لم يمتلك الفقه الشيعي الروائي منهجية في نقد نصوص الحديث، الا بعد ان تحول فريق من الشيعة إلى مسار مدرسة الرأي، واقتباس العلوم المنهجية. ويمكن التدليل على ذلك بشهادة رجال الفقه الشيعي بان علم الحديث نشأ في إطار مدرسة الرأي قبل الإطار الشيعي، وبان ليس هناك فوارق جوهرية بين علم الحديث في كلا الإطارين. مما يؤدي إلى القول بان ثمة عملية اقتباس قام بها فقهاء الاتجاه الأصولي لعلم الحديث، باعتبارهم جاؤوا متأخرين، وان مباحث العلم التي ظهرت في أيديهم هي مباحث العلم ذاتها الموجودة عند الطرف الآخر، فلا يعقل انهم اخترعوا المخترع، بل اقتبسوه كما اقتبسوا بقية العلوم المنهجية من الدائرة المغايرة. ونجد اول اقتباس لعلم الحديث فيما ذكره المفيد في رسالته الموجزه في الاصول، حيث ما ذكره تحت عنوان (الخبر) ايجاز لعلم الحديث، كما وجد في الدائرة السنية، وان غابت عنه بعض التفاصيل*. وكان الفارض لهذا الاقتباس، إشكالية أحاديث السنة التي تبدو في كثير من المواقع مختلفة، متضاربة، وان منشأ هذا التضارب قد يكون الوضع، أو قد يكون اختلاف اللحاظات، مما يوهم الناظر بأنها نصوص متعارضة. ومن اجل التغلب على هذه الإشكالية في جانبها الأول الذي يهدف إلى تجاوز آثار الوضع السلبية في السنة، بالتمييز والفرز بين الأحاديث الصحيحة والأُخرى المصطنعة، كان لابد من وجود علم معياري، أي منهج، يكفل عند توظيفه في التراث النصوصي تمهيد السبيل للباحث بتحديد النصوص المعتبرة، التي يعول عليها في موضوعه المبحوث، مما أدى إلى عملية الاقتباس.
يدرس علم الحديث سلسلة الرواة دراسة نقدية، قائمة على النظر في سيرة أولئك الرواة، فنشأ ما عرف بعلم الرجال كأساس أولى لعملية نقد السند، ويستهدف من خلال إجراءات الجرح والتعديل إحراز مصداقية الرواة أو نفيها، بإثبات صفات العدالة أو الموثقية أو الممدوحية اوالمجهولية أو الطعن في الراوي، وبالتالي يحكم على الحديث بأحد أحكام ثلاثة، أو أربعة: صحيح (، موثق)، حسن، ضعيف. وهي مبتنية على النتيجة العامة لنقد رجال السند. فكان كل حكم من هذه الأحكام يحدد صفات سلسلة الرواة..
ويقيم علم الحديث مشروعيته على أساس شهادة البيّنة، التي يستمدها من إجازة المشرع الاعتماد على شهادة البينّة وتصديقها، ورفض شهادة المجروح، أو المجهول الذي لم تثبت تزكيته. وبناء على عملية التعديل والجرح في أسانيد الأحاديث، يمنح الاعتبار أو يسلبه عن النص، مما يكشف ان التقسيمات الأربعة أو الثلاثة، هي تقسيمات على الصعيد النظري، ولكنها تنتهي على الصعيد التطبيقي، إلى قسمين: العمل بالحديث فهو مقبول، ويشمل المقبول الصحيح والموثوق والحسن، أو رفض الحديث فهو مردود، ويقتصر على الضعيف. ولكن التقسيم الرباعي النظري يبقى له حضوره من ناحية ارتفاع وانخفاض نسبة المصداقية، التي تبلغ مداها في الصحيح وتنخفض في الموثوق، وتبلغ أدنى مراتبها في الحسن، وتنعدم في الضعيف. والمؤاخذات على هذا المنهج يمكن تعديدها في نقاط، هي:
* ان عملية النقد برمتها تتم على هامش الحديث، بتركيزها على الأسانيد، وبعدها عن تناول متن الحديث بالنقد، الا في حدود شكلية وضيقة. مما جعل موضوعه ليس نقد الحديث بل سند الحديث. ولكن لما كانت النتائج التي تسفر عنها عملية النقد تسحب على المتن، فيحكم عليه بحكم سنده، سمي العلم بعلم الحديث، والأجدر إلحاقه بعلم رجال الحديث. وعلم الحديث كان الأجدر به ان يطلق على منهج ينتقد فكرة النص، لا سلسلة رواته.
