أما عن نشاط الإمام علي إبان الحصار، الذي انتهى
بمقتل عثمان، فنقف مع اتجاهين متضادين من الأخبار يقدمان رؤيتين
مختلفتين لموقف الإمام علي من الثورة:
الاتجاه الأول: يشركه في مساع حميدة ووساطة قام
بها بين عثمان والثوّار، بل ويظهره بمظهر المدافع الأول عن
عثمان، الى الدرجة التي يدفع فيها بابنيه الحسن
والحسين، ريحانتي الرسول، وبعض مواليه الى المشاركة في
الدفاع عن عثمان بأرواحهم، بالوقوف على باب بيته شاهرين السيوف في وجه الثّورة.
ولما قتل عثمان عاتب ابنيه، بل لطم الحسن، وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة،
ولعن عبدالله بن الزبير*.
الاتجاه الثاني: يُجلس علي وأهله في البيت، فهو
لم يبرح باب بيته، لتكون له أي مشاركة ظاهرة في الأحداث، ولم تبدر له طوال فترة
الأحداث أي بادرة في كل ما جرى، ولم يسهم بأي أمر أو نهي لأي فريق من الفرقين
المتنازعين، على الأقل بشكل ظاهر.
والاتجاهان يقفان على طرفي نقيض، كما هو واضح، لايمكن الجمع بينهما على أي حال.
ويمكن تناولهما بالنقد والمناقشة، للتعرف على حقيقتهما:
يؤخذ على هذا الاتجاه تناقضه مع السياق
التاريخي، فموقف الإمام علي من الخلفاء، لم يكن يتسم بالود وطيب العلاقة حتى يؤدي الى هذا الموقف، بل هو قائم على الرفض لبيعتهم، لذلك يعتري
العلاقة بينهما التوتر ويشوبها الحذر المتبادل، لاسيما
مع عثمان، الذي شهد عهده مصادمات كلامية بين الطرفين. ثم لا يستقيم ان يدافع الإمام على عن عثمان، في الوقت الذي مضت عبارته،
التي فيها يقيّم ما آلت إليه أوضاع الأمة في ظل خلافة عثمان.
حيث يوضح ان عثمان وبطانته وعماله على الأمصار كل منهم
استبد بولاية من ولايات البلاد الإسلامية فاستعبد أهلها واستأثر بخراجها، وقد صرح
عند استلامه للسلطة برأيه في عهد عثمان بالقول: «لكنني آسى ان
يلي أمر هذه الأمة سفهاءها وفجارها، فيُتخذ مال الله دولا، وعباده خولا، والصالحين
حربا، والفاسقين حزبا، فان منهم الذي شرب فيكم الحرام، وجُلد حدا في الإسلام، وان
منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ»[17] ، مما يدل على إيمانه بان
الوضع السياسي يعيش ظاهرة الطغيان في اسوء أشكاله، ثم
كيف يدفع علي بابنيه ومواليه ليخفروا بيت عثمان ويدفعوا عنه القتل، وعثمان والملأ
من حوله في منظار خطاب علي هم السفهاء والفجار وحزب الفاسقين، وهو ما يجعل الذين
يثورون على عثمان وملئه هم الصالحين وحزب المؤمنين. ثم يدافع عن عثمان والثّوار
يهتفون باسمه كتنويه يشير الى انتخابهم له، لما يمثله
من العدالة الاجتماعية، وهذا الموقف لو تم يفترض ان يكف
الثّوار عن قتل عثمان، لثقتهم بعلي الذي يكون قد أوضح موقفه من خلال دفاع ابنيه عن
عثمان. أو لا اقل يبدد ثقتهم بعلي باعتباره ليس جديرا
بالثقة، بعد دفاعه عن ظاهرة الطغيان السياسي. ثم لو قام بذلك لشف موقفه عن ظلم
الثوار للخليفة الحاكم وعدوانهم عليه، فهو في موقفه إنما صد العدوان، وعليه فلا ينبغي ان
يدفع بولديه بالذات، وانما ينبغي ان
يقوم بتكليفه الشرعي فيدافع عن الخليفة، ويستتبع هذا الموقف لو حصل ألا يتعاطى علي
(ع) مع القتلة باحسان، باعتبارهم
ظالمين، بل ويقتص منهم إذا ما
تمكن. ولو فُرض ان ذلك تقية فان التقية مرفوضة ان تبلغ درجة الدماء، ولو حدثت لأربكت الأكثرية، التي لا تفهم
خلفية الأحداث، ولزرعت فيهم الفتنة، كما حدثت ابان رفع المصاحف في صفين، فما علي إلا قرآن ناطق، ولو ظهر في
تلك اللحظة التاريخية الحرجة، لاوقع إرباكا للموقف،
وثبط العزائم.
