كتّاب المصاحف

لو كان مشروع حصر القرآن في قراءة وحيدة مشروعا حقا لقام به الرسول، ولم يجوز قيام غيره به. لان الأمر متعلق بالدين، المرتبط بالخطاب وجودا وعدما، كما يتضح في تاريخ الديانات المتقدمة، التي تعرضت للتحريف بتحريف كتبها، لذلك لا ينبغي تصنيف مشروع الحصر، إلا في خانة الأعمال التحريفية، لذلك فمن يقوم بعملية الحصر، لابد، ان يتجرد من السوية النفسية، والطهر الداخلي. وهذا ما يثبته تاريخ السير الشخصية، حيث يظهر القائمين على المشروع، والأدوات المنفذة له، في أكثر من مشهد يعبرون بخطابهم ومواقفهم عن دخيلتهم الغير سوية، فسيرتهم تتناسب مع الأدوار الموكلة إليهم.  فمن هم كتّاب المصاحف: زيد بن ثابت، سعيد بن العاص، عبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث؟(*) .

تكشف السيرة الذاتية لهؤلاء الأربعة، الذين مثلوا الجهاز التنفيذي لدى السلطة القرشية الموكل إليها مخطط حصر القراءات، عن اشتراكهم في موقف نفسي عدائي تجاه أهل البيت النبوي. ويمكن عزو جذور هذا الموقف النفسي لنشأة اثنين منهما في بيوت الزعماء القرشيين، سعيد الذي كفله عثمان بن عفان، وعبد الرحمن الذي تربى في حجر زوج أمه عمر بن الخطاب، مما يجعل لهذه التنشئة دورها في إيجاد الموقف النفسي، بالإضافة إلى قتل الإمام علي أب سعيد بن العاص في معارك الإسلام الأولى، مما عزز موقف العداء. خاصة إذا ما أسهمت طريقة التربية في استثمار هذا العنصر في تدعيم الموقف العدائي منذ الصغر. يضاف إلى ذلك ان عبد الرحمن المتربي في كنف عمر، المعروفة شخصيته بالغلظة، وقد اثر القول عنه في الدعاء: «اللهم إني غليظ فليّني»، قد انعكست هذه الشدة على نفسية عبدالرحمن لتخلق شخصية مقموعة فاقدة الثقة بذاتها، قابلة للاستتباع وتنفيذ الأوامر بسهولة، وربما لذلك لانجد في سيرته، أي ذكر يبرز من خلاله شخصيته، غير تبعيته  لأوامر السلطة التي عمل في إطار توجيهاتها، تابعا لما يملى عليه. ويمكن ان نلحظ اثر التربية البالغ في مفارقة أنتجتها ما أفضت إليه تنشئة محمد بن أبي بكر في كنف علي (ع) الذي تزوج أمه أسماء زوج أبي بكر، هذه التنشئة جعلت محمدا يربو على حب علي والولاء له، والجهاد في سبيل عدالة قضيته، في قبال التنشئة المتقدمة لسعيد وعبد الرحمن، التي نقلت عداء المربي إلى الطفل المربى، فتشربا عداء الإمام علي.

وتنعدم لدينا الخلفية التربوية لزيد، فلا يذكر شيء من تاريخ نشأته. مما يحرمنا من التعرف على الجذور واثر الخلفية التربوية. وان كان موقف زيد المصلحي قد يكون له أثره في اتخاذ موقف العداء لأهل البيت. لاسيما وقد عزا دفاعه عن عثمان لأياديه عليه. وينتفي الأثر التربوي للأب في حياة عبدالله ابن الزبير، فرغم نشأته في بيت يوالي الإمام علي ويكن له الحب، كما يدل عليه قول علي: «مازال الزبير منا أهل البيت ..»، الا ان وجود خالته عائشة في حياته، وحبها الجم له، كما تعكس ذلك عبارتها: « وددت ان لو كنت جلست كما جلس صواحبي، وكان أحب إلى من ان أكون ولدت من رسول الله(ص)، بضع عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث أو مثل عبدالله بن الزبير»، تبين ان العداء قد انتقل اليه منها، نتيجة التصاقها به، فنشأ ونشأ معه الحقد، الذي اشتهر به تجاه أهل البيت، كما في عبارة معاوية، التي فيها يعزو موقف ابن الزبير، يوم الدار ويوم الجمل، لا لولاء لمن يحارب في صفوفهم، وإنما تنفيسا لأحقاد متأصلة تجاه علي(ع).

