف الموت لهم،
ستتعطل رواية الأحاديث، وفي نهاية المطاف تتعرض للاندثار.
ثالثا: تأكيد إلغاء التأويل، الأداة المنتجة
لأحاديث السنة، والمحافظة على نقائها، ليدوم تناقض السنة واختلافها بما فيها من
موضوعات، ويستمر تعطيل روايتها، بحجة ذلك التناقض والاختلاف، واستمرار مصادرة
الصحائف وحرقها، ومصادرة الزمن لأرواح الحفظة، فتموت السنة بموتهم.
إلا أن عمق هذه النقاط يتجلى في الرغبة التي تحدو
الحاكم بتصفية واقع الفقه والعقلانية في الأمة، والمتحقق بالممارسة التأويلية،
باعتبارها قوام العملية الفقهية، وأساس العقلانية. وهذا الإجراء يفترض ان يؤدي في
مخطط قريش، إلى احتباس الخطاب في قراءة يتيمة وعقيمة، لا تزود الأمة بالأحاديث.
فالأحاديث النبوية في مشروع الرسالة، لا ينبغي لها ان تنقطع عن تسديد مسار الأمة،
ورسم خطاها، رغم رحيل الرسول عنها، وذلك
متحقق من خلال ورثة الرسول من الفقهاء المحدثين، الذين يمثلون لسان الرسول،
المكتوب له الخلود، بخلود القرآن والفكر القرآني، فقريش وأحلافها الذين قضوا على
الرسول جسديا، أرادوا أيضا ان يقضوا على حياته المتجلية في فكره الحي، المواكب
للأمة في مسيرتها التاريخية، ولا يتم لهم ذلك الا بالإجهاز على روح الفقه
المتجوهرة في التأويل، الذي يمنح القرآن اللانفادية، ويفجر ينابيعه لتجري الأحاديث
على ألسنة المحدثين، كما وصف الإمام علي القرآن بالقول: «حديثا لمن روى».
ومن ضمن الإجراءات المتّخذة في إطار المكافحة
لتراث الرسول، بغية القضاء عليه، مصادرته للأحاديث من أيدي الناس بكل حيلة ووسيلة،
والقيام بمعالجتها بالنيران، على منهاج الزعيم الأول. ففي الخبر :«بلغه ( أي عمر )
أن في أيدي الناس كتبا، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيها الناس انه قد بلغني انه قد
ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتابا
إلا أتاني به فأرى فيه رأيي، قال الراوي: فظنوا انه ينظر فيها ويقومها على أمر لا
يكون فيها اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثم قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب»[40] ، إن العبارة الختامية تلخص الغاية التي يتوخاها
المخطط، حيث الهدف تجريد القرآن من بيان الرسول، وتقويض مشروع الإنهاض الفكري،
الذي بعثه الرسول في جزيرة العرب، ومن ضمن المعطيات الأساسية في بيان الرسول تعليم
المسلمين الحكمة، المتجلية في التأويل، كمنهج لفقه المعرفة. فالغاية تحويل
المسلمين إلى أميين كبني إسرائيل، المثال النموذجي، الذي تستلهم قريش منه منهجها
في إضلال الأمة، ويصادق على ذلك ما تؤول إليه عبارة: «أمنية كأمنية أهل الكتاب»،
حيث تؤول إلى قوله: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أماني)78/2، ليأتي زمان على
المسلمين يقرؤون الكتاب لا يتجاوز تراقيهم، دون أدنى دراية بكيفية الوصول إلى
مدخراته المعرفية، ليصبح القرآن حينها مجرد أماني.
