حروب التأويل

يعتبر مقتل عثمان هو الشرارة، التي أشعلت حروب التأويل، وهي الحروب التي كان يفترض ان تقع بعد رحيل الرسول مباشرة. لان تأجيلها زاد الأمر تعقيدا وسوءا، إذ ربع قرن من حركة الفتوحات ألقت بإمكانات هائلة من الكنوز والأموال والرجال والمساحة الجغرافية بيد الخصوم، ترافق ذلك مع عملية افراغ الدين من محتواه بدل تعزيزه في النفوس. فأتاحت الأموال الطائلة للقرشيين شراء الرجال المرتزقة، الذين يحاربون طمعا في المال والجاه والسلطة، وافراغ شعوب البلاد المفتوحة من روح الإسلام، وقصر إسلامها على الإسلام الاسمي، ساعد على توسيع رقعة الارتزاق لتشتهر بها شعوب، اصبح دينها دينارها، فتدين لمن يملك الدينار. وعززت الرقعة الجغرافية الواسعة إمكانية المناورة، وأضافت تجربة حروب الفتوحات خبرات كبيرة لجيوش قريش، كنتيجة طبيعية لخوضها الحرب ضد جيوش إمبراطورية، طويلة التجربة العسكرية، وعالية التسلح، وعتيقة الخبرة، ثم دمج جيوش تلك الإمبراطورية المنهزمة في الجيش الإسلامي ضاعفت قدراته، فكل هذه العوامل جعلت إرجاع أمور الدولة الى العهد الرسالي الأول أمرا في غاية التعقيد. ولو تصورنا ان الحرب وقعت بعد رحيل الرسول مباشرة، فان محدودية رقعة الدولة الإسلامية، بالإضافة الى محدودية تكتلات القبائل العسكرية، كانت ستمكن من حسم الموقف بأقل مدة زمنية، وأقل خسائر ممكنة في الأرواح ..

واجهت القوة العسكرية التي تحارب بقيادة الإمام علي، بعد حدث الدار، تكتل ولاة عثمان وعماله على الأمصار من جهة، والطبقة المترفة التي تربت في ظل عطاءاته وأثرت حراما من جهة أخرى، فحدثت حرب الجمل، أعقبتها حروب صفين، التي تخللتها حرب النهروان، ولم تستوف حروب صفين كامل جولاتها، بل بالأحرى لم تبلغ جولتها الأخيرة ومعركتها الفاصلة، نتيجة اغتيال الإمام علي(ع) اثناء ادائه لصلاة الصبح، في مسجد الكوفة، فجاء استشهاده في الوقت الذي كانت فيه قطاعات جيوشه آخذه بالتقاطر والتجمع في النخيلة.

لقد كانت الحروب التي خاضها علي (ع) ذات طبيعة خاصة. فهي حروب غير مألوفة، إذ لم يعهد ان كانت الحرب تدور بين أطراف تنتمي لملة الإسلام، وان كان إسلاما ظاهريا. فكل الحروب التي خاضها الرسول هي حروب بين الكفر الصريح والإيمان الجلي، بينما حرّم الرسول على المسلم دم أخيه المسلم وماله وعرضه. هذا النمط من الحروب الداخلية الذي يبدو انه انتهاك لهذا المبدأ الاخير حدث لأول مرة في عهد الإمام علي، حتى شاعت مقولة: «ان أول من علّم قتال أهل القبلة علي بن أبي طالب»[37]  ، رغم ان ذلك ليس غريبا عن القرآن، الذي أشار الى المنافقين المعشعشين في الوسط الإسلامي، واحتمال عدوانهم، ولذلك أنزل الأمر بقتالهم، مما يهيئ العقلية المسلمة لتوقع نهوض المنافقين، دون الكشف عن عقيدتهم الباطنة، وهو قوله: (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت أحدهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا)9/49، والفئة الباغية المأمور بقتالها هي الفئة المنافقة، المشار إليها، بقوله: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم)73/9، وما تسمية الآية لهم بالمؤمنين، الا باعتبارهم ادعوا الإيمان كما يروي ذلك القرآن: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)14/49، فالقرآن سماهم بما زعموا، الا ان هذا التمهيد النظري للقرآن في ظل التجهيل بطبيعة المنهج الذي يفهم به، وتسطيح الوعي بنشر الفكر القائم على الفهم الظاهري للنص، كان يُعين على غرابة حروب التأويل الناشبة بين فرق تنتمي الى ملة الإسلام، وصعوبة استيعابها عند الأكثرية الساحقة، المتمركزة في البلاد المفتوحة المتصفة بانها حديثة عهد بالإسلام، دون مركز الدولة الإسلامية وبعض شعوب البلاد المفتوحة، كبعض قطاعات أهل العراق الذين تعرضوا الى تثقيف حواريي الرسالة.

