إلا أن الأمر لم يمر بسلام، فكانت ممارسة العنف
ضرورة لكبت الأصوات المعارضة لمشروع حصر، اذ كان حديث الأحرف السبعة واقعا مألوفا،
عاشه المسلمون منذ عهد الرسول، فصرفوا الخطاب القرآني على حروف وقراءات كثيرة.
واستمر هذا على عهد الخلفاء، رغم كل الإجراءات المضادة، بدلالة استمرار شهرة حديث
الأحرف السبعة بين صفوف المسلمين، يشير إلى ذلك الاستطلاع، الذي أجراه عثمان،
والذي يحتمل قيامه به قبل ان يقدم على حصر القراءة بشكل نهائي، إذ قال يوما على
المنبر: «أذكر الله رجلا سمع رسول الله(ص)، يقول: ان القرآن انزل على سبعة أحرف
كلهن شاف كاف لما قام، فقاموا حتى لم يحصروا، فشهدوا بذلك. قال عثمان: وأنا أشهد،
إني سمعت رسول الله (ص) يقول ذلك»
[69] ، فمقارنة موقف عثمان هذا بموقفه
اللاحق المصادر لواقع القراءات والمصاحف، الذي شهد بان الرسول أسسه، لا يُفهم الا
على ضوء مقولة الرسول، في الشخصية المتناقضة الظاهر والباطن: ((يقول ما تعرفون
ويفعل ما تنكرون))[70] . فتأسيس الواقع الفقهي على حديث
الأحرف السبعة جعل إجراءات السلطة المضادة، لا تمر دون استنكار، بل فرض عليها
الممارسة العنفية تجاه المعارضين.
انطلق أول تطبيق لإجراءات المصادرة من الكوفة،
كأنشط واسخن بؤرة بارزة على خريطة البلاد الإسلامية، بما يمارس فيها من نشاط
تأويلي، يحدث على نطاق واسع ويشاع علنا، بإشراف مباشر من ابن مسعود تلميذ رسول
الله النجيب، الذي كان منذ عهد عمر مقرئا وقاضيا على الكوفة، مما حدا بعثمان
للمسارعة بإرسال نسخة من المصاحف التسعة إليها، حتى قبل مراجعتها ومطابقتها مع
باقي النسخ، وإلى جانبها مقرئ بديل عن ابن مسعود، وهو ما لم يفعله مع بقية
الأمصار، إذ تمت مراجعة النسخ قبل إرسالها.. حينها دعا ابن مسعود أهل الكوفة
للمعارضة قائلا: ((أيها الناس إني غال مصحفي ومن استطاع ان يغلّ مصحفا فليغل، فانه
من غلّ جاء يوم القيامة بما غلّ، ونعم الغل المصحف))[71] ، بهذه العبارة أشعل ابن مسعود نار المعارضة، في
صفوف أهل الكوفة، حيث حرضهم على العصيان والتمرد على أوامر السلطة المركزية، برفض
تسليم المصاحف لرسول عثمان، القادم لمصادرتها بهدف حرقها، مما دفع والي الكوفة إلى
الكتابة لعثمان بذلك، ورد عثمان: ان أشخص لي ابن مسعود..
خرج ابن مسعود بعد ان أوصى طلابه من أهل الكوفة
بالقرآن المؤول، فقال: «لا تنازعوا في القرآن فانه لا يختلق ولا يتلاشى ولا يتغير
لكثرة الرد، وان شريعة الإسلام وحدوده وفرائضه فيه واحدة، ولو كان من الحرفين ينهي
عن شيء يأمر به الآخر كان ذلك الاختلاف، ولكن جامع ذلك لا يختلف فيه الحدود ولا
الفرائض ولا شيء من شرائع الإسلام، ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله (ص)،
فيأمرنا فنقرأ عليه فيخبرنا ان كلنا محسن، ولو أعلم أحد أعلم بما انزل الله على
رسوله مني لطلبته، حتى أزداد علمه إلى علمي [قال علقمة: فقال رجل من الحلقة: ألقيت
عليا (ع)؟، قال: نعم، قد لقيته وأخذت عنه واستفدت منه، وقرأت عليه، وكان خير الناس
وأعلمهم بعد رسول الله (ص)، ولقد رأيته ثبج بحر يسيل سيلاً][72] ، ولقد قرأت من لسان رسول الله (ص) سبعين سورة،
وقد كنت علمت انه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض، فعرض عليه
مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني اني محسن، فمن قرأ على قراءتي، فلا
يدعـنّها رغبة عنها، ومن قرأ عليّ شيئا من هذه الحروف، فلا يدعنه رغبة عنه، فانه
من جحد بآية، جحد به كلّه»[73] .