وقد وضعت الأحاديث لتبرير مخطط التقويض لتراث
الرسول(ع)، فروي عن أبي هريرة: «كنا قعودا نكتب ما نسمع فخرج علينا، فقال: ما هذا
الذي تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ فقلت: ما نصنع، فقال:
اكتبوا كتاب الله امحضوا كتاب الله، أكتاب غير كتاب الله امحضوه أو خلصوه، قال:
فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثم حرقناه بالنار»[41] . فمن خلال هذا الحديث وأمثاله تعطى الشرعية
لأعمال الحكّام، وما يقومون به من مصادرة وحرق لصحف الحديث، وتجريد القرآن من بيان
الرسول. وهذا الاتجاه من الأحاديث، واضح البطلان في محاولته، لإثبات مشروعية
المصادرة والحرق، استنادا إلى النهي النبوي المزعوم، وإقرار المدعي بمصادرة وإحراق
ما كتب عنه، ويدل على البطلان، الكثير من الأحاديث الحاثة على كتابة الأحاديث[42]
، وقد تقدم بعض منها، مما يظهر هذا الحديث
وأشباهه في وسطها نشازا. بالإضافة إلى معارضته للكتاب، الذي أوضح قرآنية منطق
الرسول، وتجرده عن الهوى. كما يبطله ما روي عن أبي هريرة نفسه، راوي الحديث، فعن أمية الصمدي،
قال: «حدثت عن أبي هريرة بحديث فأنكره، فقلت: إني قد سمعته منك، قال: إن كنت سمعته
مني فانه مكتوب عندي، فأخذ بيدي إلى بيته، فأراني كتابا من كتبه في حديث رسول الله
(ص)، فوجدت ذلك الحديث، فقال: قد أخبرتك إني إن كنت قد حدثتك به فهو مكتوب عندي»[43] ، فهذا الخبر يبين أن التدوين كان جاريا على عهد
الرسول (ص)، وقد تراكمت صحائف الحديث عند أبي هريرة، مما دوّن في ذلك العهد، وكل
ما يرويه كان من تلك المدونات، قبل أن يتحول إلى صف السلطة، ويبدأ بالوضع لخدمة
سياستها وأغراضها، وفي ذلك يقول علي (ع): «أكذب الأحياء على رسول الله أبو هريرة
الدوسي»[44] .
وفي الوقت الذي مُنع التحديث عن الرسول، واختفت
تلك الظاهرة من المسجد، كما اختفى تعليم التأويل، سمح لكعب الأحبار اليهودي،
المتهم في إسلامه، ان يروي الإسرائيليات جهارا. وسمح للناس ان يدونوا أحاديثه المفتريات،
التي نهى عنها الرسول وكان فعل عمر من أسباب هذا النهي. فقد جاء عمر بالتوراة
المعربة إلى الرسول يستجيزه الأخذ بها، فغضب الرسول وصعد المنبر وقال كلمته التي
جاء فيها: «لا تسألوا أهل الكتاب، أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد
جئتكم بها بيضاء نقية»[45] ، وهو الذي قال للرسول: «إنا نسمع أحاديث من
يهود تعجبنا، أفترى نكتب بعضها؟ فنهى الرسول عن ذلك»[46] . وعن الإسرائيليات ودخولها يقول ابن كثير:
«وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها
مأخوذة عن كعب الأحبار، فانه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عن كتبه قديما، فربما
استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه، غثها وسمينها.
وليس لهذه الأمة -والله أعلم- حاجة إلى حرف واحد مما عنده»[47] . كما أذن عمر لتميم الداري، وقد كان نصرانيا من
نصارى اليمن ادعى الإسلام، أذن له ان يقصّ على الناس يوم الجمعة قبل ان يخرج- أي
عمر- من مسجد الرسول[48]
. وهذه الرواية التي يمارسها أهل الكتاب في مسجد
الرسول، تتم في الوقت الذي يمنع محدثو الإسلام من الرواية عن الرسول، وفي ذلك
اختراق كبير للتراث ذهب بصفاء الرسالة، فلم تكن عبارة الرسول الموجهة لابن الخطاب
ترد جزافا، وانما كان يخاطبه من منطلق رؤيته المستقبلية، التي تحيط بما سيقدم عليه
عمر.
كان المخطط منذ عهد الرسول، يشير إلى وجود تعاون
بين قريش وأهل الكتاب، يهدف إلى بلبلة الفكر الإسلامي، وتشويه النهوض القرآني،
بإدخال فكر أهل الكتاب المحرف. فالإجازة التي طلبها عمر لترويج التوراة المعربة،
صده الرسول عنها ونهاه، لكن هاهو يحصل عليها بعد اغتصابه السلطة، فيجازي الرسول
بمصادرة وحرق صحف ألحديث، ويجيز لأهل الكتاب رواية كتبهم وتحريفاتهم، ويجيز
للمسلمين تدوين مفتريات اهل الكتاب، وروايتها، ويمنعهم من تدوين السنة وروايتها.
انه موقف نفسي محتقن بالكره والضغينة تجاه الرسول، ناقم أشد ما تكون النقمة على
الإسلام، وهو ما يدفع صاحبه إلى التطرف في عداوته، التي يعبر عنها من خلال تحالفه
مع اليهود، أشد الناس عداوة للذين آمنوا، بإفساح المجال لهم ورعاية نشاطاتهم في
إفساد عقول أمة الإسلام، وتشويه تراث الرسول بكل ما يمتلكونه، من حقد وخبث وعداوة.
وهو من ورائهم يشهد ويراقب، علّه ينفس عن احتقان ذاته، ويخفف من أسر عُقده
بهذا التشفي.
