لقد تعرفنا تعرفا أوليا على موقع الناسخ والمنسوخ الارتكازي في عملية تأويل القرآن. ونستطيع ان نستوحي مما تقدم، ان الاستنباط بالامكان تعريفه بالنسخ، إذ ما الاستنباط الا عملية نسخ متتابعة للنصوص لبناء نصوص جديدة، تتناغم مع تجدد الحياة وتطورها، بهذه العملية فقط يمكن ان يُفعّل التراث النصوصي للإسلام، ويستطيع ان ينمو باطراد ليستوعب تقدم الحياة، وبغياب هذا المفهوم المنهجي للنسخ عن وعي الأمة، أصبحت جملة العملية الاستنباطية تنهض داخل إطار معرفي غريب، لا يمت بصلة إلى دائرة الوحي. وتقدم الزمن أدى إلى تقادم التراث النصوصي، ولازم ذلك بروز فكرة عدم أهلية الإسلام لقيادة الحياة، لانتمائه إلى عصر قد عفى نموذجه التاريخي، الذي عاصره في جزيرة العرب وتمحورت آياته حول تلبية متطلباته، مما يجعل النموذج الراهن لا يقبل الانسجام مع القرآن، لان خطابه لم يعد يملك القدرة على التجاوب مع متطلباته، التي تتغاير مع المتطلبات التاريخية التي عهدها، فالنموذج الراهن يسبق زمنيا القرآن ليقع في ظرف متطور، لم يعهده القرآن الذي نزل في ظرف بدائي متخلف، هذه الشبهات وأمثالها صائبة بالنسبة للتراث النصوصي في صيغته المحرّفة، وتزول إذا انتهى الوضع الشاذ الذي يعيشه التراث.
ويمكن ان نتعرف على جذر التحوّل الانقلابي الكبير في مسار الأمة الفكري من خلال تشخيص الانقلاب الذي طرأ على مفهوم النسخ في وعي الأمة. ففي مرحلة ما بعد الأئمة، غاب الفكر الشيعي عن الوعي، بجهله فكرة التأويل. ثم سرعان ما ظهر فيهم التبني للعلوم المنهجية السائدة في الوسط المغاير، فتبنى الطوسي حينئذ مفهوم النسخ عند مدرسة الرأي، وقبل اللاحقون له هذا التبني، فالطوسي، والعلامة، وجمال الدين بن الشهيد الثاني، والشيخ البهائي، والحاجبين، وجماعة، عرفوا النسخ بالقول: «رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر على وجه لولاه لكان الحكم الأول ثابتا»([i]). فكان هذا التعريف صدى للتعريف المطلق في مدرسة الرأي، ولذلك قال الفاني الاصفهاني: «وافق شيخ الطائفة الطوسي علماء العامة في اغلب الموارد التي قالوا بالنسخ فيها»([ii])، فقال أي الطوسي في كتابه عن الصلاة: «فصل (: ذكر جواز نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم): جميع ما ذكرناه جائز دخول النسخ فيه لأن التلاوة إذا كانت عبادة، والحكم عبادة أخرى جاز وقوع النسخ في أحدهما مع بقاء الآخر، كما يصح ذلك في كل عبادتين. وإذا ثبت ذلك جاز نسخ التلاوة دون الحكم والحكم دون التلاوة، (إلى ان قال): «واما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فلا شبهة أيضا فيه لجواز تغيّر المصلحة فيهما وقد ورد النسخ بجميع ما قلناه»([iii]). ومن هذا القول انطلق التأسيس للمفهوم الغريب في فكر مدرسة أهل البيت، وتكرس بتكرار اللاحقين له.
وجاء الفقهاء المعاصرون ليمثل موقفهم امتدادا لموقف المتقدمين. فعرف السيد الخوئي النسخ بالقول: «رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية - كالوجوب والحرمة- أم من الأحكام الوضعية - كالصحة والبطلان - وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى الله تعالى بما انه شارع»([iv])، ولا يمثل هذا التعريف الا إعادة صياغة للتعريف التاريخي الذي اقتبسه الطوسي. وفي الوقت الذي يذهب الطوسي والعلامة الحلي إلى وقوع نسخ التلاوة، فان السيد الخوئي وغيره من المعاصرين ينفون إمكانية وقوعه، لما يلزم عنه القول بالتحريف، فكتب يقول: «وقدمنا لك في بحث التحريف ان القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف، وأوضحنا ان مستند هذا القول أخبار آحاد، وان أخبار الآحاد، لا أثر لها في أمثال هذا المقام»([v]). ويعضد تعريف الخوئي للنسخ وموقفه من نسخ التلاوة آخرون* .
