سيرة القتلة

ولتسليط الضوء على تلك العلاقة التي تربط الإمام علي بعناصر مجموعة الاقتحام، ومنفذي عملية الاغتيال، ننظر في تاريخ اولئك الرجال، لنحدد مدى موضوعية وصف منفذي العملية وقادة الثورة بانهم بطانة علي بن ابي طالب:

محمد بن أبي بكر[21]   المتهم الأول بالقتل، نشأ في كنف الإمام علي، الذي تزوج أمه أسماء زوج أبي بكر، فكان ربيبا له، لذلك ارتبط به ارتباط الأب بابنه، وعن هذه العلاقة يقول الإمام علي: « ولدا ناصحا»، «لقد كان لي حبيبا، وكان لي ربيبا»، وإذا ما نظرنا إلى الإمام علي باعتباره مبدئيا في عواطفه، أي أن حبه أو بغضه للشخص مبني على مدى حب الله أو بغضه له، والمبتني على مدى الالتزام بالدين، وهو القائل: « وأحبب الإخوان على قدر التقوى»[22]  ،  فان حب علي لمحمد بن أبي بكر يكشف ما تتصف به شخصية محمد من مواصفات إيمانية، فكان محمد تابعا للإمام علي من منطلق مبدئي لا شخصي، ويمثل في تحركه الجهادي فكرة الوصاية.

بعد حدث يوم الدار نجد حب الإمام علي يتجلى أكثر في الموقف العملي الذي فيه ينصب محمد بن أبي بكر أميرا على مصر التي تعتبر واحدة من أهم ولايات البلاد الاسلامية، وحين يكتب كتاب تنصيبه لذاك المنصب إلى أهل مصر، يقول: «احسنوا أهل مصر موازرة محمد أميركم واثبتوا على طاعته تردوا حوض نبيكم (ص) أعاننا الله وإياكم على ما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ولما هجم جيش الشام على مصر بقيادة عمرو بن العاص، وانهزم محمد، ثم قتل واحرق، وفرح أهل الشام فرحا عظيما بقتله، بلغ على الخبر، فقام خطيبا في الأمة: «أما بعد فان مصر قد افتتحت ومحمد بن أبي بكر، رحمه الله، قد استشهد فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا، وعاملا كادحا، وسيفا قاطعا، وركنا دافعا»، ففي الخطاب الأول يكشف الأمام علي ان طاعة أهل مصر لأميرهم محمد توردهم حوض نبيهم، تعبيرا عن ظفرهم بالجنة. ولان في الآخرة يكون الحضور اجتماعي: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)، فان محمد بن أبي بكر يأتي إماما للوسط الاجتماعي الذي عاصره، ليكون داعيا للجنة. بينما في الخطاب الثاني عدّ الإمام علي محمد بن أبي بكر ولدا ناصحا، وعاملا كادحا، وسيفا قاطعا، وركنا دافعا، وفي مقاربة مع قوله: (قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد)80/11، فان محمد بن أبي بكر استعان به الإمام علي كقوة هجوم، فهو سيف قاطع يحارب به الفجار، كما لاذ به كقوة دافعة، فهو الركن الذي يركن إليه ليدفع به الأعداء، فتبدى ذلك في يوم الدار، ثم في المعارك التي أعقبته. وهو في النهاية مشيرة! وناصحه! وابنه! وحبيبه!. فإذا كانت طبيعة العلاقة بين الإمام علي ومحمد بن أبي بكر تصل إلى هذه الدرجة من المتانة، فهل مشاركة محمد يوم الدار في طليعة فريق الاغتيال تصدر عن غير علم ورضى من الإمام علي؟!.

