لقد وقعت واقعة الاختلاف في تأويل الكتاب، كما
تنبأ الرسول، ولكن التساؤل الذي يستتبع ذلك، لماذا لم تقع حروب التأويل بعد وفاة
الرسول مباشرة، وتأجلت ربع قرن هي فترة حكم الزعماء الثلاثة؟!
والجواب ينقله لنا كثير من المؤرخين، وأرباب السير، عن لسان الإمام علي بن
أبي طالب، حيث قال: «لو وجدت يوم بويع أخو تيم وعدي
* أربعين رهطا [ذوي عزم] لجاهدتهم في الله الى ان أبلي عذري»[6] ، «الا اني لم يكن لي معين الا أهل بيتي،
فضننت بهم عن الموت»[7] ، ولم يكن أهل بيته أولئك الا
سلمان، وعمار، وأبا ذر، والمقداد، الذين أعلن الرسول انتماءهم لأهل البيت. هذا
العدد المتواضع من الأنصار، العاقدين العزم على القتال حتى الرمق الاخير، ما كان ليواجه الكثرة الكاثرة
من قريش وأحلافها من سائر قبائل العرب، الذين اعتنقوا الإسلام نفاقا، أبطنوا
الكفر، وتربصوا بالزعامة بعد الرسول، وارصدوا طاقاتهم
القتالية رهن أمر العاملين على انتزاع السلطة. ان
الكثرة تغلب الشجاعة، وان المواجهة على قلة الناصر ستؤدي الى
الحاق الموت والهزيمة بالرسالة، لا بالرجال المستشهدين،
وهذا يستدعي إظهار المسالمة: «لأُسالمنّ ما سلمت أمور
المسلمين وكان علي ظلمها خاصة»
**
، وإبطان الغصة حتى تحين الفرصة: «فصبرت وفي
العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا»
***
[8]
.
وبدأ الإمام علي
انطلاقته من النقطة التي انطلق منها الرسول في بدء الدعوة. فمادامت
الجاهلية عادت من جديد، وتغلبت، وامتلكت مقاليد الحكم، وعاد المؤمنون ثلة محدودة
العدد، فان الأمر يعود كما بدأ، بالانطلاق في عمل سري يلتزم مبدأ التقية والتكتم
في تحركه المناهض للقوة القرشية، في صيغتها الجديدة. وانطلاقا من التزام علي
وأنصاره الشديد بمبدأ التقية، انطلاقا من قوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا
ان تتقوا منهم تقاة)28/3،
فأظهر المسالمة للسلطة الحاكمة، فكانت مقولته المسالمة تستهدف إظهار بادرة حسن نية
متقية، أراد ان يُطمئن من خلالها الفئة المنقلبة عليه،
لتخفف شدة حذرها منه، ورقابتها المفروضة عليه، لتوجسها مما قد يقوم به من إجراء،
ليسترد السلطة، تراثه المنهوب. ومع ذلك فقد فرضت الإقامة الجبرية عليه في عاصمة
الخلافة طوال مدة حكمها، وجردته من كل مهام الدولة، ومن القدرة المالية، التي قد
تسهم في إعداده لاسترداد السلطة، فسلبت منه فدكا* ، فكف الإمام علي بإشاراته المطمئنة السلطة عن سعيها في محاولة
تصفيته جسديا بعد ان عزمت على ذلك[9] ، وجعلها ترضى مسالمته تلك، وتفسح المجال
للمشايعين له، لان يتبؤوا مناصب قيادية في الدولة المتنامية
ولاياتها بحركة الفتوحات، فعين في عهد عمر حذيفة بن
اليمان واليا على المدائن، ثم خلفه سلمان في هذا المنصب، وعين عمر عمارا واليا على
الكوفة، والى جانبه ابن مسعود مقرئا وقاضيا** وعيّن حكيم
بن جبلة في عهد عثمان على البصرة، وهو من ربيعه التي ستناصر علي في حروبه اللاحقة.