ان معطيات وصية ابن مسعود، بعد الذي مر من أوراق
البحث، تصبح واضحة وجلية. فهو يبدأ بالحديث عن تجدد المادة القرآنية، فهي غير قابلة
لان تبلى أو تتقادم، إذ للقرآن المؤول القدرة على المعاصرة، واستيعاب المستجدات،
والمستحدثات، فهو فوق الزمن ومهيمن عليه، ثم عن ترفّع القرآن عن التناقض والاختلاف
فيما ينتج من القراءات والوجوه، ويعرف الاختلاف بمفهومين، المفهوم الأول الذي فيه
تتعدد قراءة الخطاب القرآني على وجوه، فيأمر وجه بعكس ما يأمر به الوجه الأخر،
وهذا النوع من الاختلاف، يؤكد ابن مسعود استحالة حدوثه في القرآن، استنادا لقوله:
(أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4،
فهذا الاختلاف تنفي الآية وروده في القرآن، ولو كان لترتب عليه بطلان ربانية
مصدره. المفهوم الثاني هو اختلاف القراءات على وجوه يصدق بعضها بعضا، فيترتب على
ذلك تكاملية الوجوه والقراءات المنتجة تأويلا، بحيث يتفصّل من خلالها الخطاب
القرآني، كما في قوله: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون
هل ينظرون الا تأويله)52/7. ويؤكد ابن مسعود ان هذا المفهوم الإيجابي للاختلاف
إنما ينتج تفاصيل شريعة متوحدة المعالم، متوافقة الحدود والأبعاد، شريعة ذات نظام
عقوبات واحد، وفرائض في جانبها الناهي والآمر متطابقة، غير متعارضة أو متناقضة. ثم
يذكّر بان هذا الواقع القرآني المتنوع والمتعدد النظم والتشكّل، أسسه الرسول ووضع
قواعده، وان التنازع والتخاصم في اختلاف القراءات الناتجة تأويلا، قد حدث على عهد
الرسول، الذي أقرّ تلك الاختلافات في القراءة وصوبها، لما فيها من تعبير عن قدرة
القرآن على استيعاب بيانه لكل شيء وتفصيله. ثم يشير في نهاية خطابه، إلى ان كل
القراءات التي يتصرف إليها الخطاب هي قرآن، فلا ينبغي التمسك بقراءة على حساب
أخرى، أو تفضيل قراءة على قراءة أو الجحود بقراءة والإيمان بأخرى، لما في ذلك
الكفر الجزئي كفر بالقرآن كله، إذ القرآن كلٌ لا يتجزأ.