ويمكن ان نتحرى نظرتين ونمطين من الفهم سادا تجاه واقع العنف والصراع المتفجر في قلب الأمة، وكانت كلا النظرتين متناقضتين ملتبستين. وهو ما تجلى في حالة إرباك وتلجلج في المواقف، لم تسلم منه مواقف المتقاتلين أنفسهم. الذين يفترض ان يكونوا حسموا أمرهم قبل الالتحاق بهذا الطرف أو ذاك، فهناك النظرة التي ترى في مشهد الاقتتال حربا إسلامية إسلامية، وهي نظرة الغالبية من جماهير الأمة. ونظرة أخرى ترى في الحرب بأنها بين الإسلام والإسلام المنافق، أي بين الإيمان والكفر، وهي نظرة النخبة والحواريين في جبهة الإمام علي، كما هي نظرة قادة الطرف المناوئ، فاصبح الكثيرون يقاتلون معاوية وحزبه ليس باعتبارهم كفارا، وإنما باعتبارهم فئة مؤمنة ولكنها بغت على الإمام المفترض الطاعة. ويمكن الاستشهاد على ذلك باللقطات التاريخية التالية، التي تعاقبت وتكررت في السياق التاريخي:

عن الاصبغ بن نباته، قال «كنت واقفا مع أمير المؤمنين (ع) يوم الجمل، فجاء رجل حتى وقف بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين كبّر القوم وكبّرنا، وهلّل القوم وهلّلنا، وصلى القوم وصلينا، فعلى ما تقاتلهم؟! فقال أمير المؤمنين (ع): على ما أنزل الله في كتابه.

فقال: يا أمير المؤمنين! ليس كل ما أنزل الله في كتابه أعلمه فعلمنيه.

فقال علي (ع): ما أنزل الله في سورة البقرة.

فقال: يا أمير المؤمنين! ليس كل ما أنزل الله في سورة البقرة أعلمه فعلمنيه.

فقال علي (ع): هذه الآية: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد)253/2، فنحن الذين آمنا وهم الذين كفروا، فقال: كفر القوم ورب الكعبة، ثم حمل حتى قتل رحمه الله»[38]  . وفي هذا السياق تأول الإمام علي آيات أُخر من القرآن، عن عثمان الهندي قال: رأيت عليا يوم الجمل [(يقول): من يعذرني من طلحة والزبير انهما بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي، من غير حدث أحدثت][39]، تلا هذه الآية: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر)12/9،  فحلف علي (ع) بالله، ما قوتل أهل هذه الآية منذ نزلت الا اليوم»[40]  .

والتساؤل الانف الذي طُرح في معركة الجمل ذاته يتكرر طرحه في حروب صفين. وذلك أمر طبيعي، لان القتال الداخلي بين طرفين مسلمين لم يكن مألوفا، مما دفع الإمام علي لان يحصن صفوف جيشه منه، بتعرية هذا الفهم الظاهري الساذج، ليبين ان الحرب في جوهرها هي حرب بين الكفر والإسلام ، لا بين الإسلام والإسلام. ولكن رغم ذلك بقي الأمر مثيرا للجدل، «فقد جاء رجل في صفين. فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحج واحد، فبم نسميهم؟ قال: تسميهم بما سماهم الله في كتابه! قال: ما كل ما في الكتاب اعلمه، قال: أما سمعت الله قال: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض (...) ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر)253/2، فلما وقع الاختلاف، فنحن الذين آمنوا، وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم فقاتلناهم بمشيئة الله ربنا وإرادته»[41]  ، فهذان الخبران يوضحان ان الغالبية العظمى من الجيش كانت غير قادرة على استيعاب طبيعة الحرب، ويلتبس عليها مصداقية الجهاد، الذي يتجه نحو قطاع من قطاعات الأمة. ويستعين الإمام بالصفوة والنخبة من أتباعه، في مسعى لإشاعة الوعي بطبيعة القتال الذي يخوضوه، ليواجه بهم الاستفهامات المتكررة، والشك الذي يشتعل في النفوس كالنار في الهشيم.