* النتائج والأحكام التي ينطوي عليها علم الحديث مشوبة بالظن، فهي أحكام احتمالية. ويتجلى ذلك في بروز ظاهرة رفض العمل بالكثير من الأحاديث رغم إحراز أسانيدها للمصداقية، كما في إعراضهم عن العمل بخبر الواحد في أصول الدين، وقبول الكثير من الأحاديث رغم انعدام مصداقية أسانيدها، ويعلل بعض حالات هذه الظاهرة تارة بوجود ما يدل على فساد ما نص عليه الحديث من فكرة، أو لوجود إعراض أو قبول من المتقدمين من الفقهاء، وان لم يوجد سبب واضح لهذا الإعراض أو القبول، إلا حسن ظن المتأخرين في المتقدمين، الذين يظنون ان المتقدمين ربما انكشف لهم من القرائن، ما جعلتهم يعرضون أو يقبلون العمل بالحديث. ومنشأ ظنية أحكام علم الحديث تسهم فيها عوامل كثيرة أبرزها:
1/ ان الأسانيد قد تخترع اختراعا، كما تخترع الأحاديث بالوضع، يدل على ذلك واقع القصاصين على عهد الخلفاء والامويين، حيث تكفلوا في الرواية في المساجد، فكانوا يحفظون أسانيد جاهزة، يجعلونها أمام أحاديثهم المصنوعة، ويروونها للناس عن الرسول. وفي هذا السياق يأتي الخبر، عن خالد بن يزيد يقول: سمعت محمد بن سعيد الدمشقي، يقول: «إذا كان كلام حسن لم أرَ بأسا ان اجعل له سندا»([i]).
2/ إمكانية وقوع الراوي في الوهم سندا ومتنا، ويمكن توضيح ذلك كالتالي:
· المتن: عدّ الإمام علي (ع) الواهم من جملة أقسام الرواة، فقال في تعريفه: «رجل سمع من رسول الله شيئا، لم يحفظه على وجهه، ووهم فيه، ولم يتعمد كذبا، فهو في يده يقول به ويعمل، ويرويه، ويقول: انا سمعته عن رسول الله، فلو علم المسلمون انه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو انه وهم لرفضه»([ii]).
· السند: والوهم في السند ينشأ عن وضع سند حديث لحديث آخر، أو الخلط بين رجالات الأسانيد، وهذا ليس قليل الحدوث، ولا حاله نادرة عند الذين استمعوا الكثير وحفظوا الكثير. لذلك يصبح التباس الأسانيد عليهم ظاهرة يبتلي بها الوسط الحديثي، ويشير إلى ذلك الراوية ابن أبي عمير، الذي لم يرو عن مشايخ العامة، رغم روايتهم عنه، تجنبا لاختلاط الروايات، كما يظهر ذلك في جوابه على سؤال ابن شاذان بن الخليل النيسابوري، الذي سأله قائلا: «انك قد لقيت مشايخ العامة، فكيف لم تسمع منهم؟ فقال: قد سمعت منهم، غير أني رأيت كثيرا من أصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة، فاختلط عليهم، حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة، وحديث الخاصة عن العامة، فكرهت ان يختلط عليّ، فتركت ذلك وأقبلت على هذا»([iii]).
* ثم ان الواقع العملي الذي وظفت فيه هذه الأداة المنهجية، للتمهيد لدراسة النص عند الاتجاه الأصولي، أظهرت كيف احتكم الأصوليون في نقدهم للنصوص احتكاما صارما، لم يخلُ من التعسف، الذي كشف عن طبيعة هذه الأداة، فهي مبضع يشرح التراث المروي، ويسقط الاعتبار عما شاء من أجزائه، ويمنح الاعتبار لما شاء منه، في عملية أقرب إلى الانتقائية منها إلى الموضوعية العلمية. فأسفرت أحدى التطبيقات لهذا العلم، على ابرز كتب الشيعة في الحديث، وهو كتاب (الكافي)، الذي يحتوي على ستة عشر ألف حديث، عن إسقاط المصداقية عن تسعة آلاف حديث منها، باعتبارها أحاديث ضعيفة، بينما توزع الباقي على الصفات الثلاثة الباقية. ان إسقاط هذا الكم الهائل من الأحاديث، الذي يشبه عملية هدم لصرح التراث النصوصي للدين، هو الذي حدا بالمحدثين من الشيعة، ان يقولوا في الحلي الذي ادخل علم الحديث السني بصورته الكاملة مجاهرا، ان الدين هدم بمولد الحلي كما هدم يوم السقيفة.
