قتل الثّوار عثمان ولووا أعنة جيادهم قاصدين دار علي (ع). ومما يثير الانتباه ان
حدث الاغتيال تم في الثامن عشر من ذي الحجة[27] ، وهي الذكرى السادسة
والعشرين لحدث غدير خم، الذي فيه نصّب الإمام علي وبويع
بالخلافة، عندما أمرِ الرسول (ص) في قوله تعالى: (بلغ ما انزل إليك في علي، وان لم
تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)67/5. وهذا التوقيت للحدث لا يمكن، على
ضوء ما تقدم من ملاحظات، عزوه للصدفة والاتفاق، بل يؤكد بان الامر
كان مخططا له. فحصار الثوار لدار عثمان مُدّد ليتوافق مع الذكرى، ليصبح لهذا
التوافق دلالته العميقة، حيث أريد إعادة الحق الى
نصابه، وتكفير الأمة عن ذنبها وتقصيرها تجاه الوصي، في الذكرى التي فيها أعطاه
الله هذا الحق، وتكون أضحية عيد الغدير وكبش الفداء، هو من نازع صاحب الأمر حقه
الإلهي. وبهذا القتل كانت الأمة تكفّر عن الذنب وتتقرب الى
الله سبحانه وتعالى، وأراد الإمام علي بهذا التوقيت المدروس، ان
يترك بصماته لشهادة التاريخ واضحه
على الحدث، الذي صنعته أياديه وبطانته.
بايع أولئك الأقطاب الإمام عليا، كل عن الكتلة
البشرية التي يمثلها. فبايع مالك الأشتر عن أهل الكوفة،
وكذلك فعل الآخرون، وكما هاجر الرسول الى المنطقة التي
آمنت به ونصرته، هاجر الإمام علي(ع) كذلك، ونقل معه عاصمة الخلافة الإسلامية الى الكوفة والى العراق البلد التي ناصرته بفاعلية كبيرة،
ليبدأ المرحلة الثانية ،التي فيها يستخدم أهل العراق
مادة للحروب، التي بشّر بها رسول الله، وعنونها بحروب التأويل، والتي أجلت حتى هذا
الإشعار، بينما كان من المفترض ان تنطلق بعد وفاة
الرسول مباشرة، كرد على انقلاب السقيفة.
وعندما تحدث الإمام على(ع) عن مقتل عثمان، فانه اما يتبرأ من دمه، اذ لم يباشر
القتل، وإما ينسب قتله الى عمله، كما قال في خطبته:
«وأجهز عليه عمله»[28] ، فكان الوضع المضطرب لا
يمنح الإمام علي القدرة على التصريح، ويدعوه الى قصر
الأمر على أولي الألباب بالاعتماد على لحن الكلام
* الذي يُعرف به الفقهاء. ونموذجا لترميز
تصريحاته، ولحنه فيها قوله: «لو امرت به لكنت قاتلا، او نهيت عنه لكنت ناصرا»[29]،
فهذه العبارة تفيد في الظاهر انه لم يأمر بقتله كما لم ينه عنه، الا ان فقيه التأويل لا يرى في
العبارة اثباتا لشيء على الاطلاق،
وما هي الا لحن قول، باعتبار كلمة (لو) في اول الجملة لاتثبت ولا تنفي الفعل
الوارد بعدها ولا الاخر المعطوف
عليه. وعند تحليلنا لمقولة اخرى له يوردها بهذا الصدد:
«ان عثمان جلس في غير مجلسه، وارتدى بغير ردائه، صارع
الحق فصرعه الحق»[30] ، فهذا المجلس الذي جلس
فيه عثمان والرداء الذي ارتداه، هو المجلس ذاته الذي قام فيه أبو بكر، والقميص
عينه الذي تقمصه عمر، وعنهما قال: «أما والله لقد
تقمصها ابن أبي قحافة، وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحا،
ينحدر عني السيل ولا يرقى الى الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين ان أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها
مؤمن حتى يلقى ربه!»[31] . وكما قال الإمام علي
مقولته بقتال الأول، هاهو يوضح ان الحال مازال مستمرا
مع عثمان، الا ان في عهد
الأول والثاني لم يكن لديه الأنصار، فهو بمثابة من يصول بيد مقطوعة (جذاء)، بينما في عهد عثمان، فانه بنى القاعدة المناصرة له،
المستعدة للتضحية لاسترداد إرثه، فكان ذا يد طولى سلطها
على عثمان الذي صارع الحق، وعلي(ع) هو الحق، لقول الرسول: «علي مع الحق والحق مع
علي يدور حيثما دار»[32] ، فكانت نتيجة مصارعة
الحق، قوله تعالى: (جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان
زهوقا)81/17.
