استهداف القرآن

إن مجيء الإمام علي بالقراءة التي ألّفها تأويلا، استعجل قريش للقيام بالإجراء، الذي ينبغي ان تتخذه تجاه تعدد قراءات الخطاب القرآني. فلابد ان تضع حدا لإنزال الآيات تأويلا! وإلا انتهى بها المطاف إلى انتقاض البيعة المأخوذة عنوة، إذ مهادنة الجيل المعاصر لها قد لاتتحقق في الأجيال اللاحقة، إلا اذا دفنت العلم القرآني، وأوقفت حركته التأويلية، التي يمكن ان تظهر ما أحدثته، وتشخص الحق من الباطل، الذي التبس في أمر الولاية، وهو ما تنبأ به الرسول بحديثه المكثف عن ارتفاع علم القرآن: «تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض به»[20]  ، فعملية تقويض علم القرآن، عملية إفراغ للإسلام وتقويض لمحتواه الداخلي، لن يبقى منه الا الاسم، وتظهر نبوءة الرسول انطلاق عملية الإفراغ مع رحيله، لذلك لازم بين قبض روحه وقبض علم القرآن، ويوضح أبو ذر الصورة في تتمة كلامه الآنف، فيشير إلى استعجال قريش بإصدار بيان منع بحق تأويل القرآن، مشابه للبيان الصادر بحق رواية الحديث، فيقول: «.. ثم أحضروا زيد بن ثابت، وكان قارئا للقرآن، فقال له عمر: ان عليا جاءنا بالقرآن، وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا ان نؤلف القرآن، ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك»[21]  ، وفي خبر آخر: «وأوكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء الله فألفه على اختيارهم»[22] ، أي بالقراءة التي اختاروها. فكلا الخبرين يدلان على استهداف قريش للقراءات القرآنية، التي أنزلت الآيات في موضوع الولاية، ففضحت قريش. فأظهرت أسماء أهل البيت باعتبارهم خلافاء، أو فضحت بعض رموز النفاق، بذكر اسماءهم.

فكان المطلوب من القارئ زيد بن ثابت، الذي دعم موقف المهاجرين في السقيفة، ان يقوم بعملية مراجعة لأحد المصاحف الحاوية للقرآن، ويصرّف كل الوجوه والقراءات التي تشكل خطرا على قريش وحكومتها، إلى وجه وقراءة لا تحمل ذلك الخطر، فأخفيت بذلك الوجوه المتعلقة بالخلاف، وطمست القراءات، التي تظهر أمر الولاية سلبا أو إيجابا.

ولم يكن الجمع الذي قام به زيد، بطلب من زعيم قريش، وبمعونة الرجل الثاني في الحركة، جمعا من أفواه الرجال، كما تزعم بعض الأخبار، باعتبار القرآن في إطار عملية التصريف كانت قراءته تتفاوت من فقيه لآخر، وكل قراءة هي قرآن. ولم يكن الحديث عن عدد الآيات واردا في ظل عملية تزاوج الآيات غير المتناهي، وهو ما يعني باختصار عدم تناهي آيات القرآن، فهذا الواقع القرآني المطلوب تطويقه، كان يتطلب اعتماد قراءة مصحف من المصاحف المنتشرة، في أيدي المسلمين، وتنقيتها من كل ما فيه مس بأمن الكيان الحاكم، ثم اعتمادها باعتبارها القراءة القرآنية الوحيدة، التي لها المشروعية، وتتصف بالقرآنية، وكل ما عداها من القراءات تصبح مسلوبة القرآنية، ومنتجها إنما يخترق الحظر المفروض على القراءات، ويعرض نفسه للمساءلة أمام السلطات الحاكمة، التي لها الحق ان تنزل به العقاب الذي تراه. فاعتمد زيد في تصريفه قرآنا كان قد دونه أبو بكر، ففي الخبر عن ابن شهاب: «إن أبا بكر كان جمع القرآن في قراطيس، وقد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك فأبى، فاستعان عليه بعمر ففعل»[23]  . فلم يكن جمع القرآن من أفواه الرجال، كما تزعم بعض الاخبار.