فأحال الإمام علي، في محاربته لظاهرة الالتباس، بعض من يأتي للسؤال عن طبيعة الحرب الى حوارييه كي يعرفوه، ففي الخبر عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: «كنا بصفين مع علي بن أبي طالب تحت راية عمار بن ياسر .. إذ اقبل رجل ..، فقال: أيكم عمار بن ياسر؟ فقال عمار: هذا عمار! قال: اني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم، وانهم على الباطل، فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى كان ليلتي هذا صباح يومنا هذا، فتقدم منادينا فشهد ألا اله الا الله، وان محمد رسول الله ونادى بالصلاة، فنادى مناديهم بمثل ذلك، ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة، ودعونا دعوة واحدة، وتلونا كتابا واحدا، ورسولنا واحد، فأدركني الشك في ليلتي هذه، فبت بليلة لايعلمها الا الله حتى أصبحت، فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له، فقال: هل لقيت عمار بن ياسر؟ قلت: لا. قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه. فجئتك لذلك. قال عمار: هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي فإنها راية عمرو بن العاص، قاتلتها مع رسول الله (ص) ثلاث مرات وهذه الرابعة، ما هي بخيرهن ولا أبرّهن بل هي شرهن وأفجرهن، أشهدت بدرا وأحدا، وحنينا أو شهدها لك أب فيخبرك عنها؟ قال: لا. قال فان مراكزنا على مراكز رايات رسول الله (ص) يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، وان هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، هل ترى هذا المعسكر ومن فيه؟ فوالله لوددت ان جيمع من أقبل مع معاوية، ممن يريد قتالنا، مفارقا للذي نحن عليه، كانوا خلقا واحدا قطعته وذبحته.. أتراني بينت لك؟ قال: قد بينت لي، قال: فاختر أي ذلك أحببت. ثم دعاه عمار فقال: أما انهم سيضربوننا بأسيافهم، حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولون: لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا، والله ما هم من الحق على ما يقذي عين ذباب، والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر، لعرفت انا على حق وهم على باطل»[42]  .

وهكذا نجد ان الوعي بالحقيقة الجوهرية للحرب لم يكن سائدا، وفي المقابل يسود موقف الشك والحيرة، ويجتاح القطاع الأوسع، والمؤسس على أساس التباس إسلام الفريق الآخر، وهو الذي دعى أربعمائة من القرّاء بقيادة ربيع بن الخيثم مطالبت الإمام علي تجنيبهم الخروج الى صفين، فبعث بهم الى الثغور، وهذه عبارة ربيع التي خاطب بها عليا(ع): «انا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك، فلا غناء بنا ولا بك ولا المسلمين عمن يقاتل العدو، خولنا بعض الثغور لنكون به ثم نقاتل عن أهله»[43]  ، فوجههم على ثغر الري. وهو الأمر الذي دعا بفريق آخر من القرّاء الى اتخاذ موقف الحياد، منهم عبيدة السلماني وأصحابه فقالوا لعلي: «انا نخرج معكم، ولاننزل عسكركم، ونعسكر على حده حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام، فمن رأيناه أراد ما لا يحل له، أو بدا منه بغي كنا عليه، فقال علي مرحبا وأهلا، هذا هو الفقه في الدين، والعلم بالسنة من لم يرض بهذا فهو جائر خائن»[44]  . فهذا الاضطراب الذي يجتاح الأمة ويوزعها الى مواقف مختلفة الاتجاهات، حسب حسابه الإمام منذ البداية، ولذلك مهد له بان تمنّع على المبايعين، ليبين لهم طبيعة الحقبة القادمة بملابساتها، وليقيم على الأمة المبايعة له البيان والمحجة، وليوثق مبايعتهم ويستنهض استعدادهم على التضحية، بالركوب معه لكل صعب، ومواجهة كل هول: «دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وان الآفاق قد أغامت وان الحجة قد تنكرت، واعلموا اني ان أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ الى قول القائل وعتب العاتب، وان تركتموني، فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا»[45]  .