فعمل هؤلاء في إمرة الإمام علي سرا، وقادوا النشاط السري الملتزم بإعادة الأمة الى ولاية آل البيت، فنشروا التشيع لعلي بين أهل العراق. فكان
تعيينهم نوعا من المكافئة لعلي المهادن، كما تفعل السلطة في كسب ولاء بقية القوى
الاجتماعية والقبلية، لتتجنب ما ينجم عن مضاعفات إقصائها من مكر يستهدف السلطة
بالشر، فكانت السياسة تقتضي ان توزع المواقع والعطاءات الجزيلة في الدولة على القوى المتنفذة،
فمُنح الأمويون في هذا السياق مثلا بلاد الشام، بتولية معاوية عليها في عهد عمر،
واستمرت ولايته في عهد عثمان، وهو ما مكّن الأمويين لان يخططوا
للاستيلاء على السلطة، كما كفلت التعيينات المحسوبة على علي بن أبي طالب، أيضا،
نجاح تحركاته المتقية لاستعادة السلطة بالقوة، ببناء
القاعدة المشايعة له بيد المقربين إليه، المفوضين بحكم بلاد العراق، والمتعاقبين
على ولايتها.
وعن طبيعة الجهاد الغير معلن، الذي مارسه علي
(ع) والثلة ممن استقاموا على ولايته، ينقل التاريخ هذا المشهد، الذي يرويه سليم بن
قيس: سأل رجل علي بن أبي طالب (ع) فقال - وأنا اسمع - اخبرني بأفضل منقبة لك، قال:
ما انزل الله في كتابه، قال: وما أنزل الله فيه؟ قال:
(أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه)17/11، أنا الشاهد من رسول الله (ص)
وقوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم
الكتاب)43/13، إياي عني بمن عنده علم الكتاب، فلم يدع شيئا أنزله الله فيه إلا
ذكره، مثل قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم راكعون)55/5، وقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم)59/4 »[10]
ونجد أنصار
الإمام علي يقومون في صورة مشابهة لما يقوم به من دعوة سرية إلى ولايته، فعن سليم
ابن قيس، قال: جلست إلى سلمان وأبي ذر والمقداد فجاء رجل من أهل الكوفة فجلس إليهم
مسترشدا، فقال له سلمان: عليك بكتاب الله فالزمه، وعلي بن أبي طالب، فانه مع
القرآن لا يفارقه، فأنا أشهد إنا سمعنا رسول الله (ص) يقول: «إن عليا يدور مع الحق
حيث دار، وان عليا هو الصديق والفاروق، يفرق بين الحق والباطل»، قال: فما بال
القوم يسمون أبا بكر الصديق وعمر الفاروق، قال: نحلهما
الناس اسم غيرهما كما نحلهما
خلافة رسول الله وإمرة المؤمنين، لقد أمرنا رسول الله (ص) وأمرهم معنا فسلمنا
جميعا على علي بإمرة المؤمنين»[11]
. كان علي
وأصحابه يستغلون مواسم الحج بالتواصل الفردي مع الحجيج القادمين من الآفاق لفضح
السلطة، واثبات أحقية أهل البيت بمقام الرسول، فيرجع الحجيج وهم يحملون وعيا
مختلفا عن السلطة، ثم استثمر أصحاب الإمام على المواقع التي تبوؤها على الأمصار،
لمواصلة النشاط التنويري في البلاد المفتوحة، لذلك تحولت العراق الى التشيع من جراء هذا النشاط السّري، واستطاع التشيع ان يتجاوز العراق إلى بلاد فارس، واستطاع الثنائي المؤلف من
عمار بن ياسر وابن مسعود، إحالة الكوفة إلى قاعدة انطلاقة لعلي بن أبي طالب،
ولأكثر الثورات الشيعية فيما بعد عهد علي (ع)، كما بذر أبو ذر المنفي إلى الشام بذور
التشيع في ساحل الشام، وتحرك محمد بن أبي بكر نحو مصر، يدعو لولاية الإمام علي.