كما يمكن استشفاف غياب الوازع الديني من سير الأربعة، وبروز الوازع المصلحي، ووجود نزعة وصولية، ودوافع انتهازية تخلّق المواقف التي أبداها الأربعة. وهذا يتضح بجلاء في سيرة زيد، الذي وقف موقفا إيجابيا، دعم فيه الحزب القرشي يوم السقيفة، انعكس عليه بتبوئه عدة مناصب: نيابة الحاكم حيث كان يستخلف كلما خرج الحاكم في مهام خارج العاصمة، والإقراء، والقضاء، ومرجعية الأمصار، وبيت المال، بالإضافة إلى العطاءات النقدية والعينية الجزيلة، التي أغدقت عليه على امتداد ربع قرن، كما تتجلى ذات الظاهرة في سعيد بن العاص، الذي يستغل موقع القرابة مع عثمان ويولى، فيستغل موقع السلطة في الوصول إلى الإثراء السريع، وغير المشروع. وبعد انهيار سلطة عثمان يقف ابن العاص في موقع المراقب، حتى إذا ما رجحت كفة اقربائه، خرج من مخبئه ليتواصل مع معاوية فيوليه. من جهة أخرى نجد ذلك معززا بمسلك أخلاقي متميز بالغلظة والتجبر والتطاول وسوء استخدام السلطة، كما في موقف ابن الزبير من الهاشميين الرافضين بيعته، حيث خيّرهم بين البيعة له أو ضرب الأعناق. وفي موقف سعيد بن العاص في تطاوله على رعيته، ويعبر بعباراته الجريئة بامتلاك قريش لسواد العراق عن استبداده بالمال، وثروات البلاد، وتعلقه بالسلطة رغم تظاهر الناس عليه لسوء أدائه السياسي، وتحلله من الضوابط الدينية. مما انتج ظاهرة الطغيان، والاستبداد السياسي.

ونجد في زيد بن ثابت، أيضا، نموذجا للطغيان السياسي المتجلي في مشاركته الفاعلة في السلطة وشغله لأكثر من منصب. ورغم ذكائه الملحوظ في امتلاكه قدرات ومهارات متعددة، كقدرته على الترجمة من أكثر من لغة، وتفوقه في تأويل  القرآن، إلا إن حالة الترف وانتكاس الرقابة الدينية في داخله، تتجسم مسلكيا في الإنعتاق من كل الروابط والضوابط، بحيث يتحلل تبعا للموقف الأول من الالتزام الديني في الإطار السياسي، فيتجاوز كل الحدود، بحيث تكون قدرته في تأويل  القرآن هي الأخرى متجاوزة، ليصنع بذلك ظاهرة الطغيان الفكري، فيلجأ إلى العمل بالرأي، مرجحا له على العمل بالقرآن.

ان مجمل هذا التحليل المقتضب، يضع أيدينا على معالم الخطوط الرئيسة للشخصية النمطية، التي ينتمي إليها هؤلاء الأربعة. فطبيعة خصائص هذه الشخصية تتبدى نتيجة ضغط العقدة الداخلية، المتمثلة بالشعور المتطرف؛ تارة نحو الإفراط بالإحساس بالتغطرس والهيمنة، وتارة أخرى نحو التفريط بالشعور بالذلة والضعة. وفي كلتا الحالتين الشعوريتين تكون هناك حاجة للنزوع نحو إشباع الشعور العُقدي، بوضع النفس دائما في موضع الاستتباع والخضوع في حالة الشعور بالنقص، وفي موضع التمرد وتجاوز الحدود في حالة الشعور بالطغيان الداخلي.