ويشير ابن مسعود في جملة كلامه إلى علمه،
وتتلمذه بين يدي الرسول، وتلقيه معظم القرآن عنه (ص)، ومراجعته في القراءة والتأكد
من سلامة قدرته، على ممارسة التصريف للنص، وتزكية الرسول له في كل مرة بالشهادة
على حسن قراءته، بل وأشاد به بالقول: «من أراد ان يأخذ القرآن رطبا كما انزل
فليأخذه من ابن أم عبد»[74])، أي ابن مسعود، في إشارة إلى قدرة ابن مسعود على تحويل زمن الآيات من
الزمن التاريخي الماضي، إلى الزمن المعاصر له، بحيث يبدو الخطاب غضا طريا للتوّ قد
نزل نزولا تأويليا. ومن هذا المنطلق يؤكد ابن مسعود انه من أعلم فقهاء القرآن المؤول،
وقد يستشعر في كلامه هذا الغرور، والفخر، والاعتداد بالنفس، إلا إن ابن مسعود
العالم الورع، لم يصبُ لهذه الغاية، وإنما جاء تعريفه بعلمه والتذكير بارتباطه
بالرسول، وتتلمذه على يده وشهادته بحقه، في الوقت الذي شنت السلطة القرشية وحركة
الردة في عاصمة الخلافة حملة على قراءات القرآن، والمصاحف التي حوتها، وتنطوي
الحملة على التشكيك في مصداقية قرّاء القرآن، وفي عملية الإقراء والتصريف التأويلي
لمكونات الخطاب القرآني، فيورد ابن مسعود الشواهد، ويذكر بالعهد الرسالي، وموقعه
في الفقه الإسلامي كأحد المبرزين، الذين
صنعهم الرسول في مدرسة الوحي، وأشاد بهم، ليدفع بهذا التذكير هجمة التشكيك
المستهدفة للقرآن المؤول.
بل يفضح ابن مسعود هذا المشروع، ويعري القائمين
عليه، حين يبين ان الواقع الفكري الذي
تريد السلطة اختلاقه بمنع التأويل، ومصادرة وحرق المصاحف، وبالجحود بقراءات القرآن
المتعددة، والإبقاء على قراءة واحدة بحجة درء الاختلاف، ينطوي على الكفر ببعض
الكتاب، بل يحكم ابن مسعود، المنطلق في أحكامه من القرآن، بان ذلك كفر بالكتاب
كله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في
الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب)85/2، فالجزاء في نهاية الآية
يبين عدم قبول إيمانهم ببعض الكتاب دون بعضه الأخر، وان القرآن كل لا يتجزأ، ثم في
تبيينه لوجود مفهومين للاختلاف أحدهما سلبي وآخر إيجابي، يبين ان قريشا وأنصارها
يستغلون التباس المفهومين لوحدة مادة اللفظ، فيؤولون قوله: (لو كان من عند غير
الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، بان الاختلاف في الآية اختلاف ناشئ عن
التأويل، ويرتبون على ذلك رفض العمل بالتأويل في الكتاب، لأنه يظهر القرآن بمظهر
المختلف على نفسه والمتضارب، وضرب القرآن ببعضه كفر، وتشكيك بربانية نسبته!!.
ثم يذكّره أحد مستمعيه بالإمام علي، فيجيبه ابن
مسعود بأنه خير الناس وأعلمهم بعد الرسول، ويصف علمه بالسيل الفياض، وفي هذا توضيح
لأحقية الإمام علي بمقعد الرسول من بعده. إذ هو أفضل الناس وأعلمهم، فترك الفاضل
إلى المفضول، أو ترك الأعلم إلى من دونه في العلم قبيح، هذا ما أراد ابن مسعود
الإشارة إليه. فعلي(ع) هو الأعلم من بعد الرسول وبين يديه يتواصل تتلمذ الصحابة،
فالمرجعية الفكرية إليه، ومن يرثها يرث الأمر، وقد قال تعالى: (وفوق كل ذي علم
عليم)76/12.
وهكذا نلاحظ كثافة خطاب ابن مسعود رغم اقتضابه،
فالتكثيف نتيجة التأثر بالخطاب القرآني المكثف. وعند تأويله يبدأ بالتفصيل الغير
متناه. فكان خطاب ابن مسعود الهادئ في ظاهره، يكشف عند تفكيكه عن مخزون مضطرب
بالثورة على الثورة المضادة، التي تمثلها حركة النفاق المستهدفة بمشروعها القرآن
المؤول، فيرمي ابن مسعود من وراء ثورته إشعال نار الانتفاضة والمقاومة لمخطط
اغتيال القرآن. وقد استجاب أهل الكوفة لدعوة ابن مسعود للعصيان العام، فرفضوا
تسليم مصاحفهم للسلطة، التي أرادت مصادرتها، والتزموا بوصية ابن مسعود، بان لا
يتركوا قراءته، أو أي قراءة ينصرف إليها القرآن، يقول ابن الأثير: «إن أهل الكوفة
قد قبلوا مصحف عثمان إلا إن بعضهم وهم كثير* أمسكوا مصحف ابن مسعود فيقرؤون بقراءته»[75] . إلا إن ابن مسعود في محصلة معارضته الصاخبة،
تعرض إلى المنع من تفقيه الأمة، وقطع عطاؤه من بيت مال المسلمين، قبل ان يضرب
الضربة المميتة، كل ذلك نتيجة لرفضه الخضوع لمخطط التآمر.