إن التحول الذي أحدثه النشاط المتقي، في قناعات الرأي العام، في عدة بؤر من البلاد المفتوحة، أدى إلى
انتهاء وضع الاستضعاف، الذي عاشه الإمام علي بعد رحيل
الرسول، مما مكنه من تنفيذ تهديده بقتال أبي بكر وعمر، فهذا التهديد لم يكن
ليتخلّف عن عثمان، الذي مثل امتدادا للأول والثاني، ولم يكن علي(ع) ليجلس في بيته
مسالما، ودين الله يتم تجاوزه كنظام للحياة، ويستبدل بنظام القبلية الجاهلية، وهو
التجاوز الذي بدأ بتنحيته كخليفة للأمة بمعايير الإسلام، وإبداله بخليفة يمثل
الجاهلية التي حاربها الرسول، وهو الاختراق الذي يتوقع ان
يحدث انهيارا للنظام الإسلامي، بوتيرة متصاعدة بصورة درامية، يبدأ بمس مرتكزاته قبل ان يتطور متفرعا ليمس
تفاصيل النظام، كما يصور ذلك الرسول (ص): «لينتقض الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت
عروة تشبث الناس بالتي تليها، أولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة»[12]
، ولكن عليا ما تمكن من التحرك ضد السلطة بنجاح بصورة
علنية، الا بعد خمسة وعشرين سنة من حكم الزعامات
القرشية. وهذه المدة الزمنية الطويلة كانت كافية نسبيا لتربية الأمة في ظل الإعلام
الموجّه، الذي يمارس من فوق منابر المساجد على الحشود في صلاة الجماعة وأيام
الجمعة، وعلى أفواج الحجيج في مواسم الحج، وبجهود الولاة والقضاة وقادة الجيوش
ورجال السلطة، وكل مؤسسات الدولة، وممارسات الحكم، وحركة الفتوحات التي تدخل من
خلالها شعوب بأكملها في الدين، فيؤمنون بالإسلام في ظل الزعماء القرشيين باعتبارهم
خلفاء الرسول. كل هذه النشاطات لها وجهها الإعلامي، فهي تظاهرات دعائية صاخبة، لها
من الضجيج ما يملأ على الإنسان سمعه وبصره وقلبه، تهدف الى
إيجاد تحولات في القطاع الكبير من الأمة تضيع حقيقة الخلافة. بذلك نكتشف صعوبة
الدعوة السرية المناصرة للامام علي.
لم يكن بوسع الإمام علي تجاوز النشاط الدعائي
للسلطة، وما خلق من رأي عام عند الغالبية العظمى من شعوب البلاد الإسلامية، ويخرج
على رأس الـثّوار، كما لو حدث ذلك الخروج في عهد الأول، أو في مطلع عهد الثاني،
الذي جاء الى سدة الحكم بعد سنتين من حكم الأول، وهي
فتره قصيرة كان فيها الرأي العام في جزيرة العرب يعرف أحقية الإمام علي في
الخلافة، ولو تحرك ليسترد مقاليد الحكم والسلطة بالعنف والقوة، لما كان ذلك سيخلق
الإشكاليات، التي ستخلقها حركته ذاتها في عهد عثمان. فلو فعل علي(ع) ذلك في عهد
عثمان، فانه سيؤلب عليه الرأي العام، الذي وجدنا عيّنة منه في الرجل المسترشد
بسلمان، الذي نظر الى الأول والثاني كخلفاء للرسول،
نتيجة وقوعه تحت سيطرة الإعلام السلطوي المضلل والألقاب الممنوحة. فاتهام التحرك
الذي يقوده بالبغي، يمكن ان يجعل الرأي العام يتظاهر
بأسره ضد اتجاه حركته ويقاتله وانصاره، باعتبارهم فئة
باغية، خرجت على خليفة رسول الله المتمثل في عثمان. لهذا السبب أحجم الإمام علي عن
الخروج على رأس الثّوار، وخطط لتحرك البؤر الموالية له، من كل أفق، لتحدث الثورة،
ولتكون بمثابة حرب الأحزاب، أريد من ورائها هدر دم المطلوب بين الأحزاب، التي
تتمثل، هنا، في مشاركة الثوار من مختلف ولايات الدولة الواقعة في الاتجاهات الأربع
من الأرض، فيضيع دم عثمان هدرا، فيقال قتله المسلمون لمخالفته الإسلام، ولا يقال
قتله شخص، أو قبيلة، أو تحالف قبلي، لخلافات شخصية، أو سلطوية، أو دنيوية ضيقة. ثم
يقضي المخطط ان يبايع المسلمون عليا.