في ظل هذه الحالة الشعورية المحتقنة، تمت مناصبة أهل بيت الرسول العداء. وقد شخّص القرآن هذه الحالة النفسية بالحسد، كما في قوله: (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله ولقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)54/4، فقد فسر فقهاء التأويل على عهد الرسول (الناس) في الآية بأهل بيت الرسول، وهذا الموقف النفسي الحسدي، نفهمه بشعور الحاسد بالرغبة بزوال النعمة عن الطرف المحسود، وهي الرغبة الناجمة عن الإحساس بالافتقار إلى الرمزية والفضيلة، التي يتمتع بها أهل البيت، وبها يرثون مقام الخلافة عن جدارة، وهو ما يجعل النفسية الحاسدة نفسية عدائية تجاه الآخر، الذي يمثل المطمح، فهي تؤول نفسها به، وتحل محله، وتسعى لا شعوريا إلى تحقيق ذلك في الواقع العملي بالإلغاء، مما يجعلها تتبنى موقفا عدائيا، وهذه النفسية العدائية ميزت التيار الملقب بالنفاق، كما في قول بعض أصحاب الرسول: «انا لنعرف المنافقين ببغضهم لعلي بن أبي طالب»[92]  ، وقد شخص الرسول هذه العلامة في تيار النفاق، بالقول في خطابه لعلي: «لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»، وهي المقولة المبنية على أساس الآية القرآنية المتقدمة.

________________________

)*( هنا ترجمة لسيرة كتّاب المصاحف:

1/ زيد بن ثابت:  

كان زيد من خزرج المدينة، فهو زيد بن الضحاك بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، كان عمره يوم قدم النبي(ص) المدينة إحدى عشر سنة. كتب زيد القرآن بين يدي الرسول، ولان الرسول ترده الكتب باللغتين العبرية والسريانية، أمر زيدا باتقانهما، ففعل . تميز في فقه الدين وقراءة القرآن في قومه، فأعطاه الرسول راية بني النجار يوم تبوك لكثرة أخذه للقرآن بالمقارنة بصاحب راية قومه عمارة بن حزم.   

في مرحلة ما بعد الرسول، شارك زيد في سقيفة بني ساعدة، وأخذ موقف قريش. كافأته قريش المستولية على مقاليد السلطة بمنحه مقام الإقراء والقضاء على امتداد العهود الثلاث، ومفاتيح بيت المال في مرحلة من عهد عثمان. واستخلفوه على المدينة كلما غابوا عنها. وقلما رجع عمر الا وأقطعه حديقة من النخل. كان أحد أربعة صحابة نصروا عثمان، ولم ينصره أحد غيرهم من صحابة الرسول. وكان زيد عثمانيا، ولم يشهد مع علي(ع) شيئا من حروبه، بل كان يحرض الناس على سب أمير المؤمنين علي (ع). صرح زيد بان دفاعه عن عثمان يوم الدار لأيادي الخلفاء عليه ومنهم عثمان، فقال: «.. أقطع لي إمامي عثمان .. كان عمر يستخلفني على المدينة، فوالله ما رجع من مغيب الا قطع لي حديقة من النخل»، مات أيام معاوية، وصلى عليه مروان بن الحكم، وخلف من الذهب ما يكسّر بالفؤوس، ومن الأموال بقيمة ألف دينار. (ابن الاثير، أسد الغابة، 2/126.مروج الذهب، 2/345.تاريخ دمشق، 3/215. البلاذري، انساب الاشراف، 5/6. الاميني، الغدير، 9/159. تاريخ ابن خلدون. عباس القمي، سفينة البحار ، 1/562. تهذيب تاريخ دمشق، 5/451. سير اعلام النبلاء، 2/434.الاصابة في تمييز الصحابة، 1/562. المسعودي، مروج الذهب، 2/342.)

2/ سعيد بن العاص:

 كان سعيد من بني أمية، فهو سعيد بن العاص بن عبد شمس بن مناف القرشي الأموي، ولد عام الهجرة، وقتل علي بن أبي طالب أباه العاص يوم بدر وهو يقاتل في صفوف جيش الشرك القادم من مكة، لم يكن للعاص ولد غير سعيد فكفله عثمان، وكان له يوم مات النبي (ص) تسع سنين، زوجه عمر بنت سفيان بن عوف، وأكرم شأنه، كان فظ الخلق ذو شخصية متجبرة وغليظة.

