قتل عمر بن الخطّاب ولم يأتِ قتله إلا في سياق
التصفية بين المتنافسين على السلطة. كما راح أبو بكر ضحية لذات التنافس، الذي يدور
في الخفاء، ويتجلى في مؤامرات ودسائس بين بيوتات قريش المتضاربة المصالح. ولم تتضح
معالم حادثي الاغتيال، بل تعرض كل منهما للتكتم التاريخي، بحيث لم تشخص الجهة التي
تقف وراء الأحداث. وأوصى عمر وهو طريح الفراش إلى ستة، يختارون من بينهم من يوكلون
إليه أمر الخلافة، في معادلة جديدة للحكم، كانت تفضي تركيبتها منذ البداية إلى
عثمان، كمحصلة نهائية.
كان عهد عثمان المرحلة الثالثة من مراحل محنة
القرآن، ومخطط التآمر على تراث الرسول الفكري. وكان عهده أكثر مراحل المحنة شدة
على الدين وعلى أهله. فان كان الأمر في عهد عمر مقتصرا على التهديد والوعيد. فانه
تحوّل في عهد عثمان إلى واقع التنفيذ للتهديد والوعيد: فنفي أبو ذر الغفاري، وعبد
الرحمن بن حنبل الصحابيان[65] . وضرب عمّار إلى درجة الإغماء،
وكاد يُنفى، إلى حيث نُفي أبو ذر، لولا تدخل الإمام علي. وجُلد ابن مسعود بالسوط
لدفنه أبا ذر، الذي مات نتيجة الظروف القاسية في منفاه، وأخيرا جلد بابن مسعود
الأرض، بأمر من عثمان، ما أدى إلى تكسير ضلعين من صدره، ومات متأثرا بجراحه، بعد
ملازمته للفراش، على ما ذكرت ذلك كتب التواريخ، بصورة متواترة.
ان الفصل الأخير، الذي أراد عمر ان يسدل به ستار
المسرحية، التي تمثل مخطط القضاء على تراث الرسول، هو الفصل الذي أنجزه عثمان.
فكان المصحف الذي احتوى على القرآن الذي ألفه زيد عند الخليفة الأول، ورثه عنه
الخليفة الثاني، وحين آل أمر الخلافة إلى واحد غير مشخّص من جملة ستة، كان المصحف
عند حفصة بنت الثاني. وحين رست على عثمان، طالب حفصة بالمصحف الرسمي، الذي أُطلق
عليه اسم (الإمام) تأكيدا لمرجعيته، لأنه يراد منه ان يأمّه القرّاء، وإلى قراءته
يرجعون. فنسخ عثمان المصحف الإمام، تسع نسخ وبعث بها إلى الأمصار[66] : الكوفة، البصرة، مكة، مصر، الشام، البحرين،
اليمن، والجزيرة، وأبقى نسخة في المدينة[67] . ومع كل نسخة قارئ لتكون لتلك المصاحف والقرّاء
المرافقين المرجعية في القراءة، كلٌ في مصره، «لذلك وضعت هذه المصاحف في جوامع
الأمصار يقرأ منها القرّاء ويرجع إليها الحفاظ»[68] . وزيد بن ثابت ومصحف المدينة (الإمام)، مرجع
العاصمة ومرجع المراجع، إذا ما وقع الاختلاف. وقد شغل زيد هذا المنصب على امتداد
عهود الثلاثة، وطال العقاب كل متجاوز لنظم قراءة زيد، التي حوتها تلك المصاحف.
واشتهرت تلك المصاحف بعد (الحصر) بنسبتها إلى عثمان، فقيل المصاحف العثمانية، وكان
هذا الإجراء مترافقا مع إجراء المصادرة للمصاحف من أيدي الناس، من قبل مبعوثي
السلطة، الذين جابوا الأمصار لجمع المصاحف، والتخلص منها بالإحراق أو التمزيق، وهو
ما جعل عثمان يخرج من هذه الفعلة، وهو يلقب بحرّاق المصاحف، كلقب ينطوي على
التشنيع، والتشهير به.
بهذه المصادرة للمصاحف والحرق لها، وإلحاقها
بصحائف الأحاديث، التي طالتها النيران من قبل، لم يبق الا مصحف زيد، ونسخا مطابقة
له، تقرأ بقراءة واحدة غير متجاوزة. بهذا تحقق مشروع (حسبنا كتاب الله)، وبذلك
أسدل الستار على المشهد الأخير من المسرحية، التي استمرت قرابة ربع قرن، مثلتها
خلافة الثلاثة، بالإنجاز الذي وفر للسلطة إسلاما بلا مخالب، يمكنها التعايش معه،
وان تستمر في ظله في وضع مستقر. بل يخول القرآن، المحصور القراءة، فقهاء السلطة
التلاعب به، بتصريفه في الاتجاهات، التي تخدم مصالحهم.