تقييم

لم تغامر الحركة القرشية بمهاجمة القرآن المؤول فور استيلاءها على السلطة، فلم تصادر المصاحف المختلفة في نظمها، وقراءتها، وعدد آياتها، وتعالجها بالنيران، واكتفت ابتداء بإعداد قراءة مناسبة والنهي عن تجاوزها، بحجة تجنب الاختلاف. كما تم النهي عن التحديث من قبل بالحجة نفسها، فصادروا صحائف الأحاديث، وأحرقوها، زاعمين الاكتفاء بالقرآن. رغم إمكانية ادعائهم الاكتفاء بالمصحف على قراءة زيد، ومصادرة بقية المصاحف بقراءتها المختلفة وحرقها، كما فعلوا بصحائف الحديث. لكن ما منع حدوث ذلك حداثة عهد المسلمين بالطريقة التي أقرأهم بها الرسول، وحداثة واقع القرآن بقراءاته السبع في أذهان الأمة، فهي كلها قرآنيات. وان الإقدام على مثل هذا الإجراء غير قابل للاستيعاب، لما ينطوي عليه من اعتداء صارخ على القرآن، الذي يمثل الإسلام، وقريش وأحلافها لم يظهروا العداء السافر للإسلام، وإنما على العكس من ذلك اتخذوا أيمانم وإيمانهم جنّة. فكانوا يتحدثون بخطاب المصلحين ويسعون في الأرض باسم الإسلام مفسدين، كما في قوله: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)11-12/2.

فما كان يسع قريش الا التدرّج في تنفيذ المخطط. ففكرة مصادرة المصاحف وحرقها، واردة في المخطط كمرحلة عليا، تُسبق بمراحل تمهيدية تتركز فيها الجهود على الأحاديث، وعلى النهي مشافهة عن التأويل. ومحاسبة القرّاء على أي انتهاك، بذلك تمهّد العقول لاستيعاب فكرة السلطة المميزة بين قراءة مشروعة تتصف بالقرآنية، وأُخر غير مشروعة مجردة من صفة القرآنية. ولإيهام الأمة بان الاستهداف ليس متوجّها إلى القرآن، وإنما إلى اختلاف القراءات، التي تظهر القرآن بمظهر الكتاب المتضارب والمتهافت. وهذه المراحل من تنفيذ المخطط كانت تبرز من خلال الواقع العملي، الذي يتطور من عهد الأول، فالثاني، فالثالث، حيث في كل عهد تتبلور المعالم أكثر ويتكامل التصور العام للمخطط التآمري على تراث الرسالة والإسلام بالإجراءات المتخذة والتدابير المترجمة على أرض الواقع. وهي إجراءات وتدابير متواطـأٌ على تنفيذها منذ حياة الرسول، كما لمسنا معالمها آنذاك في خطاباته، المتصدية لإفشال المخطط التآمري. فكانت المؤامرة في كل عهد تتقدم بخطوات ثابتة إلى الأمام، وتتصاعد مراحل تنفيذها بإصرار نحو التكامل.