عمار بن ياسر[23]   المتهم الثاني، يعتبر عمار أحد العلامات البارزة، والدلالات الفارقة في تنازع الفرقاء التمثيل للاسلام. وذلك لمقولة الرسول فيه: «تقتلك الفئة الباغية واخر زادك ضباح من لبن»، وحين قتله اهل الشام ، وشاع خبر مقتله في صفوف معسكرهم اضطرب المعسكر على معاوية لشيوع خبر الرسول فيهم، حتى التمس معاوية للحديث تأويلا، فتأول الحديث عمرو بن العاص،بالقول: «قتله الذي أخرجه من داره ورماه بين أسنة رماحنا».

وقد أوصى الرسول عمارا: «يا عمار‍! ستكون بعدي فتنة، فإذا كان كذلك، فاتبع عليا (ع) وحزبه فانه مع الحق والحق معه»، وهذا يدل على ان عمارا في تحركه الصانع لحدث يوم الدار، لم يكن يصدر الا عن إتباع للإمام علي(ع)، فلم يتحرك مستقلا وقد أُمر بالالتزام بإمامة علي، فكان موقفه الملازم لعلي في معاركه امتدادا لموقفه الملتزم قبل ذلك.

وحين استأذن عمار عليا، للخروج للنزال في اليوم الذي قتل فيه، كان علي يؤخره حتى استشعر عمار،  بأنه اليوم الموعود، وحين سأل عليا، أكد له ذلك، فنزل علي من على فرسه وعانق عمارا وبكيا. وحين بلغ عليا نبأ مقتله، قال: «انا لله وانا إليه راجعون، ان امرؤ ا لم يدخل عليه مصيبة من قتل عمار، فما هو من الإسلام من شيء»، ثم صلى عليه، وانشد بعدها أبيات يعرب فيها عن حبه لعمار، وزهده بالحياة لفقد عمار، وأمثاله من الأحبة  *  .

إذن؛ اذا كان مقتل عمار قاتل عثمان رزيّة رزأ بها الإسلام، فذلك يحتم القول بالمقابل ان قتله ثأرا لعثمان أو قصاصا، لم يكن انتصارا للدين، ولا إعزازا للإسلام في رأي الإمام علي!! ونسبة قتل عمار لتكتل الشام، الذي مثل بطانة عثمان، يدين عثمان وبطانته بالبغي، لذلك نستنتج ان عمارا بقتله لعثمان كان يمارس العمل الصالح، وأتت مشاركته في حروب التأويل متابعة لمخطط قتل عثمان، وتصفية لبطانته، ولاثار نظامه، وكان تحرك عمار في كل مراحل المخطط يستند لتوجيهات القيادة المتمثلة في الإمام علي.

مالك الاشتر[24]   المتهم الثالث، تبوأ مالك مقام القيادة في جيش الإمام علي، كما كان له موقع القيادة في حدث يوم الدار. قدم الإمام علي تصوره عن مالك من خلال كتاب كتبه الى أميرين من أُمراء جيشه يولي عليهما مالكا قائدا، جاء فيه: «وقد أمّرت عليكما وعلى من في حيزكما مالك بن الحارث الأشتر، فاسمعا له وأطيعا واجعلاه درعا ومجنّا، فانه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعه الى ما البطء عنه أمثل»، ثم عيّنه واليا له على مصر، وكتب كتاب تعيينه الى أهل مصر ، والذي يطلعنا فيه على المزيد من مواصفات شخصية مالك، اذ يقول: «أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل* عن الأعداء ساعات الروع، أشد على الفجار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مدحج  فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق، فانه سيف من سيوف الله، لا كليل الظبة، ولا نابي الضريبة، فان أمركم ان تنفروا فانفروا، وان أمركم ان تقيموا فأقيموا، فانه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم الا عن أمري وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم، وشدّة شكيمته على عدوّكم». وحين بلغه مقتل مالك وهو في طريقه الى مصر، صعد المنبر خطيبا: «الا ان مالك بن الحارث قد قضى نحبه وأوفى بعهده ولقي ربه فرحم الله مالكا، مالك وما مالك، والله لو كان جبلا لكان فندا، ولو كان حجرا لكان صلدا، لا يرتقيه الحافر، ولا يوفي إليه الطائر، لله مالك وما مالك، وهل تلد النساء كمالك، وهل وجد كمالك، فلما نزل ودخل القصر، أقبل عليه رجال من قريش، فقالوا: شد ما جزعت عليه، وقد هلك، قال: أما والله هلاكه فقد أعز أهل المغرب، وأذل أهل المشرق، وبكى عليه أياما، وحزن عليه حزنا شديدا، وقال: لا أرى مثله بعده أبدا، [لقد كان لي كما كنت لرسول الله]».

