«علوم القرآن» هو العنوان الذي كتبت تحته العديد من الكتب، بدءا من أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس، حيث كتب علي الحوفي كتابه «البرهان في علوم القرآن»، مرورا بكتابات ابن الجزري، والسخاوي، وأبي شامة في القرنين السادس والسابع، والزركشي في القرن الثامن، والكافيجي، وجلال الدين البلقيني، والسيوطي صاحب «الإتقان» في القرن التاسع والعاشر، وانتهاء بما يصدر الآن من إصدارات تلتزم غالبا عنوان علوم القرآن. واهتم هذا العنوان بالقرآن وتناوله في مباحث يغلب عليها الطابع التاريخي، رغم ان المواضيع قائمة على تعدد زوايا النظر إلى القرآن؛ فبعتبار القرآن ألفاظ ذات معان صار القرآن بهذا الوصف موضوعا لعلم التفسير، وباعتباره انزل بلسان عربي صار موضوعا لعلم إعرابه وشكله، وباعتباره خطاً، فقد نشأ ما سمي بعلم رسمه، وباعتباره ألفاظا تعددت قراءتها، فصار بذلك موضوعا لعلم القراءات، وباعتباره يتمايز إلى ناسخ ومنسوخ صار موضوعا لعلم الناسخ والمنسوخ، وباعتبار آياته متوزعة على وصف المحكم والمتشابه صار بهذا الوصف موضوعا لعلم المحكم والمتشابه، وباعتباره منطويا على غريب الألفاظ صار موضوعا لعلم غريب ألفاظ القرآن،.. إلى غير ذلك من لحاظات يتحول كل منها إلى عنوان وموضوع لعلم.
ولم يكن للتشيع في هذا النوع من الكتابات نصيب، إلا في صيغة بحوث مستقلة لبعض عناوين هذه المباحث، حتى بدأت تظهر في العصر الحديث كتابات تحت عنوان علوم القرآن، أو تاريخ القرآن تتعرض لهذا النوع من المواضيع بصورة جامعة.
وإذا ما نظرنا إلى الكتابات تحت هذا العنوان من منظار تقييمي، فإننا نلاحظ ان هذه الكتابات صدرت في مرحلة ما بعد عصور الأوصياء، في إطار مدرسة الرأي، لتعبر بصدق عن ضياع الحقيقة القرآنية، والى ما انتهى إليه وضع القرآن من غموض وإبهام في وعي الأمة، واستشراء التضارب والتمذهب في المقدمات الأولية الضرورية لفهم القرآن كمقدمة للعمل به. فالقارئ المتأمل لما انطوت عليه مباحث هذه الكتابات، يمكن ان تلفت انتباهه الكثير من الملاحظات الهامة، أبرزها انه يلاحظ في مبحث المحكم والمتشابه، ان هناك ستة عشر قولا([i])، كل منها يهدف إلى تحقيق معنى المحكم والمتشابه، تصل إلى درجة التناقض، وفي المبحث المخصص لتحديد مفهوم التفسير بالرأي، يقف القارئ على عشرة أقوال([ii])، تختلف كل منها في فهم معنى التفسير بالرأي. وفي تحديد معنى النسخ تختلف الأقوال، «فلقد عرف النسخ في الاصطلاح بتعاريف كثيرة مختلفة»([iii]). وفي المبحث المخصص لبحث دلالة عبارة الرسول انزل القرآن على سبعة أحرف، تتضارب الأقوال وتختلف، إلى درجة بلوغها أربعين قولا([iv]). والانتهاء بالكثير إلى الإعراض، بالقول: انه مشكل. ومن جملة من أدلى برأيه من متأخري الشيعة الخوئي، حين قال: «ان نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح، فلابد من طرح الروايات الدالة عليه»([v]). وفي مبحث التفسير، بحثت الفرق بين التفسير والتأويل ([vi])، فانتهت الأقوال، التي تحاول التفريق بين العنوانين، إلى عشرة. يصل الاختلاف بين بعضها إلى درجة التناقض التام، وفي مبحث روايات النزول تتناقض روايات أسباب النزول إلى درجة يبلغ فيها البحث حد التهافت.
يمكن بهذه الملاحظات في مباحث ما سمي بعلوم القرآن التعرف على أزمة القرآن في واقع الأمة القديم والمعاصر، وكيف انحسر العلم بالقرآن، من خلال استيعاب الغموض للعناوين الأساسية: المحكم والمتشابه، الناسخ والمنسوخ .. وترتب على ذلك تحول ما ينتج عن تواصل هذه العناوين من تصرف النص على سبعة حروف إلى مشكلة عويصة. بل حتى العنوان الأساسي المعبر عن مجمل عملية فقه النص، والمتمثل في التأويل ضاع مفهومه، لنكتشف بذلك ان علم القرآن قد غيب، وساد الجهل به، وفي مثل هذه المراحل الظلامية الحالكة تخرج البحوث ذات العناوين الكبرى، فبدل ان تعترف بالمشكلة تموهها، ليستمر واقع الإغماء الفكري، فيطالعنا أولوا الفكر بكتاباتهم تحت عنوان «علوم القرآن» بما له من صدى في النفوس، وعندما نقلب الصفحات لا نجد في حديثهم الا وصفا للجهل بالقرآن.
([i]) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 2/39-32.
([ii]) ن، م، 2/77-78.
([iii]) الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 2/191.
([iv]) صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن، 153.
([v]) الخوئي، البيان، 193.
([vi]) محمد الصغير، المبادئ العامة لتفسير القرآن، 11-12.