* وفي المشهد العام للأمة، فان من أسوأ مضاعفات هذه الأداة المنهجية تعزيز ظاهرة التمذهب، بتوزع تراث الرسول بين المذاهب، ليصبح لكل مذهب أسانيده الخاصة، وبالتالي جزء من التراث يعتبر من خلال اعتبار أسانيده، وتلغى القيمة عن الأحاديث ذات الأسانيد التي تعتبرها المذاهب الأخرى، مما يجعل كل مذهب يؤمن بجزء من التراث في فهمه للدين، ويكفر ببقية التراث، فجميع المذاهب حينها تتورط في التبعيض، الذي يقول فيه تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب}85/2.
والمأخذ الأساسي يرد على القاعدة التأسيسية المتصورة لبنية هذا العلم، فهذا العلم وليد التقييم لظاهرة الرواية، التي وجدت على عهد الرسول واطردت فيما بعده من أحقاب، فوضع هذا العلم تم في منطلقه اعتمادا على ظاهرة التحديث القائمة على رواية المحدثين للمرويات، محافظين على ذكر أسانيدها، وقد بينا ان خلفية المحافظة على إسناد الحديث، هو إجراء آني اتخذه الرسول بهدف مقاومة حملة الوضع، التي يشنها المنافقون لتشويه التراث، مستغلين ضعف المستوى الفقهي، لدى الكثير من الرواة، الغير قادرين على عرض الأحاديث لتصحيحها، فكان إسناد الأحاديث يهدف إلى ردع المنافقين من استغلال جيش الرواة من غير دراية. وانقلب هذا السلاح ضدهم، حيث أدي الإسناد إلى إشاعة أسماء المنافقين، الذين يكثرون الأحاديث المفتريات على الرسول، مما جعل الكثرة الكاثرة من الرواة تتحول رواياتها إلى فضيحة كل منافق عليم اللسان. ثم ان التزام كبار الفقهاء بالرواية بالإسناد جاء من باب تعزيز الالتزام بإجراء الرسول/ الوصي، وتحريض لمن دونهم حتى لا يستشعروا المنقصة حين يروون الأحاديث مسندة، حيث ينبغي ان يسند الحديث من ليس له فقه في الكتاب يمكّنه من عرض الأحاديث، فحتى لا يشين الجاهل رواية الروايات بأسانيدها، روى كبار الفقهاء في الإسلام الأحاديث بأسانيدها، ليقتدي بهم من دونهم، مما عزز الحملة المضادة على الوضاعين. هذا الإجراء نفسه اتخذه الأئمة لمكافحة الوضع في الوسط الشيعي، الذي يقف وراءه المنافقون المتظاهرون بالانتماء إلى التشيع، فكان للسند دور أولى في منح من لا دراية له بالفقه الحد الادنى من الحيطة والحذر، تجاه من يأخذ عنه دينه، فهو مطالب ان لا يأخذه عن الفاسق الغير مقبول الشهادة، وان يأخذه عن المؤمن الزكي المعروف بالورع.
اعتبر هذا الإجراء، القائم على ملاحظة مدى موثوقية الرواي، كافيا لإحراز مصداقية الأحاديث في دائرة الرأي، فقعدت له قواعد وانتج ما عرف باسم علم الحديث، ليكون واضع علم الحديث قد قام بتحويل الاجراء، الذي يهدف الى حماية الجهال من الوضاعين الى علم نقدي، لا يصلح فعلا الا لمن جهل الفقه، لا لفقهاء الإسلام المؤولين. لان الإسناد لم يكن له قيمة معيارية في الحكم على الأحاديث، توضح ذلك سيرة الرسول وسيرة أوصيائه. ففي الخبر عن أبي بصير انه سمع الإمام يخاطب بعض من حوله: «لا تكذب بحديث أتاكم به مرجئ، ولا قدري، ولا خارجي، ينسبه إلينا، فإنكم لا تدرون لعله بشيء من الحق فتكذبون الله عز وجل فوق عرشه»([iv]). فواضح ان الإمام لا يعطي أي حجية لحكم السند ليتعدى ويحكم به على نص الحديث، ثم يعزز هذا الإيضاح بذكر المعيارية الأصيلة والوحيدة، التي يعطيها الإسلام الحاكمية على الأحاديث، بالقول لمحمد بن مسلم: «يا محمد! ما جاءك من رواية من بر أو فاجر، يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك من رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به»([v]). ليتبين ان معيارية العرض على الكتاب هي الأداة المنهجية، التي وظفها الإسلام في نقد الحديث والحكم عليه بالقبول أو الرد، دون اعتبار للسند، فالحديث سواء أجاء به البر كزرارة أو الفاجر الزنديق كابن أبي العوجاء، سيان بالنسبة للعالم الفقيه، لتمكنه من عرض الحديث على الكتاب، ونقد فكرته تأويلا، بصورة يقينية النتائج.
يضاف إلى ذلك، ان علم الحديث بنقده للاسانيد ينطلق من مفهوم خاطئ للحديث، يتلخص في اعتبار الحديث ما نطق به الرسول أو الوصي فعلا، وأن زمن الحديث منحصر في عهد الرسالة، الذي عاشه الرسول أو الأوصياء فحسب. وعلى ضوء هذا التصور، تنطلق الدراسة النقدية في سيرة الرواة، لتحقق، مثلا، في معاصرة الراوي للرسول أو الوصي، أو في معاصرة الراوي لمن يروي عنه.. وهذا ما يظهر لاجدوائية علم الحديث، عندما نظر إلى النصوص باعتبارها آثار من التاريخ انقضى زمانها، وغابت الكثير من العناصر المقترنة بها، وعلى الفقيه لذلك ان يعيش دائما التاريخ ومشاكله من خلالها، ويعاني تضارب الأخبار والاجتهادات في سير الرواة، ولا يعيش الفقه الحقيقي الذي لا يُحمّله ما لا يطيق، إنما يطالبه باليسير من الاعتبار في الكتاب، ليتحرى الحديث باعتباره فكرة قرآنية، يتحقق من وجود سندها القرآني، أو عدم وجوده، باكتشاف وجود فكرة اخرى للقرآن في الموضوع، الذي جاء الحديث المزعوم ليزوّرها ويحل محلها. وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على ما تقدم من قولنا، ان الحديث هو الفكرة القرآنية، غير النافدة في مخزونها، وان منطق الرسول يلتزم القرآن، فأصبحت أحاديثه أفكارا قرآنية غير متناهية، قال بعضها ولم يقل أكثرها، واصبح المعول على الفقيه استنباطها تأويلا.
والخلاصة، ان الدين لما غابت أداته المنهجية التأويلية، اصبح نتاج الفقهاء الآراء كبديل عن النصوص. وصارت الأحاديث في حقبة الرأي تراثا غير قابل للزيادة. لان الأشخاص الذين كان قولهم نص قد رحلوا. يضاف إلى ذلك، ان هذا التراث النصوصي المحدود حينما اعتمد الفقهاء فيه الأداة النقدية المسماة بعلم الحديث، أدت بهم إلى هدم الجزء الأكبر منه، بإلغاء الاعتبار عنه. بحيث اصبح التراث المحدود اكثر محدودية، وهو ما أفسح المجال لمزيد من الآراء، لان تحل محل النصوص المهملة. فهذا التوظيف لهذه الوسيلة النقدية لم يؤد إلى التمييز الفعلي بين الحق والباطل في الأحاديث، ولم يكفل الوصول الى اليقين، بل ما أضفت، هذه الوسيلة، الا المزيد من الظنون والشكوك، بل وسرّعت وتيرة العمل بالقياس والرأي، بإيجاد المزيد من الفراغ. وأصبحت سلاسل الرواة عبر المذاهب بمثابة الحدود الفاصلة بين التراث الموزع بين المذاهب، فتميز تراث عن آخر بالأسانيد، التي تفرض تورط عملية النقد في دراسة تاريخ الرواة، والغرق في المشاكل التاريخية، ونقص المعلومات، مما أدى الى زيادة الواقع المذهبي مأساوية.
