جاء علي(ع) إلى قريش يحمل مصحفا، كتب فيه تأويل
ما يحدثونه من اغتصاب للسلطة، ومخالفة وصية الرسول، التي تعهد بالخلافة للبيت النبوي،
كما جعلها الله في ذرية الأنبياء من قبل. لم يكن مصحف علي(ع)، الذي اشتمل على
أسماء المتآمرين وتفاصيل المخطط، الا قراءة من قراءات القرآن غير المستنفدة،
استهدف بها الإمام علي(ع) فضح ما تقوم به قريش وأحلافها، وإظهار تجاوزها للإسلام.
فليس مصحفه بالقرآن (الجامع) الذي دوّنه بإملاء رسول الله، آية آية حتى اكتمل
بتدوين أخر آية نزلت، وانما مصحفه هو قراءة مؤلفة، يدل على ذلك الخبر: «لما قضى
النبي (ص) جلس عليا فألفه كما انزل الله، وكان به عالما»[15] ، فالقرآن انزل على سبعة أحرف أو وجوه، ولفظة
تأليفه تعبر عن منهج التأويل، الذي ينزل الآيات بعضها من بعض، فيلحق المتشابه
بالمحكم، لينسخ بعضها بعضا، فتكون الآية المنسوخة ملحقة بالآية الناسخة. بهذه
العملية يقلب الفقيه الآيات على وجوه، ويؤلف من التزاوج القائم بينها، او من
الوجوه المتراكمة القراءة القرآنية، ولذا قال ابن سيرين: «ان عليا كتب في مصحفه
الناسخ والمنسوخ»، فالحاق الناسخ بالمنسوخ عملية تأليف، تهدف استنباط بصيرة
قرآنية، واستحداث قراءة تظهر أمر الولاية.
اذن، اكتمل القرآن الجامع في حياة رسول الله،
بتدوين الإمام علي آخر آية نازلة، فلم يكن جمع وتأليف القرآن بعد وفاة الرسول المنسوب
إلى علي (ع)، الا تعبيرا عن تأويل القرآن فيما يتعلق بقضية الخلافة، التي كانت حدث
الساعة. فجمع الإمام علي الآيات المتشابهات بالمحكمات، وألّف بينها ليستنبط الرؤية
القرآنية، التي فيها الحجية، حيث لابد له ان يقيم الحجة من الكتاب الذي طرح
كمرجعية لحل أي خلاف: (وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا
فيه)213/2، وليس ثمة خلاف أولى بالرجوع به إلى القرآن، ليتحاكم إليه، مثل الخلاف
في الإمامة، لعظم خطر هذه القضية، والأثر البالغ الناجم عن مضاعفاتها وأبعادها في
الحياة الاجتماعية والسياسية، لذلك لزم على القرآن ان يقول فيها كلمة الفصل.
والإمام علي في مخاصمته القوى المنقلبة، ومجادلتها بالكتاب، رغم علمه بإعراضها عن
الكتاب والدين، إنما يشهد الأمة على أحقيته بالخلافة، ويفسح المجال لعدسات
التاريخ، لتسجيل موقفه في تلك اللحظة التاريخية، التي تمثل منعطفا مفصليا في تاريخ
الامة والرسالة، لتوصل المشهد إلى الأجيال اللاحقة، ليستهدوا بنور برهانها
وحجيتها، وبما ان قريش التزمت بالدين وشعاراته نفاقا، كما في انقلابها الفاشل،
الذي شعاره مسجد ضرار، لذلك جادلهم بالدين التزاما منه بما ألزموا به أنفسهم، ولو
صوريا.