ومن جملة القراءات التي شاعت بين الناس، ودونتها مصاحفهم، واستهدفها زيد بالتصريف، قراءة ابن مسعود لقوله: (يا أيها النبي بلغ ما انزل إليك من ربك ان عليا أمير المؤمنين)[24]  ، وقراءة اخرى له رواها الثعالبي في تفسيره: (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين)[25]  ، فهاتان قراءتان من جملة القراءات التي كانت قريش منذ عهد رسول الله تنفر منها، لذلك فقد طمسوها بعد وفاة الرسول. وتحدث الإمام الصادق عن العملية التصريفية، التي قام بها زيد بأمر من القوة المسيطرة عنوة، فقال: «فأسقطوا آل محمد من الكتاب»[26]  ، وأضاف: «كانت فيه أسماء الرجال فألغيت، وانما الاسم الواحد على وجوه لا تحصى، يعرف ذلك الوصاة»[27]  ، فما قام به زيد ما هو الا تصريف سلبي للخطاب القرآني، لا يستهدف تأويل القرآن من اجل استنطاقه، والكشف عن حقائقه، وبيان مسائله، وانما يستهدف إبراز وجوه على حساب وجوه أخرى، يراد طمرها، لتعلقها بأمر الولاية والإمامة، وهي الوجوه التي يؤكد الإمام الصادق إمكان استخراجها وإعادة استنباطها، بتقليب وجوه القرآن وتأويلها في الاتجاه الذي يعاكس اتجاه زيد في تصريفه للقرآن، باعتبار ما للقرآن من قابلية التصرف غير المحدودة، مما يجعل أي موضوع بما فيه موضوع الإمامة والسياسة، لا تحصى وجوهه.

ويؤكد هذا الاستخلاص ما ورد في الأخبار المتقدمة من أن عليا (ع): «جمع القرآن ونظمه كما أنزل» على سبعة أحرف بأيهما قرأت أصبت، وفي المقابل تورد الأخبار ان زيد هو الآخر «ألّف القرآن ونظمه». وهذا يؤدي إلى رؤية محصلة فيها يوظف الإمام علي قواعد التأويل  ليستنبط قراءة، يحتج بها على قريش وأحلافها، وقريش المتسلطة بواسطة زيد توظف قواعد التأويل ذاتها لتقوم بعمل مضاد، ألّفت فيه القرآن ونظمته على قراءة تخفي ما أظهره علي(ع)، وتخلي ظاهر القرآن مما يدينها، ويفضح مشروع الانقلاب القرشي، الذي أنجزوه. فقام زيد بعملية حذف تندرج ضمن معطيات الحركة التأويلية، باعتبار الحذف لازم للإكمال، الذي فيه تعطف الآية على الأخرى المتعلقة بها، والمنفصلة عنها، بفاصل مكون من آيات أو سور، فصار هذا التباعد والانفصال بين الآيات المتصلة موضوعا، بمثابة النقص والحذف، وان عملية العطف هي عملية إكمال بإرجاع الجزء المحذوف إلى ما حذف منه، وافتقر إليه، وما قام به زيد هو رد الآيات إلى صفة التشابه، بالفصل بين مكوناتها بالحذف التأويلي، بعد ان كانت محكمة بتواصلها التأويلي بالعطف والإكمال، فعملية التأويل التي أخذت منحى الحذف والتفكيك، أعادت الكثير من السياقات في الولاية إلى طبيعتها الأولى، بتراء ومتشابهة، أو انتقلت في دلالتها إلى مواضيع أخرى، لتكون بعيدة عن الحجية والاحتجاج.

