إن الأخبار التي قالت بإجماع الصحابة على حصر
القراءات، بحاجة إلى وقفة ومناقشة. فقد جاء في الخبر: «ان حذيفة بن اليمان قدم على
عثمان وكان يغازي أهل الشام وفتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فافزع حذيفة
اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل ان
يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة ان أرسلي إلينا
المصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن
ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن هشام، فنسخوها في
المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة، إذا اختلفتم انتم وزيد في شيء من
القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فانما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا المصحف في
المصاحف رد عثمان المصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما
سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف ان يحرق»[83] ، وأورد ابن الأثير الخبر بإضافة: «جمع عثمان
آنذاك الصحابة وأخبرهم الخبر - أي خبر اختلاف الناس في القراءات - فأعظموه
ورأوا جميعا ما رأى حذيفة»[84] ، إي ان يجمع القرآن على قراءة لا اختلاف فيها.
وتُبالغ الأخبار في تأكيد سلامة هذا الحصر للقراءات، بان تحشد تأييد مختلف رجالات
الوحي والقرآن، فتذكر ان الإمام على شارك في الموافقة، ففي الخبر، اخرج ابن أبي
داود عن سويد بن غفار، قال: قال علي (ع): «فوالله! ما فعل عثمان الذي فعل الا عن
ملأ منا استشارنا في أمر القراءات، وقال: بلغني ان بعضهم يقول قراءتي خير من
قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فماذا رأيت؟ قال: أرى ان يجمع الناس على مصحف
واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: نعم ما رأيت!»[85] .
ان التباس الأمر فيما جرى على عهد الزعماء
القادمين في مرحلة ما بعد الرسول، من مصادرة وحصر للقراءات، هل هو تحريف أم هو نفي
للتحريف؟ هذا التساؤل وما يعبر عنه من التباس في الفكر، يخلق التشابه، ويولد
الأوهام. يمكن تفكيكه من خلال عملية منهجية تعتمد المقارنة، فيما بين المشكوك أو
المجهول وبين المتيقن. فنحن أمام مرحلتين، مرحلة القرآن على عهد الرسول ومرحلة
القرآن بعد رحيل الرسول، ونشك في حقيقة ما جرى من حصر في المرحلة البعْديّة، مما
يدعونا لرفع الجهل، وإحراز القطع في الحكم، بإجراء المقارنة بين المرحلتين، فواقع
القرآن في مرحلة الرسول قد تقدم توصيف معالمه، وواقع القرآن في مرحلة ما بعد
الرسول أيضا انتهينا من رسم ملامحه، والمقارنة بين المشهدين المتقدم والمتأخر،
تكشف عن وجود تناقض بين الصورتين:
ففي عهد الرسول كان القرآن يقرأ على سبعة أحرف
(: وجوه: قراءات)، وفي عهد ما بعد الرسول أجبر الإنسان المسلم على ان يقرأ بقراءة
واحدة، هي قراءة زيد، الذي كانت قراءته من جملة قراءات القرّاء. وتتفرع عن هذا
الفارق الرئيس كل الفوارق اللاحقة، فأولا؛ القراءة على سبعة أحرف تعني ان القرآن
غير متناه في علمه، وغير محصورة آياته، بينما القراءة الواحدة تعني ان القرآن ذو
علم محدود، وآيات معدودة. ثانيا؛ القراءة على سبعة أحرف تعني ان للقرآن ظاهرا
وباطنا، وان الباطن يختزن علما غير متناه، بينما في القراءة الواحدة يصبح علم
القرآن هو ما ينعكس عن السطح الظاهر للألفاظ، فليس هناك مداليل باطنية للخطاب
القرآني، فيغيب بفقدها علم القرآن غير النافد. ثالثا؛ في القراءة على سبعة أحرف
يكون للقرآن القدرة على النطق المعبر عن كلام الله مع العبد، مصداقا للحديث: «إذا
أردت ان يحدثك الله فاقرأ القرآن» فتكون وظيفة المنصت لمنطق القرآن هي الترجمة لما
أوحي له، بينما في القراءة على حرف يكون الخطاب أبكم غير قادر على النطق، وان
المتحدث عنه لن يكون ترجمانا لأبكم، وإنما إذا أراد ان ينطق عن القرآن، لن ينطق
الا افتراء على الكتاب، وتقوّلا على الله تعالى. رابعا؛ في القراءة على سبع أحرف،
يكون القرآن في أحكامه فاصلا قاطعا، بينما في القراءة على حرف واحد، تكون الأحكام
المنسوبة إلى الخطاب تقوم على أساس الظن والتوهم، خامسا؛ في القراءة على سبعة أحرف
يصدق القرآن بعضه بعضا، وفي القراءة على حرف يظهر القرآن بمظهر فيه يكذب بعضه بعضا*، سادسا؛ كان واقع القراءة على سبعة أحرف محط رضى الرسول
والمؤمنين، بعد بيان الرسول حقيقة القراءة على وجوه، بينما كان واقع قراءة القرآن
على حرف مستنكرا، وتعرض للمقاومة.