في كل هذه البيانات يرسم الإمام علي تضاريس شخصية مالك، فهو قائد من طراز فريد، عالي في همته، عظيم في عقله، عميق في إيمانه، حازم في أمره. لذلك اتخذه مستشارا، ولقبه في خطابه بسيف الله، ورأى شدته على الكافرين أشد من حريق النار، كما رأى في التزامه الصرامة، فهو لا يصدر أو يحجم الا عن أمره. ونلامس عظيم مقامه في نفس الامام علي، حين يصفه في موقعه منه بموقعه من الرسول، لذلك حين فقده لم يتوقع ان يحل احد بديلا عنه. وهذه المواصفات والطاعة الملتزمة بالأوامر، بشكلها الفريد، ليست مترتبة على البيعة ولا وليدة ساعتها، بل لابد ان تكون سابقة لها، مما يعني ان مالك ما أقدم على المشاركة في حدث يوم الدار الا عن أمر  الإمام علي، فكان سيفاً لله بيد علي (ع)، وظفه لانتاج حدث يوم الدار، ثم تابع توظيفه في حروبه ضد الفجار، الذين يمثلون فلول نظام عثمان. يعزز ذلك قول معاوية لما بلغه نبأ استشهاد مالك نتيجة مؤامرة دس فيها السم اليه: «ان عليا كانت له يمينان قطعت أحدهما بصفين، يعني عمار بن ياسر، وأخرى اليوم»، وهو وصف لايحيد عن الصواب، وان صدر عن ابرز مناوئي علي. فهذا ان دل على شيء فانما يدل على شهرة وذيوع صيت العلاقة الوطيدة بين مالك وعلي.

عمرو بن الحمق[25]   المتهم الرابع، يعتبر عمرو من أوائل من أسلم، وقد روي عنه القول: «بعث النبي يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء»، وهو من الزهاد العباد، وفيه يقول الإمام الحسين في رسالته لمعاوية: «أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه وأصفر لونه»، وصل بعبادته الى درجة الرجال الصديقين الذين ورد الحديث فيهم: «ان لله رجال إذا أرادوا أراد»، فيروى عنه انه مرر يده على ركب مقعد كسيح فرده سليما معافى، وعلى عين أعمى فردّه بصيرا.

عدّه بعض كتّاب السير والتراجم في منزلته من علي بمنزلة سلمان الفارسي من رسول الله (ص)، ومن جملة ثناء الإمام علي عليه، قوله: «اللهم نور قلبه باليقين وأهده الى الصراط المستقيم، ليت في شيعتي مائة مثلك»، فعمرو بن الحمق شارك في حروب علي، وكانت  شخصيته تتميز بالمواصفات، التي تمنى معها الإمام، لو كان في جيشه مائة من أمثاله.

ثم في إطلاع الإمام علي عمروا بتفاصيل تتعلق بمستقبله، من جملتها نصيحته له ببيع داره التي في الكوفة وشراء دار في الازد، لقدرة هذه القبيلة على منعه من بطش معاوية، الذي سيكون حينها في موقع  السلطة، ثم اخبره بكيفية مقتله تفصيلا.