والذي نكأ الجراح اكثر، وزاد في الحيرة قتال الخوارج، الذين كانوا جزءا من الصف. فانشقوا ليتحول الصف الواحد، الذي قاتل في الجمل وصفين الى جبهتين متناحرتين يقتل بعضهم بعضا، وهو القتال الذي دمر الكثير من المعنويات، وقعد بالهمم والعزائم عن الرغبة في مواصلة القتال. لاسيما وقد مات خيرة رجالات علي(ع) وبقي أراذلهم، الذين يؤثرون السلامة على الحرب، وهي الحقيقة التي كشف عنها مالك في جداله مع من طالبوا بالرضوخ الى التحكيم: «قد قُتل أماثلكم وبقي أراذلكم»[46]  ، ومن حينها ظهرت بوادر التمرد على أوامر القيادة، فبدأ ذلك بفرض التحكيم عليه، ثم بفرض الحَكم الممثل له في التحكيم فاجبروه على القبول بأبي موسى الأشعري، ورفضوا اختياره لابن عباس، ثم انشقوا عليه وكفروه، ثم عارض من بقي في صفه خوض حرب صفين قبل النهروان مع الخوارج، ثم رفضوا التوجه مباشرة بعد قتال الخوارج الى القتال في صفين، كما ارتأى الإمام علي، رغم انه لم يتجاوز عدد القتلى في صفوفهم العشرة، في وقت لم يسلم من الخوارج الا عشرة، فاجبروه على الاكتفاء بحرب النهروان، والعودة الى أهاليهم لينطلقوا لاحقا الى صفين، فسايرهم على مضض، ولم يجتمعوا لاحقا الا باللتيا واللتي في معسكر النخيلة، رغم توالي خطبه البليغة الموعظة فيهم، وحينها ضربه الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، فتفرقوا ولم يجتمعوا لخليفته.

كان انشقاق الخوارج منشؤه القاعدة العريضة المؤمنة؛ بان أهل الشام فئة مؤمنة بغت على إمام زمانها، وذلك مصداق لقوله: (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما)9/49، فاستغل قادة معسكر الشام هذه الثغرة، عندما لاحت علامات الهزيمة على جيشهم، ليتفادوا وقوع الهزيمة المنكرة، فرُفعت المصاحف وهتف بالتحكيم، فاستقطبوا بذلك الغالبية من جمهور المقاتلين في صفوف الإمام علي، الذين رأوا انسجام موقف معسكر الشام مع ظاهر الآية، ورأوا في مواصلة الإمام علي للقتال اختراقا للقرآن ومخالفة له، فاجتمع عليه زهاء عشرين ألف، وهددوه حال عدم استجابته لدعوة التحكيم بإيقافه القتال فورا بالقتل، كما قتلوا عثمان، ومن المرجح ان الوحدات المتمردة في جيش الامام علي تلقت الدعم والمساندة من قبل كتيبة القرّاء الكوفية، التي لم تشارك في الحرب مع أي من الطرفين، ولكنها أخذت لنفسها موقع الحياد مع استعدادها للقتال، حال تبين لها بغي أحد الطرفين، فتمركزت بينهما تنظر في أمرهما وترقب تتطور القتال[47]  ، فأراد معسكر الشام ان يُفعّلها ويحولها الى عامل ايجابي لصالحه لما رفع المصاحف، فنجح في استدرجها* ، فاصبح الإمام على وحواريوه ثلة قليلة مقهورة في قبال أغلبية ساحقة قاهرة، فعبر عن هذا الوضع المنقلب، بانه صار مقودا بعد ان كان قائدا. وهذا يعكس انتصار رؤية الغالبية للحرب على رؤية الأقلية التي حاول الإمام علي وحواريوه تعميمها لتكون رؤية الأغلبية، الا ان الظرف المفعم بالانفعال العنفي، ومواجهة القتل والدماء المراقة، ورائحة الجثث، يحيل بين الإنسان وبين الاستقبال الصائب للأفكار في محاكمته لها، ويسهل تمرير المؤامرات وإنجاح الشائعات، لانخفاض القدرات الفكرية والروح القتالية لدى القيادات الوسيطة، التي خلَفت القيادات الوسيطة المستشهدة، المصنفة كقيادات من الطراز الاول.

