6/ مفهوم التحريف

لم تكن مسألة التحريف للكتاب بحاجة إلى فتوى، تتلخص في كلمة محرَّف أو غير محرَّف. لان المسألة أعمق من ذلك، لارتباطها بأبعاد تتعلق بالمسألة في جوانبها المختلفة، المفهومية والعقائدية والتشريعية والتاريخية. وموقف المذاهب الهارب من القول بالتحريف لايعبر بشكل مطلق عن إيجابية الموقف، إذا كان التحريف واقعا فعلا، لان موقف الهروب من وجه المشكلة المرتبطة ببنية الإنسان الداخلية، لم يكن يوما يمثل الحل، وليس في نفي الاعتراف بوجود مشكلة لها وجودها الفعلي، الا تأزيما للازمة. كما ان بحثنا لا يهدف إلى تصدير رأي في القضية ليضاف إلى بقية الآراء، لأننا لا نؤمن بالرأي من جهة، بل نؤمن ان التراث الديني الذي ننتمي إليه، له كلمته الفاصلة التي تغنينا عن تكلف الرأي. ومن جهة أخرى، لا نؤمن ببقاء المشكلة مقتصرة على الإطار النظري، إذا ما ثبتت، دون ان تؤدي إلى إعادة مراجعة للواقع القائم على الأرض، لان بهذا فقط يضمن البحث جديته، وتكون للكلمة الواردة فيه اثر المسئولية، فهي كلمة لاتصدر عن فكر ترفي، ولا ينبس بها قلم عابث.

يمثل التحريف أشد قضايا التراث حساسية وشائكية، والأزمة الفعلية التي تعطي للقضية بعدها التعقيدي هي ان الأقلام لم تتناولها الا في إطار الجدل المذهبي المحموم بالانفعال، والمناخ المفعم بتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات في السياق المذهبي. وهذا الواقع الصعب يدفع كل طرف، لان يبحث في تراث الطرف الآخر عن الشواهد والقرائن، التي تشكل دليل الإدانة، فكانت كلمة تحريف إذا ما وردت في نص من النصوص، استحال ذلك إلى شاهد إدانة للتراث الراوي له، وللمذهب المنتمي إليه، فيُنشر ذلك الدليل بعد (فبركته) على الملأ، لتتداوله الألسن في حرب مذهبية تتخذ من التشنيع والتشهير والإسقاط وسائل لشن هجماتها، المثبتة لوجود المذهب على أنقاض المذهب الآخر. مما حرض كل فريق ليلتمس المخرج من هذه الثغرات، فيسقط الاعتبار عن تلك النصوص من تراثه، أو يحاول توجيهها بالتأويل لها بوجه من الوجوه ليصرفها عن دلالتها، التي يعتمد الخصم عليها. وقد لاحظنا ذلك فيما كتب الصدوق والمفيد والطوسي والمرتضى حول التحريف.

كانت طبيعة الإجابات المتقدمة، آنية انفعالية مقتضبة تنقص قيمتها الكثير من الموضوعية، لانها تنطلق من منطلق تبسيطي، ومن استقراء ناقص يعتمد على بعض النصوص. ولا يتحرى السياق التاريخي الذي صدرت فيه. كما لا يتصدى الباحث، لخطورة القضية على العقيدة، بالدراسة الاستقصائية لها من خلال دراسة مراحل تاريخ القرآن بصيغة مفصلة، تهدف إلى تحري الحقيقة لا تبرير وتدعيم القناعات والإجابات، التي يمليها ضغط الخصم أو المقولات الموروثة، فكانت تلك الإجابات الفجة والانفعالية المتقدمة، معتمد الأجيال اللاحقة، انطلقت منها ورددت إجابات تعتبر أصداء لها، فتراكم للتشيع تراث مكوّن من تصريحات مقتضبة للفقهاء ينفي التحريف، ويوجه النصوص الواردة في التراث، التي يفيد ظاهرها وقوع التحريف. وظل الحال إلى هذه اللحظة من التاريخ المعاصر. فنحن بين تراث فقهي عمره ألف عام ينفي التحريف، وتراث مرحلة الرسول والأئمة المؤكد لوقوع التحريف.