لكن ما حدث عكس ذلك. فكان موقف الإمام علي من
القتلة موقف الرضا والإشادة، حيث منحهم ثقته بإعطائهم المواقع الرفيعة في الدولة
الإسلامية، فهم عماله على الأمصار، وقادة لأجنحة جيوشه، وان تعامل الإمام علي مع
ابنيه بالكيفية المزعومة فيه منافاة للعقل الراجح، الذي تمتع به كل من الحسن
والحسين في سن مبكرة، كما تروي الأخبار عن الرسول معاملة في غاية الاحترام
والإجلال للحسنين. ولم يكن علي في سيرته مع ابنيه الا
محتذيا لمسلك الرسول، فهذه الصورة شاذة وغير مألوفة في سيرة الإمام علي مع ابنيه،
ولذلك ننفي وقوعها. كما ان عموم الرؤية، التي تظهر
الإمام علي وسيطا ومدافعا، تنافى وقائع التاريخ وتناقضها، فهي من جملة الوضع
والتزوير في التاريخ، وهو ما سنجليه في العنوان القادم.
رؤية هذا الاتجاه تتناسب
مع السياق التاريخي. فعلي(ع) لم يكن في مقولته التي هدد
فيها بالإطاحة بالأول والثاني، الا منسجما مع
حدث يوم الدار، الذي يمثل محاولة للإطاحة بعثمان، يقف وراءها متجنبا الظهور العلني
ومضاعفاته الوخيمة، المشار إليها آنفا، والتي قد تنعكس على مجمل التحرك، وتؤدي به الى الانتكاس، والفشل الذريع.
والذي يؤيد هذه الرؤية التي يعبر عنها الاتجاه الثاني عدة شواهد، من جملتها: كتاب
معاوية الى علي (ع): «من معاوية بن أبي سفيان الى علي بن أبي طالب، سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا اله الا هو، أما بعد فان الله اصطفي محمدا بعلمه، وجعله الأمين
على وحيه، والرسول الى خلقه، واجتبى له من المسلمين
أعوانا أيده الله بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان
أفضلهم في إسلامه، وانصحهم لله ولرسوله الخليفة من بعده، وخليفة خليفته والثالث
الخليفة المظلوم عثمان، فكلهم حسدت، وعلى كلهم بغيت، عرفنا ذلك في إبطائك عن
الخلفاء، تقاد الى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش*، حتى تبايع كارها، ثم لم تكن لأحد
منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان، وكان أحقهم الا
تفعل به ذلك في قرابته وصهره، فقطعت رحمه، وقبحت محاسنه، وألبت الناس عليه، وبطنت
وأظهرت، حتى ضربت إليه آباط الإبل، وقيدت إليه الخيل العِراب،
وحُمل عليه السلاح في حرم رسول الله، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة** ، لا تردع الظن والتهمة عن
نفسك فيه بقول ولا فعل، فأقسم صادقا ان لو قمت فيما كان
من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه*** ، لما عدل بك من قبلنا من الناس إذا ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك
به من المجانبة لعثمان والبغي عليه، وأخرى أنت بها عند
أنصار عثمان ظنين، إيواؤك قتلة عثمان فهم عضدك وأنصارك
ويدك وبطانتك* ، وقد ذكر لي انك تتنّصل من دمه، فان كنت صادقا فأمكنا من قتلته
نقتلهم به»[18] ، فهذه الرسالة تتضمن رؤية تحليلية لحدث مقتل
عثمان، خلص فيها معاوية الى اتهام الإمام علي (ع) بقتل
عثمان، استنادا الى ثلاث أدلة هي:
الأول: موقف علي التاريخي من الخلفاء
المشهور برفض مبايعتهم، وإبطائه عنهم، وإرغامه في كل عهد على البيعة كارها.
الثاني: موقف علي ابان
الحصار، حيث رغم ما كان يسمع من جلبة أفواج الثورة، حول دار عثمان، الا انه لم يصدر عنه قول ولا فعل، يكف به الثّوار عن قتل
عثمان، ولم يذد عنه بنفسه ولا بأبنائه، مما يعبر عن رضاه وتواطئه.