انتهت حياة ابن مسعود كشهيد للقرآن المؤول،
متأثرا بجراحه التي تلقاها وهو يواجه الحركة المحدثة. إلا ان موقف ابن مسعود
البطولي في وجه التحريف، له نظير في سيرته العطرة، فقد وقف أمام مشركي مكة وكفارها
في بدء الدعوة: «فقد اجتمع أصحاب رسول الله (ص)، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا
القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبدالله بن مسعود: إنا، قالوا: إنا
نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم ان أرادوه، قال: دعوني فان
الله سيمنعني. فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام
عند المقام ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (رافعا بها صوته) (الرحمن علم
القرآن)1/55، ثم استقبلها يقرؤها، فتأملوه فجعلوا، يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟
ثم قالوا: انه ليتلوا بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء ما يبلغ، ثم
انصرف إلى أصحابه، وقد أثاروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما
كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا، قالوا: لا،
حسبك! قد أسمعتهم ما يكرهون»
[76] . ان مجاهرة ابن مسعود بالقرآن
وانتصاره له، تأتي في كلا المشهدين في وضع يعيش فيه الإسلام الضعف. وفي ظرف يكون
فيه المؤمنون قلة مستضعفة في مطلع الدعوة الإسلامية، وبعد وفاة الرسول، فكان ابن مسعود حاضرا، في الوقت الذي عادة ما
ينفض فيه أصحاب المطامع، مما يدلل على نقاء إيمانه، الذي يتجلى بكامل بهائه في
استعداده للتضحية في أحلك ظروف الدعوة. ولولا صرخة المعارضة المدوية، التي أطلقها
ابن مسعود، لكان أمر التحريف قد مر في حينها دون معارضة واضحة، ولأسهم ذلك في
إخفاء طبيعة المخطط التآمري الكبير، الذي عراه موقف ابن مسعود البالغ عنفوان
الرفض. ولم يكن ابن مسعود قيمة مهملة في معادلة الواقع آنذاك، بل له وزنه الذي
اكتسبه من تتلمذه بين يد الرسول، وفي تزكية الرسول له، ووصفه لقراءته بالرطبة
الغضة، تعريفا بفقهه وأهليته، فظلت شهادة الرسول في ابن مسعود، تمنح معارضته وزنا،
يبدد حملات التشكيك به.
لقد كان ابن مسعود نظير أبي ذر الواقف في جبهة
الإمام علي، وسد المكان الشاغر الذي خلّفه رحيله. فأبو ذر، الذي لا يهادن ولا
تأخذه في الله لومة لائم، جاهر كفار مكة بالشهادتين، في وسط الكعبة، وطرق أبواب
قصور عثمان وولاته، واقلق أنديتهم وهو يردد قوله تعالى: (الذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم)34/9، فنفوه من المدينة إلى
الشام، ومن الشام إلى المدينة، ومن المدينة إلى الربذة ليقطعوه عن الناس، لانه كان
يؤلبهم على السلطات القرشية، ويستحثهم لإعادة الحق إلى أهل بيت الرسول. فقضى في
سبيل ذلك في منفاه بالربذة وحيدا غريبا منقطعا، وعلى أثره مضى ابن مسعود، فلم
تقتصر معارضة ابن مسعود، على ما ذكر أعلاه، بل يعتبر من ضمن المؤلبين على عثمان،
فكان في الكوفة يقف على باب المسجد، في كل يوم جمعة، جاهرا معلنا: «ان أصدق القول
كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة
ضلالة، وكل ضلالة في النار»، فكان يقول ذلك معرّضا بالحركة القرشية، وما تحدثه من
محدثات تنافي سنة الرسول وتنقضها، حتى غضب والي عثمان على الكوفة، الوليد بن عقبة
من استمرار تعريضه، ونهاه عن خطبته هذه، فأبى ان ينتهي، فكتب إلى عثمان فيه[77] ، مما يدلل على ان ملف ابن مسعود لدى السلطة،
كان يحوي الكثير من النقاط المسجلة ضده.
