الفصل الثالث:القرآن وعصر الإمام على(حروب التأويل)

 

((إن علي بن أبي طالب يقاتل على التأويل، كما قاتلت على التنزيل)) الرسول الأعظم (ص)

 

 

 

 المدخل

أُمر الرسول في موقعين من الخطاب القرآني بحرب المنافقين جنبا إلى جنب مع الكفار، فقال تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم)73/9، ووردت الآية الثانية بالعبارة نفسها، وهذا الأمر يعني إن المبرر الشرعي لقتال المنافقين وارد في القرآن، وان الرسول أجل أمر القتال إلى مرحلة لاحقة، قال فيها: «يا علي! ستقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله»[1]  . كما تدل الآية على إن القتال، الذي سيحدث لاحقا، سيأخذ طابع الحرب الأهلية، ليبدو القتال الداخلي وكأنه بين فريقين ينتميان إلى الإسلام، بينما القتال في جوهره متابعة لحروب الكفر والإيمان. كما ان إطلاق الرسول على الحروب اللاحقة اسم حروب التأويل، يدل على ان إشكالية مرحلة ما بعد الرسول متعلقة بفهم القرآن وتأويله. فالرسول خاطب عليا مبينا غاية تلك الحروب بالقول: «تجاهد من أمتي كل من خالف القرآن وسنتي، من يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما هو أمر الرب ونهيه»[2]  ، بذلك تنبأ بان الفريق المنافق سيستغل غياب الرسول، ليتأول القرآن بالرأي الباطل، لإحراز مكاسب دنيوية تحت ستار مزيف من الشرعية، وبهذا صرح الإمام علي في أحد خطب حروبه: «إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل»[3]  . فهذه المقولة ترصد واقعا قائما على الأرض تنبأ به الرسول، حين قال: «أخوف ما أخاف عليكم من بعدي رجل يتأول القرآن على غير تأويله»، ولقد شهدنا فيما تقدم، أول ترجمة لهذه النبوءة تتجلى في الاستدلال التأويلي الناقص لأبي بكر في السقيفة، الهادف لاثبات أحقية المهاجرين بالخلافة من الأنصار، هذا النمط من التأويل الناقص، مكن قريش من تبرير استيلاءها على السلطة، ليكشف عن طبيعة علاقة الحكم المستقبلية بالقرآن، التي يمكن التعبير عنها بعلاقة اللاعلاقة، أي علاقة فيها يتباين السلطان في موقفه مع القرآن، رغم التمسك الظاهري به، والمحاربة له رغم الظهور بمظهر المدافع عنه، لذلك قال (ص): «يوشك القرآن والسلطان ان يفترقا.. يوشك السلطان والقرآن ان يقتتلا»، وهذا الحديث نجد سنده في القرآن في قوله: (يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)30/25، فالعلاقة قائمة على الأخذ والهجر، التواصل والافتراق.

في الوقت نفسه، تسلط هذه المقولة الأضواء على العلاقة بين السلطان والقرآن على عهد رسول الله، فالسلطة كانت مع من لديه علم القرآن، الذي تمثل سيرته ترجمة له، ولان الرسول هو الترجمة المثلى للقرآن، فان السلطة العليا في الدولة الإسلامية كانت له، فهو لا ينطق عن الهوى، إنما حديثه ومسلكه العملي يعتبر تجليات قرآنية، ولذلك أمرت الأمة الإسلامية الاقتداء بالرسول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر)21/33، وهذا الإقتداء يمثل الدعوة لترجمة القرآن، حيث ما الرسول الا ترجمان له. لذلك يرد الخطاب في آية قرآنية أخرى بإتباع القرآن: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه)155/6، ليكون إتباع القرآن هو إتباع الرسول، والعكس صحيح. وعلى أساس هذه العلاقة بين السلطان والقرآن، وزّع الرسول السلطات في الدولة الإسلامية على القرّاء القرّءالاااااااالتأويل بمقدار أخذهم من الكتاب، وقام بين الفينة والأخرى بإجراء التغييرات في المناصب تبعا للتغييرات في المستويات، وهذا ما اكده شعار «القرآن مُقدّم».