الثالث: ان الثّوار
قتلة عثمان يمثلون خاصة الإمام علي وبطانته، فهم أقرب المقربين إليه، مما يعني انهم لا يمكن ان يصدروا الا عن توجيه منه، ولا بد انه اطلع على مسعاهم ورضى عنه على أقل التقديرات، ان لم
يكن هو المخطط للأمر، وأوكل تنفيذه إليهم. وهو ما رجح معاوية حدوثه، وهو فعلا ما
حدث. إذ أمر بهذا الحجم من الخطورة، متوقف عليه مصير الأمة، لايمكن
ان يقف إزاءه خليفة الرسول المغلوب على أمره مكتوف
اليد، أو في موقع المؤيد فحسب. بينما تهديداته بقتال غاصبي الخلافة، والصادرة في
حق الأول والثاني ما طرأ عليها ما يغيرها أو ينسخها، بل طرأ ما يمكنه من وضعها
موضع التنفيذ، حين وجد الناصر الذي يمكنه من استعادة
السلطة، بل علي واشياعه بنوا القاعدة المناصرة، كما
عرفنا، فلهذا كان لابد ان يقف في صدارة الحدث. لكنه
لضمان النجاح كان لابد ان يتوارى عن المشاركة المبكرة
ليقف خلف الستار يحرك الأوضاع، ويوزع الأدوار، ويجعل الأمور تتصاعد بالتدريج،
لتظهر الأحداث وكأن الخلافة هي التي أتته، لا هو الذي أخذها عنوة! ويعزز مدلول
النقطتين الآنفتين شواهد عدة من جملتها:
·شهادة الأشعار التي رويت تقص حدث يوم الدار وما
جرى فيه، ومن جملتها أبيات ولد المغيرة بن الاخنس، الذي
قتل أباه وهو يدافع عن عثمان، يقول ولد المغيرة بن الاخنس[19] :
حكيم وعمار الشجا
ومحمد وأشتر والمكشوح
جرّوا الدواهيا
وقد كان فيها للزبير عجاجة وصاحـبه الأدنى شاب النواصيا
فأما علي فاستغاث ببـيـته فلا آمـر فيها ولم يك
ناهيــا
فهذه الأبيات تكشف ان
المجموعة التي باشرت عملية الاقتحام والقتل، هم حواريو الإمام علي، فحكيم هو ابن
جبلة بن حصن العبدي، من ربيعة المعروفة في التاريخ
بتشيعها لعلي، وكان حكيم عاملا لعثمان على السند، ثم على البصرة، وقاد في حدث يوم
الدار فوج البصرة. وعمار هو ابن ياسر الصحابي، ومحمد هو
ابن أبي بكر ربيب الإمام علي. والأشتر هو لقب مالك بن
الحارث الشاعر التابعي، قائد فوج الكوفة. والمكشوح هو المرادي، وقد أختلف في اسمه، كما تشير الابيات
الى دور الزبير بن العوام وصاحبه طلحة في التأليب على
عثمان، كما تؤكد هذه الأبيات ان عليا لم يغادر بيته
طوال الأزمة، فلم يشارك فيها بأمر أو نهي ظاهرين.
·شهادة أخرى، تعزز مكوث علي في البيت طوال مدة
الأزمة ترد عن الثنائي طلحة والزبير، فينقل عنهما قولهما: «هذا جزاؤنا من علي! قمنا في أمر عثمان حتى أثبتنا
عليه التهمة وسببنا له القتل وهو جالس في بيته»[20] ، وهكذا نلاحظ أكثر من اتجاه يصدر عنه ما يؤكد اعتزال
الإمام علي لجملة الحدث، ومكوثه في بيته مع أسرته، فلم تكن له مشاركة ظاهرة في يوم
الدار.
·ثم بالاضافة الى المعطيات المتقدمة، دلالة مسار تطور الاحداث،
التي جاءت بالإمام علي الى السلطة، والمقولات التي
أطلقها، على امتداد تاريخه، تكشف كل تلك المعطيات بمقارنتها ببعضها انعدام
احتمالات الصدفة والاتفاق في حدث يوم الدار، وحتمية وجود مخطط مبيت يتصف بالدقة
والتعقيد، يوجه حدث يوم الدار بمستوى عال من الكفاءة والإتقان، يترتب على ذلك، ان حدث البيعة، المبني كأثر ليوم الدار، لم يكن فلتة، أو محض
صدفة، والأوراق القادمة كفيلة بتعزيز هذا التصور.