وبعد رحيل الإمام علي لازم عمرو الإمام الحسن، وأنكر الشتم الذي سنه معاوية لأهل البيت على المنابر، برده على الشاتم من على منبر الكوفة، ونتيجة اشتهاره بالتشيع ولموقفه الشاجب للشتم، تعرض للملاحقة بغية تصفيته، فطورد، فتنقل في بعض أحياء العرب خائفا مذعورا، حتى نزل في قومه من بني خزاعة فأسلموه، فقتل، واحتز رأسه، وحمل على رمح من العراق الى معاوية بالشام، فكان أول رأس في الإسلام، يحمل من بلد الى بلد.

ففي سيرة عمرو دليل واضح على قرب منزلته من علي وعمق العلاقة القائمة بينهما، وان عمروا في مشاركته في يوم الدار، كبقية أقرانه المشاركين في الطليعة، كمجموعة موالية للإمام علي، تخضع لتوجيهاته، التزاما منها بقيادته، التي فرضها الرسول على الأمة.

حكيم بن جبلة العبدي المتهم الخامس، هو قائد فوج الثّوار القادم من البصرة، تصفه كتب السير بشهرته بالولاء لعلي والنصح له، وتورد تلك الكتب بيتا من الشعر تنسبه للإمام علي *  قاله في حق حكيم بن جبلة يبين منزلته عند الله وعند علي، تميز حكيم بشجاعته المشهوده التي اسهمت بسرعة استشهاده في المواجهات والحروب، التي أعقبت حدث يوم الدار، فحين بلغ حكيم ما تعرض له عثمان بن حنيف عامل الإمام على(ع) على البصرة، من قبل الزبير وطلحة الداخلين الى البصرة فاتحين ومناهضين لقيادة الإمام علي وناكثين بيعته، كان أول المتصدين لحركة الانشقاق على القيادة الشرعية، حيث بادر الى قيادة كتيبة مؤلفة من ثلاثمائة من فرسان عبد قيس وربيعه، مخالفا ومنابذا لطلحة والزبير، فخرجوا إليه وحملوا عائشة على جمل، فحدث يوم الجمل الأصغر،  الذي فيه تصادم الفريقان صداما عنيفا، أدى الى مقتل القائد حكيم بن جبلة بعد ان أبدى بسالة وشجاعة، وقتل معه ثلاثة أخوة له، وأبيدت الكتيبة التي قادها عن بكرة أبيها، فلم ينجُ منهم أحد، وسمي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر، ويوم علي يوم الجمل الأكبر.

وبتناهي أخبار واقعة الجمل الأصغر الى المدينة، اشتد حزن الإمام علي(ع) على من قتل من ربيعة وعبد قيس، وهي القبائل المعروفة بولائها لأهل البيت، فليس من السهل على القائد ان يخسر باكرا هذا العدد الكبير نسبيا من المقاتلين الأشاوس، فكان في تفجعه عليهم يكثر ترديد البيت: [يا لهف نفسي على ربيعة / ربيعة السامعة المطيعة][26] .

ان ترجمة سيرة الصف الأول من الرجال البارزين في حدث يوم الدار، تكشف ان هؤلاء الرجال كانوا على صلة وطيدة بالإمام علي، وان قيادتهم لأفواج الثائرين، القادمة من الآفاق، ومشاركتهم الفاعلة في الاقتحام، وإنجاز مهمة الاغتيال، وتموقعهم في المناصب الرفيعة في تركيبة الجيش الذي قاده الإمام علي(ع)، وبعد ذلك في جهاز الدولة الذي شكله، وأقواله فيهم تكشف عن مكانتهم عنده، وعلاقتهم الشخصية به. كل ذلك يجعل المراقب لا يشك في وصف تلك الثلة بانها بطانة علي(ع) التي تداول معها في الشأن العام بالأمس سرا، ويوم استتب له الأمر تداوله معها علانية. كما لا يتردد المحلل في الحكم على حركة تلك الثلة، الصانعة لحدث يوم الدار، بانها صادرة عن تخطيط وتوجيه مسبق من القيادة السياسية، والمرجعية الفكرية التي تؤمن بها، وتتحرك وفق توجيهاتها.