كان سعيد من جملة بطانة عثمان الأموية، التي أدارت شؤون الدولة الإسلامية، وقال فيهم علي(ع): «اتخذ عثمان بطانة أهل غش ما فيهم أحد الا قد تسبب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذل أهلها»، فاستعمله عثمان على الكوفة، فكان نموذجا لمقالة الإمام علي، حيث استبد بالأموال، وقال في الكوفة: «إنما السواد بستان لقريش، تأخذ منه ما شاءت وتترك»، حتى قالوا له: أتجعل ما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك ونابذوه، وأفضى الأمر الى تسييره عن الكوفة، والحدث من الشهرة بمكان، ثم انتهى الأمر الى منع أهل الكوفة سعيدا من دخولها، وتكلموا فيه وفي عثمان كلاما ظاهرا، حتى كادوا ان يخلعوا عثمان، فاضطر الى إرجاع أبي موسى والي الكوفة السابق.

لما حاصر الثوار دار عثمان، كان سعيد ضمن المدافعين عنه، فضرب على رأسه فكان بعدها كلما سمع صوت الرعد أغشي عليه. لزم بعد مقتل عثمان بيته فلم يشهد الجمل ولا صفين. فلما استقر الأمر لمعاوية أتاه، وله مع معاوية كلام طويل، عاتبه معاوية على تخلفه عنه في حروبه، فاعتذر فقبل معاوية عذره، ثم ولاه المدينة، فكان يوليه إذا عزل مروان عن المدينة. وكان معاوية يقول فيه «كريمة قريش سعيد بن العاص»، مات سنة تسع وخمسين.(ابن الاثير، أسد الغابة، 2/239. الاصابة في تمييز الصحابة، 2/27، 2/10، 2/48. تاريخ الطبري، 3/343. مروج الذهب، 2/337 . ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 3/ 21-22. تاريخ الطبري، 3/343. ابن الاثير، أسد الغابة، 2/240. العسقلاني، ابن الاثير، أسد الغابة، 2/241. ابن الاثير، الكامل في التاريخ، 3/525.)

3/ عبدالله بن الزبير:

ولد عبدالله بن الزبير مفتتح السنة الثانية للهجرة. وهو أول مولود ولد للمهاجرين بالمدينة. تشاءمت به أمه أسماء، لما قال الرسول حين ولادته أهو هو؟ فتركت أسماء إرضاعه حتى أمرها الرسول بإرضاعه. وقال فيه: يلحد في مكة كبش من قريش اسمه عبدالله عليه نصف أوزار الناس. كانت خالته عائشة تحبه حبا جما، حتى قالت فيه لم أعلم بعد رسول الله وبعد أبوي أحد أنزل عندي منزلتك، جرح عبدالله بن الزبير جراحات عدة، في دفاعه عن عثمان يوم الدار، اشتهر ببغضه لعلي (ع) ففي حواره مع معاوية، قال: وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب وهو من تعلم، أما والله ما كان ذلك الا في نصر عثمان، فلم نجز به، فقال معاوية: خل هذا عنك، فوالله، لولا شدّة بغضك ابن أبي طالب لجررت برجل عثمان مع الضبع، وكان يشتم عليا على رؤوس الأشهاد، وقال لابن عباس يوما، إني لأكتم بغضكم أهل البيت منذ أربعين سنة، غرر عبدالله بخالته عائشة واسهم في دفعها للمساركة في حرب الجمل وقاتل الى صفها، ضلل أباه عن ولاية أهل البيت، وفي ذلك يقول علي (ع): «مازال الزبير منا أهل البيت حتى شب ابنه عبدالله»، وكان أحد الخمسة، الذين وقع اتفاق أبي  موسى الأشعري وعمرو بن العاص على إحضارهم للاستشارة يوم التحكيم، الذي انتهت إليه حرب صفين.

تزهّد في الحقبة الأموية، ونابذ الحكم الأموي، واتخذ من مكة موقعا له. وسيطر على الجزيرة، ودعا الناس للبيعة له. ولما رفض بنو هاشم مبايعته، جمع منهم سبعة عشر رجلا منهم؛ محمد بن الحنفية، وعبدالله بن العباس،.. وحصرهم في شعب بمكة يعرف بشعب (عارم)، وقال: لا تمضي الجمعة حتى تبايعوا لي، أو أضرب أعناقكم، وأحرقكم بالنار،.. فبعث المختار بن عبيد من الكوفة أبا عبدالله الجدلي في أربعة آلاف شاهرين السلاح، حتى وافوا شعب عارم، فاستخلصوا محمد بن الحنفية ومن معه. ومن جملة  خصاله التي لاتجعله مؤهلا للقيادة، شدة بخله، فإبان استيلائه على الجزيرة، كان يطعم جنده التمر، ويأمرهم بالحرب، فإذا فروا من وقع السيوف، لامهم، وقال: أكلتم تمري، وعصيتم أمري.