بعد هذه المقارنة، التي مرت شواهدها فيما تقدم،
يمكن معرفة ان الذي أريد إحداثه في مرحلة ما بعد الرسول، كان هو التحريف للقرآن لا
صيانته من التحريف. وان هذه المعرفة تمكننا من الحكم على الأخبار المصطنعة، التي
تحاول التوسل بشخصيات الإسلام، وبإجماع رجالات الأمة الإسلامية، لتمنح المشروع
المصداقية، وتكفل له الغطاء، الذي يعطيه المشروعية، ليُمرر إلى الأجيال اللاحقة،
ويصبح واقعا لا لبس فيه. ولكن مبالغة منّا في معالجة حقيقة هذه الأخبار المتقدمة،
نواصل المناقشة لمزاعمها بهدف تعزيز الرؤية، وإجلاء الحقيقة بأقصى طاقة ممكنة.
ان الوهم الذي يقع فيه اغلب الباحثين في تاريخ
القرآن، والمتوقفين عند مسألة حصر القراءات الوارد في عهد عثمان، هو عدم بحثهم
لتاريخ القرآن بفكر متحرر ومدقق، ليكتشفوا ان مشروع حصر القراءات، لم يكن وليد فكر
عاش في عصر عثمان، لكي ينسب المشروع إلى حذيفة، أو يعزا إلى علي(ع) الموافقة عليه،
بل الحصر فكرة قديمة، بحلول عهد عثمان يكون قد مضى عليه عقد ونيف من الزمن، فهو
منسوب إلى الأول ولولي عهده الخليفة الثاني، حين أمرا زيدا بتأليف القرآن، ثم ما
تبع ذلك من مكافحة للقراءات والقراء، لم ترتق إلى مصادرة مصاحف الصحابة وحرقها،
كما فعلا بصحائف الأحاديث، ولكنهما مهدا لعثمان لان يقدم على هذه الخطوة، بل عزم
عمر على إنجاز هذه المرحلة من المخطط، فـ«قد روي ان عمر كان عزم على ذلك فمات
دونه»[86] . فالفكرة كانت سابقة على عهد عثمان، وهو وارث
لها عن أسلافه، الذين قطعوا شوطا طويلا في مراحل التنفيذ لها. فكان دور عثمان
مثيرا، اذ أوكل إليه المراحل، التي فيها يحسم المهمة الأخيرة من المشروع،
بالمصادرة والحرق للمصاحف، وتثبيت المصحف
(الإمام) المحتوي على قراءة زيد. فما قام به عثمان، أحدث صدمة وذهولا، جعل
الكثيرين لا يلاحظون المراحل المتقدمة، لذلك نُسب الأمر كله إلى عثمان بما فيها
المصاحف، بتسميتها بالمصاحف العثمانية، ذاهلين عن علاقتها بزيد، باعتباره مؤلف
مصحف الإمام، أو نسبتها إلى الأول والثاني باعتبارهما الآمرين زيد بتأليفه. فعثمان
لم يقم الا بالأمر بنسخ مصحف زيد الموروث عن الأول والثاني، ثم توزيعه في الآفاق،
ومصادرة المصاحف الأخرى، وإعدامها بالتمزيق تارة وبالحرق تارة أخرى، على ضوء هذا
يتبين ان نسبة الخبر مشروع الحصر إلى عهد عثمان تفتقد الصحة.