لكن مشروع تصريف الخطاب القرآني، وما انطوى عليه من طمر ومحو لدلالة النصوص على الولاية، بصرفها إلى مواضيع أخرى، كما تسمح بذلك قواعد التأويل، لم يتوقف عند حدود هذا التصريف، وأريد تثبيت القراءة التي أنتجها زيد، كقراءة وحيدة للخطاب القرآني، ومنع وإلغاء القراءات الأخرى. بعبارة أخرى، كان الهدف يتمثل في إلغاء حركة الخطاب القرآني، ليصبح تحريك زيد هو التحريك والتأليف النهائي، وكل التحريكات آلاتية، وما ينتج عنها من قراءات ينبغي ان تتوقف، والسابقة ينبغي ان يتوقف الناس عن تداولها وتعاطيها، وهذا يعني إلغاء التأويل، وإعفاء آثاره، التي تتمثل في القراءات. وقراءة زيد اليتيمة للخطاب القرآني ستفهم بوجه ظاهر، لايبقى معه للقرآن باطن، ما دام التأويل قد انتفى، وتجمدت حركة النص، ليتحوّل الكتاب من خطاب ذي علم غير نافد، نتيجة لحركته، إلى خطاب محدود في علمه، نتيجة جموده على قراءة واحدة. ان بتر القرآن بإلغاء باطنه، والاكتفاء بظاهره، هو ما أشار إليه الإمام الصادق (ع) في حديثه عن زعماء قريش ممن ظلموا عليا، بالقول: «ذلك بانهم بتروا القرآن»[28]  . والعائد الذي يتوخى ويرجى من وراء هذه القراءة اليتيمة، التي يلغى فيها التأويل، وتصادر حركة النص، وما تنتجه من قراءات، هو تجنب الأضرار، التي قد تلحق بقريش، والقابلة لأن تزعزع استقرار حكومتها على المدى البعيد.

اتهم رجال الرسالة السلطة القرشية بوقوفها وراء عملية تحريف الكتاب، بتغييب التأويل، كمنهج منتج للقراءات، والزم المسلمين بقراءة زيد، واسقاط الاعتبار عن كل القراءات، التي انتجها القرّاء. يضاف إلى ذلك، ان الخطاب لا يفصح عن بيانه الشامل، المعبر عن الله وحكمته الا بحركته التأويلية، التي بها «ينطق (القرآن) بعضه ببعض». واستتبع إلغاء التأويل وفرض قراءة يتيمة على النص، اعتماد منهج الرأي والتعاطي مع الخطاب بالطريقة العفوية والظاهرية، التي درج الناس على التفاهم بها، فأُخذت معاني القرآن على ظاهرها، واثمر العمل بالرأي التقوّل في الكتاب، والتلاعب بدلالات النصوص. الا ان كل تلك التقولات والتفاسير الغير مسؤولة تزول بعودة العمل في القرآن بالتأويل، ليظهر ما أخفوه، كما يقول الامامان الباقر والصادق(ع): «لو قرأ الناس القرآن كما أنزل لأُلفينا مسمين بأسمائنا، كما سمي من قبلنا»[29]  ، ليشير إلى ان التحريف المتحدد بحصر الخطاب القرآني في قراءة تفسر بالتقوّل، يتلاشى بعودة التحام الخطاب بمنهج التاويل، وفي ذلك يقول الإمام علي(ع): «وضرب القرآن مثلهم بقوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال )17/13، فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس، التنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله. و(الأرض) في هذا الموضع [من الآية] هي محل العلم وقراره»[30]  ، فلفظة (التحصيل) التي ترد في النص، ترادف (الجمع) و(التأليف)، فيما تقدم، حيث عهدنا التأويل يحدث عملية الجمع والتأليف، بضم الآيات المتشابهات للمحكمات لها. ليتدفق علم القرآن كالطوفان الجارف، المتقلب بين قراءات سبع، تكفل إلغاء التفسيرات الاعتباطية، كما يذهب الزبد جفاء.