ويصادق على انتماء ابن مسعود لجبهة المعارضة
بقيادة الوصي، موقف الإمام علي من وتقديره له، والمتجلي بلهجِه بذكره والصلاة
عليه. ففي الخبر سئل الإمام علي: «حدثنا
عن أصحابك يا أمير المؤمنين، قال: عن أي أصحابي؟ قالوا: عن أصحاب النبي (ص)، قال:
كل أصحاب النبي (ص) أصحابي، أيهم تريدون؟ قالوا: النفر الذين رأيناك تلفظهم بذكرك
والصلاة عليهم دون القوم، قال أيهم؟ قالوا: عبد الله بن مسعود؟ قال: علم السنة،
وقرأ القرآن، وكفى به علما، ثم ختم به عنده، فلم يدروا ما يريد بقوله كفى به علما
كفى بعبد الله أم كفى بالقرآن؟! قالوا: فحذيفة؟.. قالوا: فسلمان.. قالوا: فعمار
بن ياسر..*»[78] ، فكان ابن مسعود من جملة الصفوة، التي اعتد بها الإمام علي، واحتفى
بها في حياتها وفي مماتها.
من جانب آخر، كان ابن مسعود من الثلة المتقدمة،
التي ناصرت علي في محنته، التي هي محنة الأمة. فوقف إلى جانب الحق يدافع عنه، فهو الذي قرأ في علي
آيات، رويت عنه، كقوله: (قد كفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب)[79] ، وفي جمع علي للقرآن: (ان عليّنا جمعه)[80] ، وعرف ان علي من الصفوة التي ورثها الله علم
الأنبياء، وجعل فيهم الإمامة والكتاب، فتلا قوله: (ان الله اصطفى آدم وآل نوح وآل
إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)، وهو
الذي روي عنه قوله: «ان القرآن انزل على سبعة أحرف، ما منها حرف الا وله ظاهر
وباطن، وان عليا بن أبي طالب جمع منه الظاهر والباطن»[81] ، ولذلك كان ابن مسعود، فقيه الكوفة وقاضيها،
يرجع إلى الإمام علي، كلما وفد على المدينة عاصمة الدولة، ليسأله فيما أشكل
واستعصى عليه من القضايا والمسائل. فلم يتخذ من زيد المرجع الأعلى في الدولة القرشية
مرجعا له، كما لم يعمل بالرأي، الذي دعا عمر كل قضاته على الأمصار اليه، بل لجأ
إلى الإمام علي، الذي عرف قدره وحفظ وصية الرسول فيه، وكان يقول عنه: «ما رأيت
أحدا أقرأ من علي بن أبي طالب للقرآن»، وهو بمثابة قوله ما رأيت أفقه من علي، إذ
الفقيه لا يكون كذلك حتى يعرف للقرآن وجوها كثيرة يقرأ الخطاب القرآني بها. وحين
صار الأمر في الستة بعد عمر، دافع ابن مسعود عن حق علي (ع) في الخلافة[82]
.
وهكذا ينتهي بنا المطاف لنعرف ان ابن مسعود، كان
محسوبا على الجبهة المعارضة، التي تزعمها الإمام علي وصانها بالتقية، وكان صوت ابن
مسعود الهادر في رفضه، معبرا عن موقف تلك الجبهة في جانبه المعلن.