يضاف إلى هذا، ان الخبر المتقدم يوضح ان التنازع
في القراءات بين سكان البلاد المفتوحة عن طريق المفاضلة بين القراءات، الذي يكاد
يوصف بالكفر، هو الداعي إلى حصر القراءة خشية من مضاعفاتها على الدين وعلى واقع
الأمة ووحدة كيانها، إلا ان حدوث الاختلاف في القراءة، ليس هو بالسابقة الفادحة،
كما يحاول الخبر المتقدم ان يوحي لنا، باعتبار ان الاختلاف في قراءة القرآن، حدث
على عهد الرسول، في بدء تأصيله لعلم التأويل، ومواجهة الاختلاف في القراءات،
والتكاذب بين المتخاصمين. فلم يستدعِ مصادرة القرآن من الوجود بإلغاء التأويل، كما
فعل عثمان بحصر القراءات. وإنما الموقف الذي ينبغي ان يتبنى يتمثل في النهي عن
الاختلاف ذاته. لان من الطبيعي ان تعيش البلاد المفتوحة ظاهرة المدينة عاصمة
الدولة، في حدوث البلبلة في أول إطلاق لمشروع التأويل، وإن بنحو أخف. وان تجربة
الرسول في مواجهة الاختلاف وتطويقه. هي ذاتها ينبغي ان تستلهم، وتنقل إلى البلاد
المفتوحة، لحل وإنهاء حالة الاختلاف في القرآن.
وفي هذا السياق، فان إظهار الإمام علي وبقية
الصحابة بمظهر المطّلع على حالة الاختلاف، وانه استحسن وأقرّ رأي عثمان المقترح،
بإنهاء حالة القرآن المتعدد القراءات، بحصره في قراءة واحدة، ومباركته لهذا الرأي
بالقول مع الصحابة وبصوت واحد: «نِعْم ما رأيت»، يمكن الرد عليه بالتذكير بان
الإمام عليٌ كان يقف إلى جانب الرسول، ليحل الإشكالات المرفوعة إلى الرسول
باعتباره هو النائب، الذي يصفه الحديث بباب مدينة العلم، التي مثلها الرسول، لذلك
حين يأتي المتخاصمون في أمر القراءات، كان (ع) يوافيهم بالإجابة على مسمع ومرأى من
الرسول، وفي خبر متقدم أجابهم (ع) بالقول: «اقرؤوا كما علمتم كلٌ حسن جميل»، فحسّن
وصوّب كل القراءات، التي تنازع فيها أصحابها، وهو أمر اخطر من المفاضلة بين
القراءات التي يوردها الخبر. وحينما يستجد موضوع النزاع في القراءات، ويتكرر في
البلاد المفتوحة، فان حكمه الذي صدر آنذاك لن يحيد عنه، باعتبار القضاء في الأحكام
ثابت لا يتغير، وإلا اختلف القرآن على نفسه. ويؤكد ذلك (ع) بالقول: «لو اختصم إلي
رجلان فقضيت بينهما، ثم مكثا أحوالا كثيرة، ثم أتياني في ذلك الأمر لقضيت بينهما
قضاءً واحدا، لان القضاء لا يحول ولا يزول أبداً»[87] ، فالمسافة الزمنية الفاصلة بين عهد الرسول
وعثمان، لا تكون سببا في تغير الحكم، أو تؤثر في ثباته، فالادعاء بان عثمان جمع
عليا(ع) والصحابة وشاورهم في الأمر لم يقع، لهذا الاعتبار. ولان ما ينسب إلى علي
محال ان يصدر منه، ولو في إطار التقية، لان التقية لها حدودها، وليس المقام
المتشاور فيه مشمول بالتقية وأحكامها. لان ما يترتب على الموافقة إعدام الدين،
وإقرار بالكفر، الذي يستغرق الأمة، ويخرجها من الإسلام، وليس في هذا تقية.
ويعزز هذه النتيجة، ان عثمان لا يشاور عليا(ع)،
لسوء العلاقة بين الطرفين، نتيجة تعديات عثمان على خيرة الصحابة، واستعماله على
الأمصار الطلقاء والسفهاء، الذين أكثروا المظالم في البلاد، فكان علي يحتد مع
عثمان جراء تلك التصرفات. لذلك لم يكن عثمان يستشير عليا، أو يتقبل منه النصح
لغلبة بطانته عليه من بني أمية. وقد أشار الإمام علي إلى ذلك بالقول: «ما يريد
عثمان ان ينصحه أحد اتخذ بطانة غش»(*)، بل شاور عثمان في أمر حصر القراءات بطانته الأموية، وتم ذلك ليلا لا
نهارا، وسرا لا علانية. فعن أبي بصير قال:
قال جعفر بن محمد الصادق: خرج عبدالله بن عمرو بن العاص من عند عثمان فلقي عليا
(ع)، فقال له: «يا علي بيّتنا الليلة في
أمر نرجوا ان يثبت الله هذه الأمة عليه، فقال علي: لن يخفى عليّ ما بيّتم فيه
حرفتم وغيرتم وبدلتم..: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند
الله فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)97/2»[88] ، ثم حين قام عثمان بتمزيق المصاحف وحرقها،
استعظم الإمام علي ما تعرض له القرآن من انتهاك لحرمته، ففي الخبر عن عمرو بن
سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي ذر
الغفاري، قال: بعثني أمير المؤمنين يوم مزق عثمان المصاحف، فقال: أدع أباك! فقال:
يا أبا ذر أُتي اليوم في الإسلام أمر عظيم! مزق كتاب الله بالحديد، قال أبو ذر:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول: «ان أهل الجبرية من بعد موسى (ع) قاتلوا
أهل النبوة وظهروا عليهم، فقتلوهم زمانا طويلا، ثم ان الله بعث فتية فهاجوا إلى
غير آبائهم فقاتلهم، فقتلوهم [فقتلوه]»، وأنت بمنزلتهم يا علي. فقال علي: قتلتني
يا أبا ذر(*) ! فقال ابوذر: أما والله لقد علمت
انه سيبدأ بك!»[89] ، وهو ما يوضح ان عثمان يتصرف باستقلالية كاملة
عن مجمل رأي اهل الحل والعقد بأثرة واستفراد، يعضده في ذلك الملأ من بني أمية، فلم
تكن القرارات تتخذ بمشورة صحابة، ولا يطلع عليها الرأي العام، لاسيما في أمور تهدد
استقرار العرش، مثل أمر القرآن المؤول.
يتبين مما تقدم، ان هذه الأحاديث مفتعلة، ويرجح
وضعها في الحقبة الأموية، من ضمن كم هائل من الأخبار، التي اختلقت آنذاك وروجت.
وان الهدف من افتعال الأحداث وإقحام أسماء رجالات مخلصين فيها، هو صنع تاريخ لم
تقع أحداثه، الا في أذهان صنّاع الحديث ومزيفي التاريخ، ليتستروا به على واقع
الخلفاء المخزي بفضائحه. فإذا ما أردنا تحري: لماذا تحاول عقلية النفاق المزوِّرة
إيجاد رابط ما بين فكرة مشروع الحصر وبين حذيفة بن اليمان بإظهاره بمظهر المتسبب
بوجود المشروع؟. في ضوء ما شخصنا في الأوراق المتقدمة من معالم تركيبة العقلية
المنافقة وكيفية تفكيرها، نرى ان الغاية هي محاولة رفع الشبهة عن مشروع الحصر،
فاشتهار حذيفه بصفته صاحب سر رسول الله[90] في
المنافقين، هذه الشهرة لحذيفة جعلت عمر كزعيم يحرص على ألا يحضر جنازة لا يحضرها
حذيفة، لان عدم حضوره يدل على نفاق الميت، وقد أمر الله رسوله ألا يقوم على قبر
أحد منهم مصليا، فاشتهار حذيفة بذلك، كان مدعاة لنسبة الفكرة له، لتصرف الشكوك عن
اتهام المشروع بانه من فعل قريش، وهذا ليس بعيدا عن تفكير العقلية المنافقة، التي
تحاول دائما التستر والالتباس، بلبس الحق بالباطل. فمشروع مسجد ضرار كان انقلابا،
تخفى وراء لافتة المسجد، من اجل رفع الشبهة عنه، ومنطق قريش كان يستتر تحت جنة
القسم بالله، كما يقول تعالى: (اتخذوا أيمانهم جنة)16/58، وكما في تبريرهم بناء مسجد
ضرار: (وليحلفن ان أردنا الا الحسنى)107/9، ويستتر مسلكهم تحت كلامهم فيقولون ما تعرفون ويعملون ما تنكرون، كما يقول
تعالى: (إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)11/2.
