أعاد الإمام علي الاعتبار لنظام الدولة
الإسلامي، وقام بتفعيله، بتفعيل
مشروع تعليم القرآن المؤول، الذي ينتج فقهاء التأويل، الذين مثلوا هيكلية النظام
السياسي، المسؤول عن حركة الأمة وتطورها نحو إقامة
الكتاب: (لستم على شيء حتى تقيموا (..) ما أنزل إليكم من ربكم)68/5، فتبوأ فقهاء
التأويل في عهد الإمام علي مقامات قيادية. فاستعملهم على الأمصار، وعلى التعليم،
وفي سلك القضاء، بعد ان عزل العمّال والقضاة، الذين
ينتمون للعهود البائدة، وطردهم من المساجد. ويمثل ابن عباس نموذجا لولاة علي(ع)،
فقد نصب واليا على البصرة، فكان الى جانب ذلك يعلم
الناس في مسجدها تأويل القرآن، فخرّج أفواجا من الفقهاء، ومارس القضاء بين الناس
مستندا في أحكامه الى القرآن المؤوَّل.
ورغم انشغال الإمام علي بالحروب، التي ما فترت
على امتداد خمس سنين هي جملة عهده، الا انه اهتم
بالجانب الفكري، الذي استهدفته العهود الماضية بالمصادرة، فأخذ ينشر التأويل في
حلقة الدرس التي عقدها في مسجد الكوفة لتفقيه الأمة بدينها، وطرح محاضرات في
التأويل جمعت تحت عنوان «رسالة المحكم والمتشابه». وكانت عبارة عن دروس يلقيها
الإمام تباعا على شيعته. افتتحها
باستعراض مباحث علم التأويل: «فالقرآن منه ناسخ ومنه منسوخ، ومنه محكم ومنه
متشابه، ومنه عام ومنه خاص، ومنه تقديم ومنه تأخير، ومنه منقطع ومنه معطوف، ومنه حرف مكان حرف، ومنه على خلاف ما انزل الله، ومنه
ما لفظه عام ومعناه خاص، ومنه ما لفظه خاص ومعناه عام، ومنه آيات بعضها في سورة
وتمامها في سورة أخرى، ومنه ما تأويله في تنزيله، ومنه ما تأويله قبل تنزيله، ومنه
ما تأويله بعد تنزيله، ومنه رخصة إطلاق بعد الحظر، ومنه رخصة صاحبها فيها بالخيار،
ان شاء فعل وان شاء ترك، ومنه رخصة ظاهرها خلاف باطنها
يعمل بظاهرها ولا يدان بباطنها، ومنه ما على لفظ الخبر
ومعناه حكاية عن قوم، ومنه آيات نصفها منسوخة ونصفها متروكة على حالها، ومنه
مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين، ومنه مخاطبة النبي والمعني أمته، ومنه ما لفظه
مفرد ومعناه جمع، ومنه ما لا يعرف تحريمه الا
بتحليله...»[53] ، «فكانت الشيعة إذا تفرغت من تكاليفها تسأله عن
قسم، قسم، فيخبرها»[54] .
وفي الوقت الذي نجد عمر في عبارته، التي توجه بها
الى عماله وولاته على الأمصار يدعوهم فيها الى العمل بالتأويل السلبي، القائم على الرأي والقياس، كما في
قوله: «الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك، مما ليس في
كتاب ولا سنة، اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك»، نجد الإمام علي هنا
يحرض على التأويل (: الاعتبار) القائم على القياس، ولكن بصورته المنضبطة، كما في
قوله: «فاعتبروا فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال»[55] ، وقوله: «استدل على ما
لم يكن بما قد كان فان الأمور أشباه»[56] ، «اعقل ذلك فان المثل دليل على شبهه»[57] ، وتحدث عن القرآن في إطار المنطق الاستدلالي،
الذي قوامه قياس المماثلة، فقال: «وعلى كتاب الله تعرض الأمثال»[58] ، وميز بين نوعين من الاستدلال بالأمثال، فقال
بعد استرسال في ضرب الأمثال في عملية مقارنة تعتمد قياس التماثل: «فيالها أمثالا صائبة»[59] . ليشير الى قابلية
قياس التماثل غير المنضبط، لان ينتج نتائج مغلوطة، وهي العملية المنهي عنها،
المعروفة بقياس الرأي. وقد يعتمد بصورة منضبطة، لينتج النتائج الصائبة التي توصل
الفكر الى المعرفة بالحقائق، وهو المدعو له. وسنقف في
الكتاب الثاني على الدلالات المنهجية لهذه المقولات وقفة مطولة.