واعتمد الأسلوب المتقي ذاته حواريوه، كما فعل
عمار بن ياسر، الذي مثّل الناطق باسم الإمام علي في الحوار، الذي دار بين وفد
بقيادته واخر برئاسة عمرو بن العاص**
ونص الحوار الذي تطرق لمقتل عثمان، كالتالي:
((قال عمرو بن العاص لعمار: ما ترى في قتل
عثمان؟
قال عمار: فتح لكم باب كل سوء.
قال عمرو: فعلي قتله؟
قال عمار: بل الله رب علي قتله وعلي
معه!.
قال عمرو: أ كنت فيمن قتله؟
قال: كنت مع من قتله، وأنا اليوم أقاتل معهم.
قال عمرو: فلم قتلتموه؟
فقال عمار: أراد ان
يغير ديننا فقتلناه.
فقال عمرو: الا
تسمعون؟ قد اعترف بقتل عثمان.
قال عمار: وقد قالها فرعون قبلك لقومه: (الا تسمعون)25/26.
فقام أهل الشام ولهم زجل فركبوا خيولهم فرجعوا،
وقام عمار وأصحابه فركبوا خيولهم ورجعوا، فبلغ معاوية ما كان بينهم، فقال: هلك
العرب ان أخذتهم [حركتهم] خفة العبد الأسود يعني عمار))[33] . انحرف ابن العاص في
حواره بعيدا عن الحديث، الذي ورد في عمار كعلامة فارقة بين الحق والباطل، وبدهائه
جر الحديث الى مقتل عثمان، ورغم ما فيه من تمويه ولحن الا انه يشف عن الحقيقة، فعبارة عمار: الله هو قاتل عثمان
وعلي معه، الضمير في (معه)، هل يعود الى عثمان، أو يعود
الى الله؟ الوجهان جائزان، ويمكن لعمار ان يلتمس من عبارته المخرج، لذلك لم يدينه ابن العاص بتلك
العبارة، وحاول استدراجه الى إجابة صريحة، فسأله ان كان ممن قتله، فأجابه عمار بإجابة ملتبسة، (كنتُ مع من
قتله)، وحين سأله لما قتلتموه، أجاب عمار بإجابة صريحة غير مقصودة ورد فيها
الاعتراف: (... فقتلناه)، وحينها أخذها ابن العاص مستمسك إدانة، يثير به الحمية،
التي تجعل زعماء جيش الشام متمسكين بخيار القتال.
لحن عبارة عمار المتقية يندرج في سياق لحن عبارة
الامام علي ويتوخى الاهداف
ذاتها، مما يجعل التحليل ذات التحليل، فقوله: «قتله رب علي وعلي معه»، فالله هو رب
علي(ع). ولما كان الله قد اعتبر فعل خليفته في الأرض
فعله، أصبحت ممارسة الله للقتل تعبيرا عن ممارسة خليفة الله له. فينسب الله فعل
خليفته لنفسه، لانه يصدر عن أمره ونهيه، بشهادة الكتاب
في قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)17/8،(ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق
أيديهم)10/48، فالآية الاخيرة تجعل يد الرسول هي يد
الله، بينما الآية المتقدمة تجعل فعل يد الرسول هو فعل ليد الله، على هذا الاساس يبني
عمار عبارته، حين ينسب فعل القتل الى الله، فيكون بذلك
قد نسب الفعل لعلي(ع)، بلا أدنى فرق. يضاف الى ذلك، ان الإمام علي حين يتهم بقتل عثمان، ليس باعتباره باشر القتل،
وإنما باعتباره انبعث فريق الاغتيال عن أمره بالقتل، فحواريوه هم أياديه، التي صنع
من خلالها حدث يوم الدار. بهذا يتبين ان عليا ينسب فعله
الى الله، لانه يصدر عن
أمره، وفعل أصحابه منسوب له باعتبارهم يصدرون عن أمره، وذات فعلهم منسوب ايضا الى الله، إذ في النهاية
يمتثلون أمر الله. يصادق على ذلك ان تعذيب الله لخلقة، حين تطلق العبارة، فانها في
وجه من وجوهها، لا تعبر عن ممارسة الله للتعذيب بشكل مباشر، وإنما بأيدي المؤمنين
وبواسطتهم، وهو قوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم)14/9، فالله الذي
يعذبهم، ولكن بأيديكم.