ولم يكن هذا النشاط المتنامي في تشويه الرسالة
والقضاء عليها، ليجعل المخلصين يصمتون عن تحالف قوى النفاق وأهل الكتاب ضد
الإسلام. فقد قام ابن عباس في الناس خطيبا فاضحا النشاط المشبوه، لأهل الكتاب
برعاية قريش فقال: «يا معشر المسلمين! تسألون أهل الكتاب وكتاب ربكم الذي انزل على
نبيه (ص)، أحدث الأخبار بالله تقرؤونه لم يشب، وقد حدثكم الله ان أهل الكتاب بدلوا
ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: : (هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا
قليلا)79/2، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم والله ما رأينا رجلا منهم
قط يسألكم عن الذي انزل عليكم»[49] ، وعند تحليلنا لخطاب ابن عباس يسترعي انتباهنا
ان ابن عباس يشير إلى كلمة الرسول لعمر « جئتكم بها نقية بيضاء» وبإيضاحه ان كتاب
الله مازال حديث النزول، صافي النبع، لم يتعكر بشائبة التحريف، فكيف تتحولون عنه
إلى كتب أهل الكتاب، وتبدؤون بالاستماع إليهم في مسجد الرسول، وتدونون عنهم. ثم
يتعمق ابن عباس اكثر في تحليله، حين يستند إلى القرآن في الكشف عن بواطن الأمور
المحدثات آنذاك، فيوضح ان القرآن في تقييمه لأهل الكتاب، انتهى بالحكم عليهم بانهم
باعوا رسالة انبياءهم بتحريفها مقابل جاه الدنيا، الذي مهما تعاظم كسبهم منه، فهو
ثمن بخس، هذا هو الوجه التاريخي للآية. أما الوجه المعاصر منها لابن عباس، فيوضح
ان النشاط الحديثي والروائي لأهل الكتاب في صفوف الأمة، القائم على تحديثهم
المسلمين بما جاء في كتبهم القديمة، المخترقة بالتحريف، إنما يعيدون بذلك عجلة
التاريخ إلى الوراء، ليمارسوا دور آبائهم التاريخي في تحريف رسالات السماء،
بتحريفهم وتعكيرهم صفو الرسالة الإسلامية، وانهم لا يفعلون ذلك الا في نفس السياق
الذي فعله آباؤهم، مقابل ثمن يتقاضونه، وفعلا، كان كعب الأحبار وتميم الداري من
المقربين لعمر، وممن يستشيرهم، ويغدق عليهم العطاء.
ثم يهيب ابن عباس بالمسلمين محفزا فيهم دواعي
الخير والتقوى، لأن يجعلوا توصيف القرآن الفاضح لأهل الكتاب، في مسعاهم المتحالف
مع قريش رادعا، ثم يبالغ في فضحهم حين يتهمهم في إسلامهم، ويدلل على ذلك ان أهل
الكتاب هؤلاء المدعين الإسلام، ما كانوا يعبأون بالسؤال عما انزل من قرآن، لاسيما
واغلبهم اسلموا فيما بعد وفاة الرسول. فكان حريا بصادق الإيمان ان يسأل عن ملابسات
الواقع الإسلامي، في بدء ظهوره، وتفاصيل الكثير من الأمور التي لها ارتباطها
بالقرآن، فحينما لا يعبأ هؤلاء الا برواية ما جاء في كتبهم المحرفة، رغم ادعائهم
الإسلام، فذلك يعني انهم يتخذون من الإسلام مسوحا وجنّة ليبشروا باليهودية
والنصرانية، ببذر بذورها في الفكر الإسلامي. وعلى ضوء معرفتنا بمخطط قريش، فانهم
يهدفون إلى كيد الرسالة بتحويلها إلى صورة مشابهة، لما عليه التوراة والإنجيل
المليئة بالأساطير والخرافات، وفعلا، فعلوها كما نجد فيما وصلنا من كتب الحديث،
التي تغص بالإسرائيليات خرافات وأساطير، وبما وصلنا من تفاسير قرآنية، جهل أصحابها
التأويل، فاستعانوا على تفصيل الخطاب في جوانبه المجملة، لاسيما قصص الأنبياء، بما
ورد عن أهل الكتاب من مرويات أسطورية. فكان الدّس في إطار الحديث، والرأي في اطار
القرآن، يشوه فكر الرسالة، ويعكر صفاء نقائها، ويلبس أمرها على الأمة، ويبلبل
فكرها.
من جهة أخرى، نجد ان عمر قد تحرك على محور
القرآن ومحور الحديث جنبا إلى جنب. فاستهدف القرآن من خلال اتجاهين. الأول: المنع
من تعدد قراءة الخطاب القرآني على سبعة أحرف. والثاني: نشر الرأي كمنهج للاستنباط
بديل عن التأويل، ويمكن تناول كل اتجاه من هذين الاتجاهين بالتفصيل كالتالي: