اشكالية محدودية النص من الاشكاليات التي نتجت عن تجميد حركة النص التأويلية. مما تسبب في حصر علم النص القرآني في الوجه البارز منه. فأدى إلى تقادم هذا العلم مع تقدّم الزمن، وتحديثه لمكونات الحياة، فأوجد أزمة محدودية الدين الناتجة عن تاريخية خطابه المتبوتق في مرحلة ماضوية، بفقدان النص لقابلية الاستجابة لمتطلبات تطور الواقع واستحداثاته. وهو ما تبلور في تشكل فراغ تشريعي، يحل محل افتقاد النص لامتداده الذاتي الغير متناه، وهو ما دفع بالمأزومين الصانعين لهذه الاشكالية، لان يؤسسوا المنهج الأصولي في قواعده العامة، الهادفة إلى تطويق مستحدثات الحياة، لتكون دائما في الحظيرة الشرعية، غير خارجة عنها.
فلم تكن محدودية النص إشكالية معاصرة، بل جزء من التركة الموروثة عن المتقدمين، وهي الدافع لتأسيس علم الأصول في الإطار السني، وهي المسئولة عن انبثاق الحاجة إلى علم الأصول في الإطار الشيعي، حيث غياب التأويل الذي يمنح القرآن القدرة على استيعاب الحياة في تطورها، هو الذي احدث الاتجاه الانشقاقي في صفوف شيعة ما بعد الأئمة، المنتهج نهج مدرسة الرأي والمتبني لعلم الأصول، الذي وجد فيه العلاج الناجع لإشكالية محدودية النص الديني كتابا وسنة. وتحرير حركة التشيع من الجمود، الذي إذا ما استمر فإنه سيهدد الكيان الشيعي في وجوده، لعدم قدرته على مجاراة تطور الحياة، بسبب افتقاد المنهج.
ونجد فكرة محدودية النص في إطار الرأي، في مقولة إمام الحرمين الجويني (ت478هـ): «ان معظم الشريعة صادرة عن اجتهاد ولا تفي النصوص بعشر معشارها»([i])، ونجد أصداء هذه الفكرة تتردد في الوسط الأصولي الشيعي، في قول العلامة الحلي في كتابه «الألفين»: «تحصيل الأحكام الشرعية في جميع الوقائع من الكتاب والسنة وحفظها، لابد له من نفس قدسية تكون العلوم الكسبية بالنسبة إليها كالنظرية .. إذ الوقائع غير متناهية والكتاب والسنة متناهيان»([ii]). وقد رددها الطوسي من قبل في تفسيره حين تعرض لقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء}89/16،{ما فرطنا في الكتاب من شيء}38/6، حيث تبنى فيها رأي الجبائي المعتزلي، فـ{كل شيء} تعني كل شيء من أمور الدين والدنيا مجملا أو مفصلا، وما هو مجمل بينه على لسان الرسول وأمر باتّباعه، بالقول: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}([iii])، فهذا التفسير لا يقر بدلالة الآية على اللاتناهي في الذخيرة القرآنية، وانما يعتبر ان القرآن خطاب مجمل في كثير من نواحيه، ويفهم دلالة الآية بالإحالة على الرسول، لتكون السنة النبوية هي المفسرة لمجملات الخطاب القرآني. رغم ان أحاديث السنة هي الأخرى قاصرة، في النظرة المتمركزة على الوجه الظاهر من الأحاديث، عن ان تكون تبيانا لكل شيء، فالخطأ الذي يقع فيه هذا التفسير، المندرج تحت عنوان التأويل الناقص، المصنف من جملة تفسير الرأي، انه يعتمد النتيجة التي مازالت في طور التشابه.
فإذا ما أردنا متابعة تفسير القرآن بالقرآن، لاكمال هذا التصور، فإننا نقول: ان الله تعالى قد أوضح في آيات أخر منطق الرسول بالقول: {ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحي}3/53، وحقيقة هذا الوحي يكشف عنه قوله: {أوحينا إليك هذا القرآن}3/12، فالمحصلة ان خطاب الرسول التفصيلي لا يتجاوز القرآن، فهو منطق قرآني صرف بكل تفصيلاته، باعتبار ان القرآن حوى بيان كل شيء، وهذا ما يدعو للتساؤل عن كيفية تفصيل القرآن لخطابه ليكون تبيانا لكل شيء، فلابد من وجود منهج تلقاه المسلمون عن الرسول يكفل تفصيل الدلالات الظاهر للنص، يدل على ضرورة ذلك التلقي حديث العرض على الكتاب، حيث لا يمكن ان يعرضوا الاحاديث، وهي تعتبر تفصيلات الكتاب، الا إذا كانوا يعلمون المنهج المفصل للكتاب.
ويمكن تحري مقولة محدودية النص عند المعاصرين من الشيعة، بالرجوع الى كتب تفاسيرهم، وبالخصوص تفسيراتهم للآيات الآنفة الذكر، التي وقف عندها الطوسي، فنجد ان مقولاتهم تقتبس عن الطوسي قوله، أو إنها تلتمس مخارج أخرى، توجه فيها دلالة الآية، كالقول بان المقصود من الكتاب اللوح المحفوظ، وليس القرآن الكريم. وفي إجابة أخرى تصرح بان المقصود [كل شيء] ليس بالمعنى الدقيق للعبارة، وانما بالمعنى المجمل، الذي يفيد كل شيء في خطوطه العريضة لا التفصيلية!([iv])، وتتبعثر في كتب الأصوليين مقولات صريحة، كما نجد في العبارة التالية: «والذي لا شك فيه ان آيات التشريع لا تفي بكل ما يحتاجه الإنسان من أحكام الوقائع والحوادث، لاسيما وقد تجدد مع الزمن واتساع الحياة أشياء كثيرة، ومن اجل ذلك كانت الحوادث غير متناهية»([v]). وبهذا يتبين عمق هذه المقولة، التي يتبناها المسار الأصولي، المنطلق من الطوسي مرورا بالعلامة الحلي ورموز هذا الخط وصولا إلى المعاصرين، كتيبة تحتل مساحة زمنية تربو على العشرة قرون، شكلت مقولاتها المتراكمة، تراثا فكريا تتغذى عليه الأجيال المتعاقبة.
فاصبحنا اليوم نقف أمام تراثين متقابلين: التراث الذي انشأه الطوسي ومن تلاه، والتراث الآخر الصادر عن أئمة أهل البيت، وهو التراث الذي ننتمي إليه. وما الطوسي والطابور الذي يقوده الا وسطاء وسماسرة بين الأمة وبين التراث، يزينون جانبا من التراث، ويسقطون الاعتبار عن جانب، ويشينون جانبا آخر، ويوجهون المقولات التراثية في الاتجاهات الأربعين، كيفما ارتأوا، إذ المنهجية المعتمدة تجعلهم أئمة النص، لا النص إمامهم. فالعقيدة لا تعتمد الا على الأحاديث المتواترة، أما أخبار الآحاد فإنها لا تفيد في أصول الدين علما! ولذلك فهي معروض عنها، ليترتب على ذلك ان الفقهاء والمفسرين يعرضون عن الأحاديث المفسرة للآيات، التي تتحدث عن بيان القرآن المستغرق لكل شيء، لينهض الرأي المعتمد على علوم اللغة وبقية العلوم المنهجية في تشخيص دلالة الآية، وبهذا أهدرت أحاديث غفيرة تصطرخ بما ينكره الفقهاء والمفسرون، من جملتها:
عن الصادق: «اني اعلم ما في السموات وما في الأرض واعلم ما في الجنة ومن في النار، واعلم ما كان وما يكون ثم مكث هنيئة فرأى ان ذلك كبر على من سمعه منه، فقال: علمنا ذلك من كتاب الله عز وجل ان الله عز وجل، يقول: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء}89/16»([vi]). وفي حديثه عن علم الإمام على بمقارنته بعلم الأنبياء من أولي العزم عيسى وموسى، قال: «ان الله تبارك وتعالى قال لموسى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة}145/7، ولم يقل كل شيء موعظة، وقال لعيسى: {ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه}63/43، ولم يقل كل شيء، وقال لصاحبكم أمير المؤمنين (ع): {ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين}58/6، وعلم هذا الكتاب عنده»([vii]). وفي حوار هشام بن عبد الملك، الخليفة الأموي، مع الإمام الباقر، يرويه الإمام الصادق، قال: قال هشام مخاطبا الباقر، ان عليا كان يدعي علم الغيب والله لم يطلع على غيبه أحدا، فمن أين ادعى ذلك؟ فقال أبي : ان الله جل ذكره أنزل على نبيه (ص) كتابا بين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، في قوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}12/36، وفي قوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}38/6، وأوصى الله نبيه (ص) ان لا يبقي في غيبه وسره ومكنون علمه شيئا الا يناجي به عليا»([viii])، وقال الإمام علي معززا هذا الحديث: «أيها الناس! ان الله تبارك وتعالى، أرسل إليكم الرسل (..) فجاءهم بنسخة ما في الصحف الأولى وتصديق الذي بين يديه وتفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق ولكن أخبركم عنه ان فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلمتكم»([ix]).
هذه النصوص تضع القيود والاغلال عن دلالة: {تبيانا لكل شيء}89/16، والآيات النظيرة، التي حاولت أقوال المفسرين قديما وحديثا ان تكبلها بها، وتحجّم معناها. فاصبح القرآن بتحريرها مستوعبا لجميع العلم. وهذه الخاصية في القرآن لا يمكن إثباتها الا بمعرفة التأويل، كمنهج يقوم توظيفه في النص بتحريك مكوناته اتصالا وانفصالا، ليطلق بصورة فعليه تشهدها عين العقل، طوفان العلم القرآني، الغير قابل للحصر أو التناهي. وإذا ما انطلق العلم القرآني انتفى الفراغ التشريعي الناتج عن عقيدة محدودية النص، بتمدد القرآن ومجاراته لتطور الزمان، وحينها يكون مصير البناء الأصولي الذي قام في الفراغ التشريعي الانهيار، حيث تنتفي الحاجة إلى علم أصولي، يمنح الدين عكازين ليقدر على متابعة مستحدثات الحياة، إذ النص بحركته الذاتية يضاهي حركة الوقائع ويغطي معطياتها، بل قادر على التنبؤ بها قبل ان يخلّقها الواقع، وينتج حقيقتها العينية.
ان عقيدة محدودية النص القرآني وضعية، وليس لها أصل في الشريعة، لان الفكرة التراثية النصوصية الواردة عن تراث أهل البيت، تنبذها، وتكشف مدى جورها. والخطأ الذي وقع فيه الاتجاه القائل بالمحدودية، ناجم عن استناده إلى الرأي بدلا عن النص. وكان ذلك نتاج خطأ آخر، يتمثل في نفي الافادة عن خبر الآحاد في أصول الدين. فيتبين ان الأخطاء متراكبة تتغذى من بعضها، وان البناء الفكري المشيد تترتب فيه المقولات الفرعية المغلوطة على المباني الخاطئة. كما ان البحث الجاد عن فكرة تفصيل الكتاب واستيعابه لبيان كل شيء لو حدث لكان كفيلا بان يصحح الخطأ. إذا ما لقي العقل الصابر على نبش معمقات هذه المقولة، والتعقب لذيولها المنتشرة في التراث على امتداد صفحاته، كقول الكاظم: «أتاهم رسول الله (ص) بما اكتفوا به في عهده واستغنوا به من بعده»([x]). فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يلتمس الهدى من خارج التراث الصادر عن الرسول وأهل بيته، بل كيف تكون المناهج الغريبة حاكمة على التراث؟! ويصبح تطبيق المنهج على النصوص ينتج تراثا بديلا ناسخا للتراث الأصيل، أليس في ذلك ما فيه؟!.
([i]) علي عبد الرزاق، الإجماع في الشريعة الإسلامية، 9063.
([ii]) العلامة الحلي، الألفين، 7، 8، 30.
([iii]) الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، الآية.
([iv]) راجع تفسير الآية في التفاسير التالية: الطبرسي، مجمع البيان، السبزواري، التفسير الجديد، محمد جواد مغنية، الكاشف، الشيرازي، تقريب القرآن من الأذهان...
([v]) هاشم معروف الحسني، الموضوعات من الآثار والأخبار، فراجع.
([vi]) البحراني، تفسير البرهان، 1/ المقدمات.
([vii]) الطبرسي، الاحتجاج، 375.
([viii]) المجلسي، بحار الأنوار، 46/308.
([ix]) الإمام على، نهج البلاغة، (185).
([x]) الكليني، الكافي، 1/57.