تحدث الإمام الصادق عن ذلك المصحف، واللحظة
التاريخية التي تلت وفاة الرسول، فقال: «أخرجه (ع) إلى الناس حين فرغ منه وكتبه،
فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما انزل، على محمد (ص) وقد جمعته من اللوحين،
فقالوا: هو ذاك عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله ما
ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنما كان عليّ ان أخبركم حين جمعته لتقرؤوه»[16] ، فعبارة الإمام علي التي يرويها حفيده الامام
الصادق في طبيعة الجمع، توضح ان المصحف الذي أتاهم به، إنما تم جمعه بصورة استقرائية،
لما جاء في الكتاب الجامع، فألّف الإمام علي الرؤية التي جاءهم بها عبر جمعها، مما
ورد بين لوحي الكتاب، والملاحظة الهامة الأخرى، انها قراءة قرآنية تظهر علما
جديدا. إذ لو كان هو القرآن الجامع، الذي كتبه بإملاء الرسول والمتداول بين أيديهم
لمشاركته لهم في الكتابة عن الرسول، ويحوي قراءة معهودة لما احتاج إلى الاعتكاف
أياما لتأليفه، إذ الأولى آنذاك دعوتهم إلى الرجوع للقرآن فحسب. ولكن جاءهم بقراءة
قرآنية قد ألّفها لتمثل نصا قرآنيا، يتناسب مع مقام المخاصمة والمحاجة في موضوعه،
ولذلك رفضوه، وعللوا رفضهم باستغناءهم بالقرآن الجامع: «هو ذا عندنا مصحف جامع فيه
القرآن»، فلا حاجة لهم للمصحف كقراءة في الخطاب القرآني، تتناول موضوعا محددا في
الإمامة والولاية، لطالما اشمأزت قلوبهم من قراءة القرّاء، لبعض تلك الآيات
المؤولة، المتعلقة بأمر الولاية الوارد في آل محمد.
ويتحدث ابو ذر عن اللحظة التاريخية ذاتها،
فيطالعنا بالمزيد من المعلومات عن طبيعة مصحف علي(ع)، فيقول: «انه لما توفى رسول
الله (ص) جمع علي (ع) القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار، وعرضه عليهم كما
أوصاه بذلك رسول الله (ص)، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم،
فوثب عمر، وقال: يا علي أردده فلا حاجة لنا فيه! فأخذه علي وانصرف»[17] ، وفي خبر آخر: «فلما وقفوا على ما بينه الله من
أسماء أهل الحق والباطل، وان ذلك ان ظهر نقض ما عهدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه..»[18] ، فالموضوع الذي ينطوي عليه ذاك المصحف يتضح
بظهور فضائح القوم في أول صفحة منه، مما يدلل على ان ما كتب في ذلك المصحف قراءة
تتناول حدث الخلاف في الخلافة، الذي تجري فصوله آنذاك، فكانت قراءة مصحف علي رؤية
تفصيلية فضحت أسماء المتآمرين، ولابد ان تكون مشتملة على أسماء أهل البيت الورثة
للخلافة. وفي تلك الفضيحة نقض لعهد الخلافة المغتصبه، ولذلك رفضوه: «ان ذلك ان ظهر
نقض ما عهدوه، فقالوا: لا حاجة لنا فيه».
وتوظيف كل من الإمام الصادق وابي ذر للفظة
(القرآن) و(كتاب الله) في تعبيرهما عن مصحف الإمام علي، فذلك من باب تسمية الجزء
باسم الكل، وهو استعمال شائع في العبارات التراثية، مع ان عبارة الإمام الصادق،
بينت ان كتاب الله، الذي جاءهم به جمعه من بين اللوحين، أي لوحي القرآن، بدليل قول
علي: «ما من شيء بين اللوحين الا وأنا أعلم تأويله». يضاف إلى ذلك ان التسمية
بالقرآن و بكتاب الله، تدل على قرآنية خطاب مصحف الإمام علي.
وصار مصحف علي، لاحقا، وراثة في الأوصياء من
ولده. وهو المصحف الذي دفع به ثامن الأوصياء الإمام الرضا إلى البيزنطي، الذي روى
ذلك قائلا: «دفع لي أبو الحسن (ع) مصحفا.. قال: ففتحته وقرأت فيه، لم يكن الذين
كفروا فوجدت فيها سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال: فبعث لي: ان
ابعث إلى بالمصحف»[19] ، ويؤكد هذا الخبر الخبرين المتقدمين، اللذين
تعرضا إلى موضوع مصحف الإمام علي.