وعن حقيقة سعيه في تمرده على الحكم الأموي في الشام، تنبأ الإمام علي فقال: «خب ضب يروم أمر لا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش»، وقد أدرك هذه الحقيقة معاصروه، فصفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي، زوج عبدالله بن عمر، حين وسطها ابن الزبير لإقناع زوجها بالبيعة، فتكلمت وأكثرت، فأجابها زوجها: ويحك! أما رأيت البغلات الشهب التي كان يحج معاوية عليها، وتقدم علينا من الشام؟! قالت: بلى، قال: والله! لايريد ابن الزبير بعبادته غيرهن! ولقد صدقت نبوءة الرسول، فهو الكبش الذي عليه نصف أوزار الناس، به انتهكت حرمة الكعبة، فتحصنه بها أدى بجيش الشام ان يرجم الكعبة بالمنجنيق فيهدمها، ولقي ابن الزبير ما تنبأ به علي(ع)، حيث قتله الحجاج سنة 73، وصلبه في مكة، وبعث برأسه الى عبد الملك. (راجع المصادر: ابن أبي  الحديد، شرح نهج البلاغة، 20/ ترجمة عبدالله بن الزبير. مروج الذهب 2/363، 367. تاريخ الطبري، 3/343. نهج البلاغة، خطبة (3). ابو الفرج الاصفهاني، الاغاني، 7/ 22-23. مسند احمد، ح(431).)

4/ عبد الرحمن بن الحارث:

توفى أبو عبد الرحمن في طاعون عموس، فتزوج عمر بن الخطاب بامرأته فاطمة أم عبدالرحمن، ونشأ عبد الرحمن في حجر عمر، وكان اسمه إبراهيم، فغير اسمه لما غير أسماء من تسمى بأسماء الأنبياء، وسماه عبد الرحمن. فهو عبدالرحمن بن هشام بن المغيرة بن عمر بن مخزوم القرشي، يكنى أبا محمد، وأمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة. كان صهر عثمان وتزوج ابنته مريم.

كان الى جانب عثمان يوم حاصره الثّوار، وجرح في دفاعه دونه، حمل الى بيته فصاح نساؤه، فسمع عمار بن ياسر أصواتهن فانشد:

فذوقوا كما ذقنا غداة مُحَجرّ         من الحَرِّ في أكبادنا والتّحوِّب

وكان عمار بهذا البيت يريد القول ان ابا جهل -عم عبد الرحمن - قتل امه سمية، اول شهيدة في الاسلام، فهذا الموقف من عمار يمثل شماتته من الكفر المستتر بمسوح الاسلام، الذي ظهر بعد رحيل الرسول واستولى على السلطة، وحدث يوم الدار، يعتبره عمار متابعة لمعركة الاسلام مع الكفر، الذي حاربه الرسول، وبشر بمحاربة الامام علي له بعد رحيله(ص)، ويتضح هذا الفهم من خلال ربط عمار بين حدث مقتل امه، في غرة مواجهة الرسالة مع الكفر، بما يجري من أحداث يوم الدار، الذي يشهده، وكان في طليعة من شاركوا فيه.

شهد عبد الرحمن الجمل مع عائشة. ذُكر لعائشة يوم الجمل، فقالت: والناس يقولون يوم الجمل؟ قالوا لها: نعم. فقالت: وددت، ان لو كنت جلست كما جلس صواحبي، وكان أحب الى من ان أكون ولدت من رسول الله(ص)، بضع عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث أو مثل عبدالله بن الزبير، وكان هو أحد الخمسة الذين وقع اتفاق أبي موسى الاشعري وعمر بن العاص على إحضارهم، واستشارتهم في يوم التحكيم. انقرض عقب الحارث بن هشام الا من عبد الرحمن، وتوفى عبد الرحمن في خلافة معاوية.( ابن الاثير، أسد الغابة، 3/327-328. الاصابة في تمييز الصحابة، 26/394.الاستيعاب في هامش الصحابة، 2/426. ابن أبي  الحديد، شرح نهج البلاغة، 19/113.)