وحضّ الإمام علي الأمة على الاهتمام بمذاكرة
الحديث وتدوينه. وقال: «ان لم تفعلوا
يدرس»[60] . كاشفا
بذلك عن الغاية من منع العهود الماضية عن تدوين الحديث، وهاجم الرأي واعتبره من
جملة الشرك والكفر، فقال: «ثلاثة لا يقبل معهن عمل الشرك، والكفر، والرأي، قالوا:
يا أمير المؤمنين! ما الرأي؟ قال: تدع كتاب الله وسنة
رسوله، وتعمل بالرأي»[61] ، بالإضافة الى ذلك واجه تراكما كبيرا من التساؤلات الملحة، التي ألقت
بها الأوضاع المتفجرة، بحوار مفتوح أطلقه من فوق منبر الكوفة ابتدأه، بالقول: «يا
معشر الناس سلوني قبل ان تفقدوني، هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله، هذا ما زقّني رسول الله زقا
زقا، سلوني فان عندي علم الأولين والآخرين*»، وفي صيغة أخرى لهذا الخطاب الافتتاحي قال: «سلوني قبل ان تفقدوني، فوالذي فلق الحبة وبرئ
النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل نزلت أم في نهار
نزلت، مكيها ومدنيها، سفريها وحضريها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها،
تأويلها وتنزيلها لأنبأتكم»[62] ، وفي صيغة ثالثة، قال: «أيها الناس! سلوني فان
بين جوانحي علما جما، فقام إليه ابن الكوا، فقال: يا
أمير المؤمنين، ما الذاريات ذروا؟ قال: الرياح. قال: فما
الحاملات وقراً؟ قال: السحاب. قال: فما الجاريات يسرا؟
قال: السفن. قال: فما المقسمات
أمرا؟ قال: الملائكة»[63] .
وكان الإمام علي كشخصية مُحدَّثه قادرا على
التنبؤ بالغيب في أدق تفاصيله، يدل على ذلك خطاباته الكثيرة التي القاها أيام ولايته، ومن جملة تلك الخطابات، قوله: «..
فسألوني قبل ان تفقدوني، فوالذي
نفسي بيده لاتسألوني عن شئ
فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل
من أهلها قتلا، ومن يموت موتا!!»[64] ، واشرف الإمام علي(ع)
على البرنامج التربوي، الذي ينفذه بعض الأفراد من شيعته بهدف ان
يرتقي بهم، ليصلوا الى درجة الكمال الانساني،
فاوصل بذلك بعضهم الى
المرتبة التي يتمكنوا فيها من صقل قدراتهم العقلية، بحيث تخترق أستار الغيب،
فاشتهر أولئك بقدراتهم على التنبؤ بالغيب، واجتراح
المعجزات، منهم رشيد الهجري، الذي يسميه الإمام علي رشيد البلايا، «فكان رشيد في
حياته اذا لقي الرجل قال له: يا فلان تموت بميتة كذا
وكذا!. وتقتل أنت يا فلان قتلة كذا وكذا!. فيكون كما
يقول رشيد. وكان أمير المؤمنين علي يقول له: أنت رشيد البلايا انك تقتل بهذه القتلة، فكان كما قال أمير المؤمنين»[65] . والى جانب رشيد ذكر
اسم عمار بن ياسر، الذي ورد الخبر بعلمه بـ(علم المنايا
والبلايا)، وهو ذات العلم الذي عند رشيد الهجري، المختص في تحديد آجال الأحياء،
والتنبؤ بما يقع من الأحداث المستقبلية.
وتعرض الإمام علي لتحليل الواقع السياسي بكل ملابساته، وتنبأ بالمستقبل راسما تفاصيله في أدق ملامحها.
فتوقع تنامي المآسي للدين كتابا وحملة، فقال: «سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء
أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا اكثر من الكذب
على الله ورسوله، ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته،
ولا انفق منه إذا حرّف عن مواضعه، ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من
المنكر، فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته. فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان،
وصاحبان مصطحبان، في طريق واحد لا يؤويهما مؤو. فالكتاب
وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا
معهم! لان الضلالة لا توافق الهدى، وان اجتمعتا، فاجتمع القوم على الفرقة،
وافترقوا على الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم الا اسمه، ولا يعرفون الا خطه وزبره، ومن قبل مثلوا بالصالحين كل مثله، وسمّوا صدقهم على
الله فرية، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة»[66]،
فعبارته الأخيرة تشير الى ما وقع قبل عهده
* ، ليكون العهد الأموي القادم،
امتدادا لذلك الواقع، وأشد وطأة على الكيان الشيعي، الذي يمثل افراده
أبناء القرآن وأهله. يعكس ذلك اجابته للسائل، الذي سأله
عن جملة من متشابهات القرآن، فقال: «فافهم عني ما أقول لك،
فإني إنما أزيدك من الشرح لأثلج في صدرك وصدر من لعله
بعد اليوم يشك في مثل ما شككت فيه، فلا يجد مجيبا عما يسأل عنه، لعموم الطغيان،
والافتتان واضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب الى الاكتتام والاحتجاب، خيفة أهل الظلم والبغي. أما انه سيأتي
على الناس زمان يكون فيه الحق مستورا، والباطل ظاهرا مشهورا»[67] ...