ولما كان علي(ع) بالنسبة للرسول الأخ والوزير، ويقع منه موقع هارون من موسى، وبالنسبة للقرآن على ترجمان القرآن، كما يقول الرسول: ((علي مع القرآن والقرآن مع علي))[4]  ، وبالنسبة للأمة هو اعلمها وأقضاها واتقاها، والنموذج الأمثل بعد الرسول، وقدوة الأمة بعد رحيله، لما كان الإمام علي كذلك، دل افتراق السلطان عن القرآن، في مرحلة ما بعد الرسول، على وقوع اعتداء فيه استولى فاقد الأهلية على مقام الرسول، وانطوى ذلك على إسقاط الشرط المؤهل للرئاسة، حيث الخليفة ينبغي الاتصاف بالأعلمية بكتاب الله. فتجلى افتراق السلطان والقرآن في اختلاف السلطان مع الإمام علي، الذي سيدافع عن أحقيته في القيادة، مما سيتسبب في نشوب الاختلاف والتنازع، الذي لن يحل بالحوار، لأن المستولي على السلطة بغيا، يستند على القوة، وليس على الحجة، الا بصورة شكلية، مما يجعل الاختلاف لابد ان يتطور الى قتال السلطان للقرآن، وإحداث المجازر في صفوف الحملة لعلم تأويله، بعد ان مهد لها بالتضييق والملاحقة لهم، لينتهي الامر بالصدام بين السلطان و الامام علي الترجمان الأمثل للقرآن، وستدخل الأمة في هذا الصدام اتون حرب أهلية جامحة .

نستنتج مما تقدم، ان قتال السلطان للقرآن: : ((يوشك السلطان والقرآن ان يقتتلا ويتفرقا))[5]  ، يعبر بصورة رمزية عن قتال السلطان للإمام علي، فعبارة هذا الخطاب لا تفهم الا اذا عوضنا محل القرآن بما يؤول اليه استنادا لخطاب اخر هو قول الرسول: ((علي مع القرآن والقرآن مع علي))، فهذه الملازمة في الوقت الذي تعبر عن سلامة موقف الإمام علي من كل ريب، تعبر عن الوحدة بين علي والقرآن، لتكون حرب السلطان على القرآن هي حرب السلطان على الإمام علي(ع)، الذي ابتدأ بالاختلاف بعد الرسول وتتطور الى حروب التأويل فيما بعد، وهي الحروب التي سماها الرسول بحروب التأويل، ليكشف ان الحرب بين الإمام علي والسلطان تستهدف تثبيت التأويل وصونه من الإلغاء والمصادرة التي عمل السلطان القرشي على تحقيقها بغية ان يخرس الكتاب ويكفه عن النطق وحيا من خلال قواعد التأويل. فجاءت حروب التأويل لتقويض المخطط القرشي، الحاصر لقراءات القرآن، والمتوخي بذلك العمل بالكتاب بالرأي، وتكثير الاختلافات، فيؤدي الى افراغ الاسلام من محتواه، لأنه: ((اذا كثر الجواب خفي الصواب))، بذلك تحدث القطيعة بين المحتوى والأمة، فلا يبقى من الإسلام الا اسمه ومن القرآن الا زبره. لقد ظنت قريش انها نجحت في إكمال مخططها، كما ظنت انها ضمنت لوجودها في السلطة الاستقرار، فبهتت بتفجر حروب التأويل، وإعادة الإمام علي نشر العلم بالتأويل والترويج له.

هذه الأحاديث التي نلاقح بينها، لنستولد بعض مكنونها الغير مستنفد، تكشف عن كون التعبير الرمزي لخطاب الرسول يختزن رؤيته المستقبلية في الخلاف وما تبعه من قتال. وهي الرؤية التي يحتاج استخراجها الى تفكيك رمزية خطابها، للوصول الى الدلالات المختزنة في الباطن، وهي لا تتم الا باستعمال التجهيزات والأدوات التأويلية الغير متاحة لكل راوي، فيكفل هذا الترميز عدم مصادرة هذه الأحاديث، كما صودرت غيرها من الأحاديث، لاسيما تلك الظاهرة الدلالة. فلو كانت الدلالات المختزنة لهذه الأحاديث المستعرضة، عُبر عنها بصورة ظاهرة، لضعفت احتمالات وصولها لنا، فترميزها أو تشفيرها كفل حمل رواة المذاهب لها، كما تحمل العير الأسفار، دون ان تعرف محتواها، بذلك نجت تركة الرسول من الرقابة السياسية، والمذهبية، والتاريخية.

بهذا المدخل النظري، الذي يحكي نبوءة الرسول فيما يعقب رحيله، نكون قد أوجزنا الحديث عن الوقائع التي حدثت بعد رحيل الرسول، وسجلها المؤرخون، وروتها كتب الأخبار والحديث.