هذا الإخراج، لا يفسح المجال للأطراف الطامعة ان تخرج على الخليفة الجديد علي(ع)، وإذا ما خرجت فإنها سوف
تعتبر خارجة على الإجماع، وفئة باغية ستتظاهر على قتالها الأمة، وهذا ما استهدف
الإمام علي ان تنتهي إليه محصلة المخطط. وهو ما يفصح
عنه في كتابه لمعاوية: «انه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما
بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار، ولا للغائب ان يرد، وانما الشورى للمهاجرين والأنصار، فان اجتمعوا على رجل وسموه
إماما كان ذلك لله رضى، فان خرج عن أمرهم خارج بطعن أو
بدعة ردوه الى ما خرج منه، فان أبى قاتلوه على إتباعه
غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى»[13] . فكان هذا الإخراج يراعي الفهم الظاهري عند
الغالبية العظمى من قطاعات الأمة، التي تمنح الخلفاء الثلاثة الاعتبار، فيجنب الإمام
علي تحركه الثوري الاتهام بالبغي على الخليفة، والفشل والانتكاس بتظاهر الأمة
عليه، حين يجعل هذه الصفة لازمه لنظام عثمان، ولكل تحرك مناهض له، حين يظهر حدث
يوم الدار وما تلاها من حدث البيعة له، وكأنهما ثورة الأمة الإسلامية، التي فيها
تفسخ عقد البيعة لعثمان وتبرمه مع علي، مما يجعل أعداءه - الذين يشكلون معطيات
نظام عثمان البائد- بتحركهم ضده انما يتحركون ضد إرادة
الأمة، والخيلفة الذي بايعته، فيوصمون بذلك بالبغي.
فنلاحظ بهذه اللحاظات مجتمعة ان
المخطط يبدو في إخراجه في غاية الإحكام، فهو لم يترك أي احتمال للصدف، وفيه مسحة
من العبقرية، تمنح الحدث صفات التفرد، وهو ما يبرز بعض ما يتمتع به الإمام علي من
حنكة سياسية عالية.
ولكن الامام علي ترك بصماته واضحة على التحرك الثوري، الذي صنع الحدث التاريخي
المعروف بيوم الدار، بأياديه وبطانته التي كانت طليعة تلك الأفواج الثائرة،
القادمة من كل أفق، فكان عمار بن ياسر المتبقي من الأركان الأربعة أبرز الأسماء
المشاركة بفاعلية في صنع حدث يوم الدار. ولو بقيت بقية الأربعة على قيد الحياة
كسلمان والمقداد وأبو ذر يضاف إليهم ابن مسعود، لكانوا الى
جنب عمار. ولكن حل محل هؤلاء عشائرهم وأحلافها؛ فحضر أبوذر
من خلال قبيلته غفار وأحلافها، وابن مسعود من خلال قبيلته هذيل،
وحليفتها زهرة[14] ، وحضر عمار على رأس
قبيلته مخزوم وأحلافها، وقاد محمد بن أبي
بكر تيم بن مرة، وقاد مالك الأشتر أهل الكوفة،
وقاد عبد الرحمن عديس البلوي،
وهو من الذين بايعوا الرسول يوم الشجرة، أهل مصر، وفيهم عمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الجليل، وقاد فوج البصرة حكيم بن جبلة، فكل
هؤلاء الرموز كانوا حواريي الإمام علي (ع) وهم قادة الثورة، وأبطال ملحمة يوم
الدار[15] . الذي ابتدأ بحصار دار عثمان وكان المطلب
الأساسي لأولئك الثوار الهاتفين باسم الإمام علي(ع)، ان يتنازل عثمان عن السلطة
ويسلم أزمتها للمسلمين. فأبى عثمان التنازل، متذرعا بان الخلافة قميص ألبسه الله اياه و«لم أكن لأخلع سربالاً سربلنيه الله»[16] ، فما كان من الثّوار الا
ان تسللوا واقتحموا داره، المحروسة بأفراد من عبيده
وبطانته، وقتلوه بعد حصار، دام اربعين يوما، وأبرز الأسماء التي تردد ذكرها،
كمنفذة لعملية الاقتحام والقتل: محمد بن أبي
بكر، عمار بن ياسر، مالك الأشتر، عمرو بن الحمق الخزاعي .. بهذا الترتيب، الذي يبرز
حجم المشاركة.