بالإضافة إلى ذلك، فان حذيفة اشتهر عنه مقولته:
«كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت اسأله عن الشر مخافة ان يدركني»،
وقال: «لقد حدثني رسول الله (ص) ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة»، ففحوى هذه
المقولة انه أدرك ما سيقع من الفتن بعد رسول الله، ولم تكن هناك فتنة ألمت بالأمة
أشد من فتنة تحريف الكتاب، بحصر قراءته، لما لها من اثر بالغ على إخماد جذوة
الفكر، الذي حرصت حركة الأنبياء، منذ فجر التاريخ على بعثها: «ليثيروا للناس دفائن
عقولهم»، بالاضافة لأثرها البالغ على بقية مناحي الحياة، فحين يُربط بين حذيفة
وبين فكرة حصر القرآن، تغيب فكرة الفتنة عن مشروع قريش التآمري على القرآن، فحذيفة
إنما سأل عن الفتنة ليتجنبها، فكيف يكون هو المؤسس لها، والمتسبب في انطلاقتها، ان
وجود اسمه مشاركا يقود إلى تنزيه مشروع حصر القراءات من تهمة وقوف المنافقين
وراءه، وهذا ما رامت حركة النفاق إحرازه.
وللسبب ذاته نستدل ان حذيفة لا يمكن ان تصدر عنه
هذه الفتنة، فهو بمعرفته المنافقين، وبالفتن التي سيقومون بإحداثها بعد الرسول،
جعلته يأخذ موقف المعارض من حركة النفاق وزعمائها. وان استتر بالتقية بأمر من
إمامه علي. يفصح حذيفة عن إيمانه ودخيلة نفسه، لما بلغه خبر مقتل عثمان، وقد كان
حينها عليلا. يروي المسعودي تفاصيل المشهد التاريخي: «لما بلغ حذيفة قتل عثمان
وبيعة الناس لعلي، وكان حينها عليلا بالكوفة (سنة 36 هـ)، قال: أخرجوني، وادعوا
للصلاة جامعة، فوضع على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وعلى آله،
ثم قال: «أيها الناس! ان الناس قد بايعوا عليا، فعليكم بتقوى الله، وانصروا عليا
ووازروه، فوالله انه لعلى الحق اخرا وأولا، وانه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي
إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره، ثم قال: اللهم اشهد إني قد بايعت عليا،
وقال: الحمد لله، الذي أبقاني إلى هذا اليوم. وقال لابنيه صفوان وسعد: احملاني
وكونا معه، فانه والله على الحق، ومن خالفه على الباطل. ومات حذيفة بعد هذا اليوم
بسبعة أيام، وقيل بأربعين يوما. واستشهد في صفين صفوان وسعد ابنا حذيفة»[91] ، فعبارته ان عليا خير من مضى بعد نبيكم، وخير من
بقى إلى يوم القيامة، تذكرنا بعبارة ابن مسعود التي توضح ان عليا خير الناس بعد
رسول الله، وأعلمهم، لتشير العبارتين إلى انه على الحق، وان من خالفه على باطل،
كما يقول حذيفة، فيحدد انتماءه السياسي بتحديده موقفه من الخلاف بين علي ومناوئيه
في الخلافة والإمامة، فانتماؤه لم يكن يسمح له بخدمة خط النفاق، الذي يعد من
الخبراء بخباياه، وتعكس وصيته لابنيه علمه المسبق بحروب علي (ع)، وهو ما يكشف عن
بعض علمه بالمستقبليات.