وكان طليعة المطالبين بالتحكيم من أنصاف الفقهاء وأراذل القرّاء ذوي الجبهات السود، من الذين لم يفقهوا القرآن ليجدوا عليا مسمى فيه. بل أكثرهم لا يعي التأويل الا بصيغة جزئية. ورغم ذلك ادعو صواب موقفهم وحكموا على موقف القائد الذي يشهد له بعلمه وقضائه الرسول وخيرة الصحابة، بانه خاطئ وخارج عن الدين. مما دعا الإمام الى وصفهم بالقول: «وأنتم معاشر أخفاء الهام سفهاء الأحلام»[48]  ، كما اثبت في حواره معهم تجردهم من المنطق وافتقادهم للحجة:

((قال: لما أردت قتل الخوارج بعد ان أرسلت إليهم ابن عباس لإقامة الحجة عليهم، قلت: يا معشر الخوارج أنشدكم الله، ألستم تعلمون ان في القرآن ناسخا ومنسوخا، ومحكما ومتشابها، وخاصا وعاما؟

قالوا: اللهم نعم.

فقلت: اللهم اشهد عليهم، ثم قلت: أنشدكم بالله هل تعلمون ناسخ لقرآن من منسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وخاصة وعامه؟

قالوا: اللهم لا!

قلت: أنشدكم بالله، هل تعلمون اني أعلم ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وخاصه وعامه؟

قالوا اللهم: نعم.

فقلت: من أضل منكم، وقد أقررتم بذلك، ثم قلت: اللهم إنك تعلم أني حكمت فيه بما أعلمه))[49]  . 

وقرأ الإمام علي آيات القرآن تأويلا ، ليكشف للخوارج بعض ما نزل فيه وفيهم، وليفند اتهاماتهم له، نموذج لذلك، قوله: «قولكم اني كنت وصيا فضيعت الوصية، فان الله عز وجل يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين)97/3، فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت ليكفر بتركهم إياه، ولكن كانوا يكفرون بتركهم، لان الله تعالى قد نصبه لهم علما، وكذلك نصبني علما، حيث قال رسول الله: «يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأنت مني بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي» فقالوا: وهذه لك بحجتنا فأذعنوا، فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممن كانوا قعدوا عنه فقاتلهم وقتلهم»[50]  . فيفرض تأويل الإمام بالكعبة ان التواصل مع الإمام واطاعتة واجبة على الأمة، والإعراض عنه كفر، كما يثبت استحالة صدور الكفر عنه. وحين سئل الإمام علي عن قوله: (هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بايات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا)103-105/18، قال: هم كفرة أهل الكتاب، ثم رفع صوته فقال: «وما أهل النهر منهم ببعيد»[51]  ، في إشارة مستقبلية تسبق حدث وقوع المعركة، التي عرفت بالتاريخ بالنهروان، لوقوعها قرب نهر.

فكان جهل الخوارج بالتأويل نتيجة لسياسة التجهيل التي مارستها السلطات القرشية المتعاقبة. فكانوا ضحايا لهذه السياسة، والإمام علي انتهى به المطاف، لان يكون ضحية لهم، فقد قتلوه بجهلهم، الذي فرضه الحكّام عليهم، ولذلك قال الإمام علي فيهم: «ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»[52]، مميزا اتجاه الخوارج عن الاتجاه الأموي.