وفي الصورة المقابلة، كان علم الحديث في التراث المروي عن الرسول، لا يكلف الفقيه الرجوع إلى مصادر غير الكتاب أو السنة الثابتة بالكتاب، ليعرض الحديث على الكتاب من خلال عملية عبورية، فيها يؤول النص على وجوه، حتى يتم الوصول إلى الوجه الذي فيه الفكرة المبحوثة، التي بها يتعلق الحديث المعروض. وفي ظل هذه المنهجية، فان الحكم على الحديث تم بمحاكمة نص الحديث بالقبول أو النفي اليقيني، وفي هذا الاطار يمنح التراث الموزع على المذاهب الإسلامية على اختلافها، والمخزون في كتب الأحاديث عندها، يمنح كل الاعتبار، حتى تعرض أحاديثه على القرآن فيميز الحق فيها من الباطل. والتمحيص للأحاديث بطريقة العرض ليس مجملا، بل هو تمحيص قادر على تمييز نسبة الحق من الباطل في الحديث الواحد، واكتشاف ان كان ذلك حديث يصح نسبته إلى الرسول، أو هو حديث مفترى مزعوم. وعملية العرض لا ننشد منها الحكم على الحديث بأنه حق أو باطل فحسب، تصح نسبته أو لا تصح، بل عملية العرض هي إعادة استنباط الحديث، بالرجوع إلى الآيات القرآنية التي تمثل سنده، فالعملية النقدية ليست مقدمة لعملية الاستنباط، كما في علم الحديث عند مدرسة الرأي، بل هي ذات عملية الاستنباط. وأخيرا فان عودة التأويل إلى النص القرآني، كفيلة بان تحسم الخلافات بين المذاهب، فتزيل كل الحدود المذهبية المصطنعة لتعيد للأمة وحدة كيانها.
* يمكن ان نستعرض ما جاء تحت عنوان (الخبر) في رسالة المفيد كالتالي: «والحجة في الاخبار ما اوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها ونفي الشك فيه والارتياب. وكل خبر لا يوصل بالاعتبار الى صحة مخبره، فليس بحجة في الدين، ولا يلزم به عمل على الحال. والاخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين: احدهما: التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطؤ على ذلك، او ما يقوم مقامه في الاتفاق. والثاني: خبر واحد يقترن اليه ما يقوم المتواتر في البرهان علي صحة مخبره، وارتفاع الباطل منه والفساد. والتواتر الذي وصفناه هو ما جاءت به الجماعات البالغة في الكثرة والانتشار الى حد قد منعت العادة من اجتماعهم على الكذب بالاتفاق، كما يتفق الاثنان ان يتواردا بالارجاف. وهذا حد يعرفه كل من عرف العادات. وقد يجوز ان ترد جماعة دون من ذكرناه في العدد بخبر يعرف من شاهدهم بروايتهم، ومخارج كلامهم، وما يبدو في ظاهر وجوههم، ويبين من تصورهم انهم لم يتواطؤوا، لتعذر التعارف بينهم والتشاور، فيكون العلم بما ذكرناه من حالهم دليلا على صدقهم ورفعا للاشكال في خبرهم، وان لم يكونوا في الكثرة على ما قدمناه. فأما خبر الواحد القاطع للعذر فهو الذي يقترن اليه دليل يفضي فيه الى العلم بصحة مخبره، وربما كان الدليل حجة من عقل، وربما كان شاهدا من عرف، وربما كان اجماعا بغير خلف. فمتى خلا خبر واحد من دلالة يقطع بها على صحة خبره، فانه كما قدمناه ليس بحجة، ولا موجب علما، ولا عملا على كل وجه »(المفيد، اصول الفقه، 40-41).
([i]) صحيح مسلم، 1/32.
([ii]) الامام علي، نهج البلاغة، خطبة (210).
([iii]) مقدمة تفسير القمي، عن التنقيح، 2/ 92.
([iv]) المجلسي، بحار الانوار، 2/212، 187، 188.
([v]) البحراني، تفسير البرهان، 1/29.