الا ان موقف التفاهم النسبي حول مفهوم النسخ، لم يكد يتحقق في الإطار النظري، حتى اخترق بوقوع الاختلاف، فحينما طبق التعريف على النص، اختلفوا اختلافا شديدا، في تحديد الآيات المنسوخة من غير المنسوخة. الا انهم حاولوا حصر الآيات المنسوخة في أضيق إطار ممكن، إذ قالوا: «ما ثبت فيه النسخ على سبيل الجزم فهو موارد قليلة جدا»([vi]). والذي يحدو بالفقهاء للحرص على تضييق الدائرة، التي يقع فيها النسخ، المضاعفات السلبية للتعريف المتكشفة عند التطبيق، فالتعريف يفضي إلى إبطال معنى الآية المنسوخة، والإبقاء عليها كرسم يتبرك به من خلال التلاوة، دون مزيد على ذلك، مما اعتبره بعضهم إبطالا لجزء من قرآنية القرآن، ورتب على ذلك نفي وقوعه «فالمحقق أبو مسلم الاصفهاني (ت322 هـ) ذهب على احسن الاحتمالات من كلامه إلى عدم جواز وقوع النسخ في القرآن الكريم مستدلا على ذلك بقوله تعالى في وصف القرآن: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}42/41، فهذه الآية تقول ان القرآن لا يعتريه البطلان، ولما كان النسخ إبطالا، لما في الآية من حكم، فهو لا يرد على القرآن الكريم»([vii]).
وتأثير هذا الموقف النافي للنسخ في الفكر الشيعي المعاصر، نجده في محاولة الخوئي لتضييق مصاديق النسخ في القرآن إلى درجة تكاد تصل إلى حد النفي، الذي تبناه أبو مسلم الاصفهاني. ففي مناقشة الخوئي للآيات التي قيل بنسخها، اظهر قلقه من التعريف وأفضى به إلى نفي وقوع النسخ، لولا قوله بنسخ آية النجوى. ولذلك علق بعضهم على مناقشة الخوئي رابطا بينها وبين مذهب أبي مسلم الاصفهاني، فقال: «ويكاد ان يقول آية الله الخوئي، في كتابه البيان في تفسير القرآن، بهذا الرأي حيث عقد مناقشة واسعة أشار فيها إلى الآيات التي يحتمل فيها النسخ، ونقد مبدأ النسخ على ضوء دراسة علمية دقيقة، عدا آية النجوى، وخلص إلى الرأي الآنف الذكر»([viii]). ثم أعلن ذلك البعض اختلافه مع السيد الخوئي، فكتب يقول: «ونحن وان كنا نختلف مع أستاذنا الخوئي في بعض الجوانب التي جاءت في مناقشته هذه، وقد نختلف معه بالتالي في شمول مبدئه للآيات القرآنية كلها، ولكننا سوف نقتصر في دراستنا هذه على مناقشة بعض الآيات بالطريقة التي سار عليها تقريبا»([ix])، وناقش على ضوء ذلك، بعض الآيات التي تناولها السيد الخوئي ونفى نسخها، فقدم ثلاثة نماذج قال بنسخ اثنين، وغاير الخوئي في مناقشته في النموذج الثالث، وناقش محمد هادي معرفة السيد الخوئي أيضا في مناقشته للآيات محط الاختلاف في نسخها، واختلف معه. كما كرر دعوى تأثره بآراء أبي مسلم الاصفهاني، حيث كتب في كتابه التمهيد في علوم القرآن في حديثه عن آيتي جزاء الفحشاء: «وذهب سيدنا الأستاذ إلى إحكام الآيتين وفسر الفحشاء هنا وفق مذهب أبي مسلم، بدليل تثنيته الموصول في الآية الثانية، فتكون هي بدورها قرينة على إرادة المساحقة في الآية الأولى أيضا»([x]).
هكذا نجد كيف صنع الفقهاء التعريف وكيف اختلفوا في تطبيقاته في الكتاب، بالصيغة التي لم تثمر سوى افتراقهم على آراء، تجعل الخلاف قائما في المسألة دون وجود قدرة على حسمه، مما يجعل النسخ في ظل تعدد الأجوبة بحثا معلقا إلى إشعار آخر. وبهذا نكون قد ألقينا الضوء على طبيعة الفهم لمسألة النسخ عند المتأخرين، ويمكن التعليق والمناقشة في إطارين اثنين:
إشكالية التعريف ناشئة من الإعراض عن التعريف التراثي، الذي تناول النسخ في الاطار النظري والتطبيقي، حيث لو تمت دراسة تلك النصوص بصورة مقارنة، لكشفت عن مفهوم النسخ الأصيل. فكان الإعراض عن النصوص بحجة انها أخبار آحاد لاتفيد علما، إذا ما تعلق الأمر بأصول الدين وبالقرآن، ثم بافساح المجال للعقل المعتمد للمعايير المنطقية والفلسفية اليونانية، لان يفصل باستقلال في حقيقة النسخ، أدى الى الوقوع في الخطأ، وهذا من الآثار والمضاعفات السلبية، الناجمة عن دراسة التراث من خلال العلوم المنهجية لمدرسة الرأي.
