يتجسد الواقع الفكري للرسالة في الرجال الحملة
لفكرها، الذين يقودون الأمة إلى صنع الواقع الذي تمليه عليهم بصائر الوحي. وإذا ما
أريد السيطرة على كيان الأمة لابد من استهداف هؤلاء الحملة، باعتبارهم الأمناء
والحراس للتراث، الذي أقام الرسول على أساسه كيان الأمة، والذي انطوى على الآلية
التي تنتج قياداتها بمواصفات معينة. فكان الفقهاء (القرّاء/ المحدثون) يتموقعون في
هيكلية الأمة في مواقع قيادية وسيطة، ومن فوقهم كان الرسول وبعده خليفته، وهو ما
ينص عليه القرآن في قوله: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم
شهيدا)143/2، فجاء استهدافهم من أجل تزوير التراث الفكري، وإبطال آلية عمله
التلقائي المنتجة لفقهاء التأويل، الذين يعملون عمل المفاصل في جسد الأمة.
فتتضح معالم الاستهداف من خلال الإجراءات، التي
اتخذها زعيم القوى القرشية، والتي تصادق على المخطط الذي بدء منذ عهد الرسول، وتم
العمل على تصعيده ليتطور ويبلغ مراحله العليا بعد رحيل الرسول، بالاستيلاء على الأداة
السياسية، التي خوّلتهم إيقاف مشروع الرسالة في الإنهاض الفكري للأمة، الذي كان في
طور النمو والتكامل بإشراف مباشر من الرسول، فتعرض مع مجيء هذا التحوّل الانقلابي،
إلى إجراءات وتدابير صدرت في مرحلة مبكرة عن رأس السلطة، تستهدف إيقاف المشروع
التفقيهي، وتصفية عملية التحول القرآني، والاستنهاض الفكري. وهو ما تنبأ به الرسول
حين قال: «يوشك ان يقعد الرجل متكئا على أريكته يُحدَّث بحديث من حديثي، فيقول
بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدتم فيه من حلال استحللناه، وما وجدتم فيه من حرام
حرّمناه، الا وان ما حرم رسول الله مثل ما حرّم الله»[7] ، ان هذا المشهد الذي يرمز فيه الرسول للمستولي
على السلطة بلفظة (الرجل) ويدلل على ذلك من خلال الكلمة النافذة لذلك (الرجل)،
ووضعيته التي يصفها الحديث، حيث يكون على الأريكة جالسا والناس من حوله متحلقين،
وهو وصف ينطبق على من له الزعامة. وحين يتلا على مسامعه الأحاديث، بهدف تحديد
الحقيقة، يتنكر هذا (الرجل) للأحاديث، ويعرض عنها، ويدعي
التمسك في تشخيص الحقيقة بالكتاب! ويرد الرسول في إجابة مستقبلية تستبق الأحداث،
مفندا إعراض (الرجل) عن سنته، بالتبيين بان السنة ما هي إلا الأفكار القرآنية، وما
الإعراض عنها الا إعراض عن القرآن والسنة معا.
هذا المحتوى الدلالي الذي تشع به تركيبة آيات
الخطاب النبوي، يمكن ان نرتد به إلى القرآن الذي لايعدوه منطق الرسول، فلنا ان
نتساءل: أين مدلول هذا الحديث في الكتاب؟ والجواب إننا نجد السند القرآني للحديث
في مجموعة من الآيات تنطلق من قوله تعالى: (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله
والرسول)59/4، فالرد إلى الله: الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول: الأخذ بسنته
الجامعة غير المفرقة، كما يقول علي (ع)[8]، فـ(الله) يؤول بـ(الكتاب)
و(الرسول) يؤول بـ(السنة) ، بهذا الفهم يمكن ان نرجع إلى قوله تعالى: (ويقولون
آمنا بالله وبالرسول واطعنا ثم يتولى فريق
منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله (:الكتاب ) ورسوله
(:السنة) ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون)47-48/24، فيتضح ان الفريق ذاته المعرض
عن الله والرسول معرض عن الكتاب والسنة. وإذا ما اعرض عن أحدهما بدعوى التمسّك
بالآخر، فليس ذلك إلا حيلة، يشغل بها المؤمن عن الحقيقة الجوهرية للمعرض. وإلا فان
المؤمنين إذا ما دعوا، فان موقفهم هو ما تحكيه امتداد الآية الآنفة: (إنما كان قول
المؤمنين إذا دعوا إلى الله (:الكتاب) ورسوله(:السنة) ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا
واطعنا)15/24، لذلك ينفي الخطاب المتقدم صفة الإيمان عن المعرض، لما يدل عليه
إعراضه من تكذيب بالرسالة، وما تصرح به رواية أخرى للخطاب المتقدم: «يوشك أحدكم ان
يكذبني وهو متكئ على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه
من حلال حللناه وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا وان ما حرم رسول الله مثل ما
حرم الله»[9] ، فكان إعراض (الرجل) عن السنة بحجة التمسك
بالكتاب إعراضا يكشف عن الكفر.
ولما كانت قوى النفاق تخشى السنة، لأنها البيان
التفصيلي لكل جوانب الحياة الإسلامية، بما فيها قضية الحكم والسلطة، حاولت قريش
تبديد هذا الخطر الذي تشكله السنة بزرع التناقض فيها، بالاختلاق والتقوّل على
الرسول. حتى قال الرسول: «قد كثرت علي الكذابة وستكثر»[10] ، مما أدى إلى إنشاء واقع الاختلاف في السنة،
حيث استثمروه حين استيلائهم على الأداة السياسية، بالمنع من التحديث والرواية بحجة
درء الاختلاف، وبذلك حدث ما تنبأ به الرسول في حديثه عن (الرجل)، في أول بيان
صدّرته القوة القرشية على لسان زعيمها، هو ما يطالعنا به الخبر: «ان الصّديق جمع
الناس بعد وفاة نبيهم، فقال: إنكم تحدثون عن الرسول أحاديث تختلفون فيها، والناس
بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا!! فمن سألكم، فقولوا: بيننا
وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه»[11] ، هذا البيان الموجه لكافة أبناء الأمة يظهر
رغبة المخططين في استئصال التركة النبوية، بهدف إفراغ الإسلام من محتواه، تحت شعار
حسبنا كتاب الله*.
تقف وراء هذا البيان الرغبة في منع إثارة مسألة
الملك والخلافة، فقد استفاضة أحاديث الرسول في تناول أمر الخلافة وفضائل أهل
البيت، الصادرة في سياق بيان استحقاقهم للخلافة دون بقية الأمة. بدأ الأمر بالجدل
الذي دار بين علي واثني عشر من مؤمني الأمة من جهة، وأبي بكر القائم على المنبر في
أول أيام استلامه للسلطة، فحاجوه واستشهدوا عليه بأحقية علي بن أبي طالب بالخلافة
بأحاديث صريحة ودامغة في دلالتها المشخصة لخليفة الرسول المستحق للخلافة بعد رحيله** .
إلا ان قريش وبعد ثلاثة أيام من انتهاء الجدل،
حشدت أربعة آلاف من فرسانها «فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر حتى وقفوا بمسجد
رسول الله (ص)، فقال عمر: والله يا أصحاب عليّ لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم
بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه»[12] ، ثم جاء البيان الناهي عن التحديث عن الرسول
بشكل عام بحجة درء الاختلاف، ليعطى النهي الخاص صيغته العامة، لأداء نفس الغرض
والغاية، فتتفادى السلطة ما تحدث به أصحاب علي(ع) من أحاديث الخلافة وأشباهها، لما
فيها من حجة دامغة قادرة على تأليب الرأي العام ولو بعد حين. وهذا القرار بالحظر
طال أيضا جامعة المسجد، التي ينطلق منها النشاط التنويري لفكر الأمة، المستند إلى
تأويل الكتاب والسنة، ويتجلى تأثير هذا
القرار فيما يفرضه على الفقهاء والمحدثين من الكف عن التعاطي لمسألة الفقه. فلا
ينبغي ان يستنبطوا من الكتاب، ولا ينبغي ان يظهروا للناس ما فيه من ذخائر باطنية،
لان الأحاديث في حقيقتها ليست إلا بيانا لمدخرات الكتاب. فلم يستهدف بيان الحظر
السنة دون الكتاب، بل استهدفهما معا، لما بيّناه من أن الإعراض عن أحدهما إعراض
عنهما معا، إذ هما وجهان لحقيقة واحدة.
ولكي تتأكد الحكومة القرشية من التزام الفقهاء
والمحدثين بالحظر المفروض، بثت العيون والرقباء ليراقبوا المجالس والتجمعات، وما
يتداول فيها من حديث بين الناس، يدل على ذلك، قول فتى من قريش لأبي ذر: «أما نهاك
أمير المؤمنين عن الفتية؟ فقال: أرقيب أنت عليّ؟ فوالذي نفسي بيده لو وضعتم
الصمصامة، هاهنا، ثم ظننت إني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله (ص) قبل ان تحزّوا
لأنفذتها»[13] . واستشعار أبي ذر بان الفتى مخبر، يوضح وجود
فكرة مسبقة عنده، متكونة عن ملامسته للواقع، فحواها ان هناك رقابه للقوة المسيطرة
على أزمة الأمور، تكفل بها تفعيل القرارات المتخذة. كما توضح عبارة الرقيب
المستنكرة ان النهي والحظر وارد على الفتوى، التي هي الحديث المستنبط من الكتاب أو
المسموع عن الرسول، ثم في إشارة أبي ذر إلى إمكانية ارتقاء الأمر إلى القتل، يكشف
ان القوة المسيطرة تعزز مصداقية بيان الحظر الصادر، بقوة السيف الذي لن تتورع عن
تسليطه على رقاب المخالفين، والمتحدّين لهيبة سلطانها.
لاسيما وقريش قد أضمرت ثارات وأحقادا دفينة على
أولئك المخلصين، وآن الأوان لظهور الشعور المكبوت، الذي تجلى في الموقف الكاره
للرسول ولكل ما تركه وراءه من تراث فكري يخلّد اسمه، فهذا الخلود كان يثير دفائن
الحقد الكامنة في الصدور، ليخرجها إلى حيّز الواقع نارا تشتعل، يرغب أصحابها ان تأتي
على كل وجود يمت إلى الرسول والرسالة بصلة. ولم يحرمنا التاريخ من إماطة الستار عن
بعض مشاهد هذه الحقيقة، ففي الخبر عن عائشة، قالت: «جمع أبي الحديث عن رسول الله (ص) فكانت خمسمائة حديث،
فبات ليله يتقلب كثيرا، قالت: فغمني، فقلت: تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟! فلما أصبح،
قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها!»[14] ، إننا لا نجد تفسيرا للقلق النفسي، الذي كان
يقض مضجع زعيم الدولة القرشية من صحائف الحديث غير الخشية مما تشكله من خطر يتهدد
استمرارهم في السلطة، وهذا المسلك الصادر عن رأس السلطة، سرعان ما سيتحول إلى
سياسة، تحكم الموقف من التراث، بهدف صيانة الملك من الزوال.