ولتوعية الإمام علي الرأي العام بما جرى بعد
الرسول من خلاف حول الإمامة، وتفنيد التحريف الذي لحق بذلك الرأي العام نتيجة
الإعلام المضلل، حرص في افتتاحية كل خطبة ان يلتزم
بعبارة مقتضبة تختزل الرؤية المتبناة في حدث الخلاف، ويكرس بتكرارها وعيا جديدا،
فيه ينفي الشرعية عن كل الحكومات المتقدمة، ويقصر بذلك الشرعية على حكومته وحده. فلا شرعية لحكومة إسلامية تقوم بعد الرسول غير حكومة آل
الرسول، وفي ذلك شهادة بتساوي حكومة عثمان مع الحكومتين المتقدمتين عليه، والتي
أصدر الإمام علي تهديده بقتالهما، مما يجعل تهديده ساري
في حق الحكومة الثالثة، ويبرر مسؤولية الإمام علي عن قتل عثمان، ففي الخبر: خطب أمير المؤمنين (ع) خطبة
بالكوفة، فلما كان في آخر كلامه، قال: «الا واني لأولى
الناس بالناس، ومازلت مظلوما منذ قبض رسول لله (ص)»، فقام إليه الأشعث بن قيس،
فقال: يا أمير المؤمنين لم تخطب خطبة منذ قدمت العراق الا
وقلت: «والله اني أولى الناس بالناس، فما زلت مظلوما
منذ قبض رسول الله»، ولما تولى تيم وعدي، الا ضربت بسيفك
دون ظلامتك؟»[34] . فكانت مواقف علي واضحة ودالة على مسؤليته عن مقتل عثمان، حيث اعتبر ذلك واجبا شرعيا، ما استطاع
ان ينفذه تجاه الأول والثاني، نتيجة الظرف الموضوعي،
الذي وجد فيه، وسبق منه توصيفه، وحينما تمكن من تطويع الظرف من حوله، أحدث يوم
الدار.
وهذه المسئولية يؤكدها أتباعه
وأنصاره، فعمار بن ياسر هو الذي هتف في صفين: «أين من يبغي رضوان ربه ولا
يؤوب الى مال ولا ولد؟ قال الراوي: فأتت عصابة من الناس
.. فقال: أيها الناس هموا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون انه
قُتل مظلوما، والله ان كان الا
ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله»[35]
، فهذا التصريح لا يستقل به عمار عن قائده،
وإنما عمار سر الإمام علي، والمتحدث باسمه، ويكمل لنا التصور المنعكس عن عبارته الآنفة خطاب آخر له في صفين قال فيه: «امضوا معي عباد الله الى قوم يطلبون فيما يزعمون
بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله، إنما قتله
الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالإحسان»[36] . فعثمان ظالم
لمخالفته الكتاب، الذي نص فيما نص على ولاية علي بعد الرسول، وقد قتله الصالحون من
أمة محمد(ص). ولا نجد تكلفا حينما نفسر عبارته بالسياق التاريخي، الذي قيلت فيه،
فليس آنذاك من بين الفرقاء والأحزاب المتناحرة جهة يتجلي فيها الحق والصلاح غير الكيان الذي يتزعمه الإمام علي
أمير الصالحين. بدلالة الأخبار المتضافرة عن الرسول. التي تعتبر التحرك العلوي،
وما سيقوم به من حروب، امتدادا لحروب الرسول، ومتابعة لحروب الرسالة ضد الكفر
القادم من جديد تحت استار النفاق.