يوضح ذلك المنحى الذي نحاه أبو مسلم الاصفهاني، حيث بحثه يمثل خطأ في تشخيص الخطأ الواقع، إذ وقوع النسخ لا يمكن التنكر له، لدلالة القرآن على وقوعه. ولكن العقلية المتجرئة، والمقدسة للآباء، في جانبها اللاشعوري، تترجم نفسها بالنظر إلى الاجتهادات الواردة عن الآباء في مقام قدسي فوق قداسة النص، حين تنطلق لتنفي ما نص عليه القرآن، ولاتنطلق منه في تخطئة التعريف الذي أورده الآباء، فالآية التي دلت على ان القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنسخ الذي يلزم عنه بطلان الآيات المنسوخة، بحيث لا يبقى منها الا الرسم، بالكيفية التي ينص عليها التعريف، توجد تعارضا بين مفهوم النسخ والنص، ينبغي على اثره إلغاء التعريف وتخطئته، والبحث عن تعريف آخر جاء عن رجالات الوحي.
ان النسخ المعبر عن حركة مكونات الكتاب، حركة تثير العلم الغير متناه، وتعبر عن علم الله المطلق الذي أحاط بأقطار السماء والأرض. هذه الحركة تفرض إبطال وجه آية بنسخها بآية أخرى، لتثبت لها وجها مستحدثا، مع وجود القابلية لنسخ وإبطال الوجه الناتج، وتثبيت وجه آخر بلحاظ آية ثانية، وهكذا دواليك، كما يجعل الآية قابلة لان تنسخ ما لا يحصى من المرات، لتفيد ما لا يحصى من المعاني والوجوه. وفي كل عملية نسخ تبطل معان ووجوه وتثبت معان ووجوه أخرى، فهي عملية نقل للمعاني أقرب من كونها عملية إبطال للمعاني، رغم ان الإبطال والنقل كليهما من معاني النسخ في اللغة، فليس هناك نسخ مطلق، وانما هناك نسخ مؤقت، لما في النسخ المطلق من إبطال لجزء من قرآنية القرآن، ولما في النسخ المؤقت من عدم نفادية علم القرآن.
يتضح على ضوء ما تقدم، ان نسخ التلاوة، أي ارتفاع قراءة معينة، واختفاء النص القرآني، قابل للوقوع. لان حركة النص القرآني تؤدي إلى إبراز قراءات وإخفاء أخرى، مع إمكانية تصريف النص إلى الوراء لإنتاج تلك القراءات التي اختفت واندرست بالنسخ. مما يعني انه لا يلزم من القول بنسخ التلاوة القول بالتحريف، الا بناء على النظرة التي ترى القرآن نصا جامدا متحجرا، وآياته محدودة معدودة، وهو الفهم التحريفي للدين وللقرآن. أما بناء على كون النص متحركا. وهو ما يمثل الدين القويم والاعتقاد الصائب، فآيات القرآن غير قابلة للعد، يدل على ذلك قوله: {لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}109/18. وعلى هذا يكون نسخ التلاوة تعبيرا عن طبيعة النص القرآني الحركية الرافضة للسكون، والمضارعة لبحر الحياة المتقلب بإحداثه، في حركة تظهر وتخفي، وبهذه الصيغة تتعدد قراءة وتلاوة النص، وينسخ بعضها بعضا.
* كتاب (علوم القرآن) لمحمد باقر الحكيم، اوضح في المقدمة ان الكتاب هو بحوث كتبها محمد باقر الصدر لكلية الشريعة الا انه لم يتمكن من انهائها، فقام هو باكمالها، دون ان يحدد مقدار ما كتبه الصدر من عناوين الكتاب، واستنادنا الى بعض الشواهد من هذا الكتاب في هذا العنوان، يجعلنا غير قادرين على نسبة الشاهد الى محمد باقر (الحكيم ام الصدر)، مما الجأنا الى التعبير المبهم باستخدام (البعض) و (اخرين).
([i]) الطوسي، التبيان في تفسير القران، 12. الفاني الاصفهاني، اراء حول القرآن، المدرج في كتاب: محمد القبيسي ، ماذا في التاريخ، 19/348.
([ii]) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، 12. جمال الدين ابن الشهيد الثاني، معالم الدين وملاذ المجتهدين، 221. الفاني الاصفهاني، اراء حول القرآن، مدرج في كتاب: محمد القبيسي ، ماذا في التاريخ، 19/348
([iii]) الفاني الاصفهاني، اراء حول القرآن، ص348.
([iv]) الخوئي، البيان، 86.
([v]) ن، م، 277
([vi]) المظفر، اصول الفقه، 2/75 وما يليها.
([vii]) محمد باقر الحكيم، علوم القرآن، 165.
([viii]) ن، م، 166.
([ix]) ن، م، 198.
([x]) محمد معرفة، التمهيد في علوم القرآن، 2/352.