|
((يوشك السلطان
والقرآن ان يقتتلا ويتفرقا))،((ألا ازن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار الا ان الكتاب
والسلطان سيفترقان فلا تفارقواالكتاب))الرسول الأعظم(ص).
|
حدث الانقلاب
بكل يسر، فكان حقا انقلابا أبيض، يحدث دون ضجة ناشئة عن قعقعة السيوف، أو
صهيل الجياد، وذلك كنتيجة طبيعة لقوة قريش، المتفوقة عددا وعدّة. مما مكنها من
تسلم أزمة الأمور، رغم إرادة أولي الشأن من أهل البيت، والثلة المحدودة من حولهم،
الموصوفة بالقلّة المتقية.
لقد انطلق حدث التحول السياسي من سقيفة بني
ساعدة، ودار الحوار ساخنا، لتعيين زعيم للقوة الغالبة. وأثمر ائتمار القوم، ان ظلم
علي مقعد الرسول بعد رحيله. إلا ان من الجدير ان نقدم مقتطفا من الاستدلال
القرآني، الذي احتج به زعيم قريش الغالبة على الأجنحة المنافسة، المشتركة في
اجتماع السقيفة؛ فأبو بكر في ترجيحه لكفة المهاجرين على الأنصار في الأحقية
بالخلافة، استشهد بقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع
الصادقين)119/9، ثم فسر (الصادقين) بقوله: (والفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من
ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم
الصادقون)8/59. وفحوى هذا الاحتجاج، ان الآية الأولى حثت على الالتزام بالصادقين
باتخاذ موقفهم، ثم جاءت الآية الثانية لتعرف الصادقين بالمهاجرين. ورغم سلامة
الاستدلال ظاهرا، إلا انه لا يثبت في محصلته الأحقية بالخلافة، لأنه استدلال ناقص.
يضاف إلى ذلك، ان هذا الخطاب المستشهد به تعرض الرسول لدلالته من قبل ، اذ لما
نزلت الآية قال سلمان الفارسي: «يا رسول الله عامة هذه الآية أم خاصة؟ فقال: أما
المأمورون بها فعامة المؤمنين، أمروا بذلك، وأما (الصادقون) خاصة لأخي علي
وأوصيائي بعده إلى يوم القيامة»[1].
فكان هذا النمط من الاستدلال الناقص غاية قريش،
التي تتبع ما تشابه منه، ابتغاء الظفر بفتنة العرش، وهو ما تنبأ به الرسول وخاف على
الأمة منه، فقال: «أخوف ما أخاف على هذه الأمة قوم يتأولون القرآن على غير تأويله»
[2] . هذا النوع من التأويل المخُوف، يوهم بإتباع المنهج، الذي يفسر فيه
الآية بالآية، الا انه سرعان ما يترك ذلك إلى توجيه الخطاب بالرأي، حين يعتمد على
الدلالة المتشابهة والمنسوخة في مفادها، ليصل إلى إثبات أحقيته في الأمر والسلطة.
وفي ذلك يقول الرسول: «أكثر ما أتخوف على أمتي رجل يتأول القرآن ويضعه على غير
مواضعه، ورجل يدعي انه أحق بهذا الأمر من غيره»[3] .
بهذا النمط من التزييف الفكري، بدأ المخطط يمنح
الشرعية لأفعاله، ويدخل حيز التنفيذ بكامل أبعاده. فلم يكن التحوّل ذا طابع سياسي
فحسب، بل أسس له تأسيسا فكريا فطال بأبعاده الحياة الفكرية للأمة، ومـسّ التراث
المعرفي، الذي خلّفه الرسول وراءه. لذلك يلازم الرسول في مقولته الآنفة بين
التأويل المنحرف والادعاء بأحقية الخلافة من بعده، ليشير إلى انقلاب قرشي يسيطر
على دفة الحكم بذلك التأويل، وليوجّه بعدها فكر الإنسان المسلم إلى اتجاه آخر.
يخلق مسيرة تتباين مع المسيرة التي انتهجها ورسم معالمها الكتاب، وهو ما تنبأ به
الرسول في قوله: «إن رحى الإسلام دائرة، وان الكتاب والسلطان سيفترقان»[4] ، فالافتراق الفكري يمس القرآن حين لا يكون
السلطان منطلقا منه في تشريعاته، بل الافتراق يُظهر ان السلطان يقف في موقف
المنازع للقرآن، حين يستهدف انتزاع حق التشريع منه.
كما تدل عبارة الرسول حين نلحظها في ضوء
مقولتــه: «علي مع القرآن والقرآن مع علي»[5] ، ان افتراق السلطان والقرآن يعني الافتراق بين
السلطان وعلي(ع). ومنازعة القرآن حق التشريع يترجم في منازعة السلطان لعلي، الذي
وصل إلى درجة من استيعاب القرآن، تجعل وراثة الإشراف على تطبيقه بعد الرسول
مسؤولية لا يمتلك القدرة على التحلل منها، ولا يقوى عليها أحد دونه، وهذا ما يعبر
عن حضور مفهوم الافتراق الفكري ليؤسس لمفهوم الافتراق السياسي، كما نلاحظ هنا.
فافتراق كل من السلطان والقرآن يعني افتقاد السلطان للأهلية التشريعية، ومنازعته
للأجدر المؤهل. مما يجعل عليا والسلطان الغاصب يقفان على طرفي نقيض، ليكون كل منهم
خطّا موازيا للآخر وجبهة صراع. وهو ما يدل على تطور الموقف، باتخاذه منحى سياسيا،
ثم عسكريا، باستحالة الافتراق إلى اقتتال، وهو مصداق لقول الرسول: «يوشك السلطان
والقرآن ان يقتتلا»[6] .