وكان انتهاء واقع الاحتكاك والصراع المذهبي المحموم، يفرض الحاجة إلى إعادة تقييم ومراجعة لتلك الإجابات، على ضوء دراسات اكثر موضوعية وعمقا، واكثر جدية ونضجا تهدف إلى تحري وجه الحقيقة التي يقصد به وجه الله، لا من اجل رد الهجمة المذهبية التي يشنها الطرف الخصم، دراسة تنطلق من الذات لتثري الذات نقدا وهديا، لا دراسة تفرض من الخارج بضغوط تجعل النتائج إنما يلجأ إليها اضطرارا وتعسفا، قد يكون ضررها على الذات في المدى البعيد اكبر من نفعها الآني في رد الخصم، وهذا ما حصل، فلم يكن المنطلق في دراسة قضية التحريف في بُعدها الهادف إلى تحري معالمها، التي ينطوي عليها التراث، و المضاعفات الفكرية والتاريخية والعملية في انعكاسها على الذات، لم يكن متبنى لأحد المعاصرين، بل اخذ الاتجاه المعاصر يكرر ويجتر المقولات المتقدمة على ما فيها. وإذا ما أثيرت المسألة في هجمة مذهبية مستحدثة، طالعنا العلماء الكتّاب، بإصدارات يحشدون فيها التراث المتراكم للفقهاء المتقدمين على امتداد ألف سنة، ينفون فيها التحريف كدليل على ان المذهب يعتقد بعدم وقوعه، ويعرضون لنا النصوص المذهبية الدالة على التحريف، باعتبارها ساقطة عن الاعتبار، أو ان دلالتها الظاهرة ليست مراده، أو لم يفهمها الطرف الخصم على وجهها. ثم بعد ان يقدموا مرافعتهم عن المذهب، يبادرون بشن هجوم كلامي مضاد على الخصم، يَغِيرون فيه على تراثه ويعرضون ما ورد فيه من أدلة تدينه*، لتبقى قضايا الدين والعقيدة تستهلك في إطار الحرب الكلامية. وكأن الدين جاء من اجل ان يخدم اختلافاتنا، التي تصنع واقع شقاء الأمة، بحيث كتب علينا ألا نتعاطى مادته، إلا حين تشن علينا الغارات، تعاطي رث يقوم على اجترار المقولات الجاهزة، التي صنعتها العقليات الآبائية المتقدمة. وكأن ليس هناك قدرة على استئناف البحث، وإنتاج الحقيقة الا في إطار الستار المقدس الموروث، وليس هناك همة تسعى إلى بعث الدين، وانما هناك رضى بالدين بالصيغة الاضطرارية، التي قعده فيها الفقهاء المتأخرون بمقولات اصطنعوها، فإذا ما تعرضت تلك المقولات للتشكيك، حينها فقط تهب أقلام حرّاس المذهب تدافع عن حوزة الموروث العقائدي.

ان هذا القسم من الكتاب يمكن ان ينظر إليه باعتباره دراسة استقصائية لتاريخ القرآن، تهدف إلى تحري مفهوم التحريف، الذي حفل به التراث الإسلامي المتوزع بين المذاهب. فالتحريف الذي تدل عليه النصوص المتضافرة، واقع من خلال ما تعرض له القرآن من تحديد لقراءته بحصرها في قراءة، فمفهوم التحريف بهذا يتحدد في منع الحركة عن مكونات القرآن. ومفهوم التحريف هذا قابل للانتفاء بعودة الحركة التأويلية للقرآن. وهذا يدل على ان التحريف يرتبط مع التأويل بعلاقة تنافي، كعلاقة الليل والنهار، ويعزز هذا قول الإمام الجواد: «لن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه»([i]). فبمعرفة التحريف سنحدد مفهوم التأويل. فالمسألة بمثابة تعريف النهار بانه عكس الليل. والتقنية المعرفية التي يمثلها التعريف بالنقيض، التي يشير إليها الإمام الجواد يوظفها الإمام علي في تعريف التحريف والتأويل بالقول: «ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا انفق منه إذا حرف عن مواضعه». فإذا كان التأويل وضع القرآن في مواضعه، فان التحريف عكسه، أي وضعه في غير مواضعه، فهذا التعريف يساوق قوله حين قيل له: «صف لنا العاقل، فقال: هو الذي يضع الشيء مواضعه، فقيل: فصف لنا الجاهل، فقال: قد فعلت». أي ان الجاهل هو الذي لا يضع الشيء في مواضعه، فكان ترك صفته صفة له، إذ كان بخلاف وصف العاقل([ii]). بينما المفهوم السائد للتحريف، اليوم، يتعين في الحركة الابدالية في مكوّنات النص، دون ان يميز بين نمطين من التحريك لمكونات النص، حيث التحريك تارة يكون تلقائيا اعتباطيا، وتارة يحدث وفق ما يمليه القرآن، عندما يستنطق فينطق وحيا. فالتحريك الأول لا شك أنه هو التحريف، بينما الثاني هو التأويل. وهذا الإجمال في التعريف ناتج عما ذكرناه من انحسار الدراسات الجادة لقضية التحريف في التاريخ والتراث الإسلامي. ثم ان التحريف بالمفهوم الذي يحصر قراءة القرآن في القراءة العثمانية ويمنع حركته، ترك أثره على النص، وأهم تلك الآثار الدالة على ان القرآن في وضع غير طبيعي، غياب خواص القرآن الجوهرية، وأبرزها خاصيتان:

الأولى: ان القرآن لم يعد له القدرة لتمثيل كلمة الفصل في اختلافات الأمة ومنازعاتها. كما هو حال الكتب الأخرى المحرفة عند أهل الكتاب. فحال القرآن كما يقول العالم اللاهوتي فيرفير نفلس في حديثه عن الإنجيل في علاقة الفرق النصرانية به: «كل امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه»([iii])، والقرآن في موقعه المعاصر من المذاهب الإسلامية يتبوأ موقع الإنجيل من المذاهب النصرانية، في الوقت الذي يدل النص القرآني ان هذا الوضع الذي هو فيه يدلل ان الكتاب في وضع غير طبيعي، لأن موقعه الطبيعي، كما هو موقع كل الكتب السماوية الأخرى قبل طرؤ التحريف عليها، موقف الحسم في الخلافات والصيانة لوحدة الأمة: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}، وثبتت صفة الحسم للقرآن لما كانت له القدرة على النطق التي يهبها له التأويل: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق}29/45، فلما ألغي التأويل اصبح القرآن بمثابة المملوك الأبكم الأعمى الأصم، لأكثر من مالك(: مذهب) متشاكسين فيه، وهو في ذلك الوضع: {كَلٌ على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير}76/16.

الثانية: ان القرآن يصف ذاته باللاتناهي في العلم، قد حوى تبيان كل شيء، إلى درجة {ما فرطنا في الكتاب من شيء}38/6، كما مر في العنوان الآنف، بينما هو عند المذاهب نص محدود، أمام مسلسل وقائع الحياة المتدفقة من غير تناهي، فهذه الصفة هي الأخرى تدل على ان القرآن في وضعية غير طبيعية.

وبعودة الحركة التأويلية لمكونات النص القرآني تعود هاتين الخاصيتين للقرآن، فتثبت صفة فصل الخطاب، كما تثبت قدرته على مجاراة حركة الوقائع، وتغطيته لكل حركة ببيان يصدر عنه. بهذا نبرهن على ان دراستنا للتحريف تفضي إلى تحديد مفهوم التحريف، وتحديد كيفية التخلص منه. إلا ان ما قلناه في مفهوم التحريف، في هذا القسم، سوف يتعمق في القسم اللاحق، الذي سنعالج فيه المفهوم من وجوه جديدة يبرزها التراث، تزيد البحث عمقا، وتعطيه بعدا تعقيديا، وتمنحنا بصيرة.


 

* فمثلا بعد ان أثار احسان الهي ظهير في كتاباته التي كرسها لشن هجومه المتعصب على التشيع المعاصر من خلال تراثه، صدرت ثلاث كتب دفعة واحدة لعلماء شيعة تتعلق بالتحريف، تأتي في إطار النفي له واثباته عند الطرف الاخر، بنفس طريقة المتقدمين في التعاطي مع هذه المسألة، والكتب الثلاثة هي: صيانة القرآن من التحريف، لهادي معرفة، التحقيق في نفي التحريف، على الميلاني، حقائق هامة حول القرآن. جعفر مرتضى العاملي، كلها صدرت في عام 1990.


 

([i]) المجلسي، بحار الانوار، 78/105.

([ii]) الإمام علي، نهج البلاغة، حكمه (235).

([iii]) جولد تسهير، مناهج التفسير الإسلامي، 3.